مقالات الرأي

فريق شرطة حقوقي دكتور الطيب عبدالجليل حسين يكتب السيادة المزدوجة: الاختراق الرقمي والانهيار النقدي في السودان (قراءة تحليلية في حوكمة القرار الاقتصادي والأمني زمن الحرب).

 

من واقع العلاقة المهنية التي جمعت كاتب هذه المقالة بالعميد شرطة (حقوقي) عبدالشكور حسن أحمد، المحامي واستشاري القانون والموثق، وهو من ضباط الشرطة المشهود لهم بالكفاءة المهنية والخبرة العملية في مجال الجرائم الاقتصادية، فقد توليت تمثيله القانوني في الطعن الإداري المتعلق بإنهاء خدمته من قوات الشرطة بموجب قرار صادر من رأس السلطة التنفيذية بمجلس السيادة. وكذلك من واقع توليتي التمثيل القانوني في طعون إدارية أخرى ذات صلة ببنك السودان المركزي والقطاع المصرفي في السودان، من بينها الطعن الإداري الخاص بإحدى موظفات البنك المركزي بشأن تعيينها بالبنك بوظيفة سكرتيرة، ثم نقلها لاحقاً بقرار إداري إلى إحدى الشركات التابعة للبنك، وهو الطعن المقيد بسجلات المحكمة العليا بالرقم: ع ط إ /15/2023م مؤرخ بتاريخ 10/02/2023م، وموجه ضد محافظ بنك السودان المركزي. فققد أتاحت لي هذه التمثيلات القانونية فرصة الاطلاع على جانب مهم من الملفات والوثائق المرتبطة بالقطاع المصرفي والمالي في السودان، وما يكتنفه من إشكالات قانونية وتنظيمية ومؤسسية، الأمر الذي أسهم في تكوين فهم أعمق لطبيعة العلاقة بين البنك المركزي والمؤسسات المالية والأجهزة الرقابية، وللبيئة القانونية والمؤسسية التي تحكم إدارة النظام المالي والمصرفي في السودان.

وفي هذا السياق من هذه المقالة وما يرتبط بها، يُعد العميد عبدالشكور حسن أحمد من الضباط المهنيين الذين عملوا ميدانياً في مباحث التموين بوزارة التجارة، حيث ارتبطت مسيرته المهنية بمكافحة الجرائم الاقتصادية والرقابة على الأسواق. ووفقاً لما ورد في أوراق الطعن الإداري والوقائع التي استند إليها، فقد باشر خلال فترة خدمته أعمال التحري والتحقيق في عدد من الملفات المتعلقة بكشف وضبط شبكات تهريب منظم تعمل على التهرب من سياسات حصائل الصادر التي يشرف عليها بنك السودان المركزي والمصارف التجارية العامة والخاصة. وقد شملت تلك الملفات – بحسب ما ورد من مزاعم – وقائع وأنشطة مرتبطة بتهريب الذهب، وشبكات مالية يُدَّعى ارتباط بعضها بمؤسسات مالية ذات صلة بقوات الدعم السريع، فضلاً عن الإشارة إلى وجود مراكز نفوذ سياسية داخل السلطة التنفيذية يُدَّعى أنها وفّرت، بطرق غير مشروعة، صورًا من الدعم أو التسهيلات التي أسهمت في أنشطة تهريب الذهب والتحايل على الضوابط والإجراءات القانونية المنظمة لتداوله وتصديره .كما تشير أوراق الطعن إلى أن قرار إنهاء خدمة العميد عبالشكور حسن احمد صدر بناءً على مذكرة من الشئون الإدارية برئاسة الشرطة واعتماد وزير الداخلية آنذاك ومصادقة رئيس مجلس السيادة على توصية الوزير، دون أن تسبقه – بحسب ما ورد في ملف الدعوى – توصية من رئيسه المباشر، وهو ما شكّل أحد المرتكزات القانونية الأساسية التي بُني عليها الطعن الإداري.

ولعل هذه الخبرة المهنية، إلى جانب ما أتاحته إجراءات التقاضي من اطلاع على ملفات مصرفية وقضايا تتصل بالسياسات النقدية والرقابة على المؤسسات المالية، تضفي على ما يطرحه العميد عبدالشكور في تسجيله الصوتي موضوع ومحل المقالة هذه أهمية خاصة من زاوية التحليل المؤسسي، باعتباره صادراً عن شخص مارس العمل الميداني في مكافحة الجرائم الاقتصادية، واطلع بصورة مباشرة على كثير من الإشكالات التي تواجه القطاع المالي والمصرفي في السودان. ويُضاف إلى ذلك ما تناولته وسائل الإعلام الورقية والإلكترونية من موضوعات تقنية تتعلق بالمزاعم الخاصة بمنح بنك السودان المركزي تراخيص لشركة (العسجد للحلول الرقمية والذكية)، وما أثير كذلك من مزاعم بشأن إيفاد وفود رسمية لتمثيل السودان في محافل دولية تتصل في أصلها بأنشطة منظمات المجتمع المدني، وما صاحب ذلك – بحسب ما أُثير – من إنفاق مالي تجاوز السقوف المعتمدة. ومن ثم، تحاول هذه المقالة تناول هذه الموضوعات في إطار تحليل قانوني ودستوري ومؤسسي، من خلال عدد من المحاور التي تستهدف قراءة هذه الوقائع في ضوء مفاهيم الأمن الاقتصادي، والسيادة النقدية، والحوكمة الرشيدة، وسيادة القانون.

(أولاً) خلفية واقعة التسجيل الصوتي وأهميتها في تحليل الأمن الاقتصادي والسيادة النقدية:

———————————–

في هذا السياق، استمعت إلى تسجيل صوتي مسئول للعميد شرطة (حقوقي) عبدالشكور حسن أحمد، تناول فيه الارتفاع غير المسبوق في سعر صرف الدولار الأمريكي، الذي تجاوز خمسة آلاف جنيه سوداني، وما ترتب على ذلك من موجة غلاء معيشي طاحنة أثقلت كاهل المواطنين في ظل اقتصاد الحرب الذي تشهده السودان منذ اندلاع النزاع المسلح في منتصف أبريل 2023م. وقد قدّم في ذلك التسجيل قراءة تستند إلى خبرته العملية في مجال مكافحة الجرائم الاقتصادية، ربط فيها بين الاختلالات النقدية والمالية وبين جملة من العوامل المؤسسية والاقتصادية التي أسهمت في تعميق الأزمة، وفي مقدمتها ضعف الرقابة على الموارد الإستراتيجية، واستمرار استنزاف مصادر النقد الأجنبي، واختلال أولويات الإنفاق العام، وتهريب الذهب، والقصور في الرقابة على حصائل الصادر. وبراي تكتسب عندي مضامين هذا التسجيل الصوتي أهمية تحليلية خاصة، ليس بوصفها خطاباً سياسياً أو تعليقاً إعلامياً، وإنما باعتبارها صادرة عن شخص مارس لسنوات طويلة العمل الميداني في مكافحة الجرائم الاقتصادية والرقابة على الأسواق، واطلع بصورة مباشرة على ملفات تتصل بحركة التجارة والتمويل والقطاع المصرفي، بما يضفي على تحليله بُعداً مؤسسياً يتجاوز الوصف العام للأزمة إلى محاولة تفسير أسبابها البنيوية.

ومن خلال تحليل مضمون التسجيل الصوتي، يتبين للمحلل والمراقب، أن المشهد السوداني الراهن يشهد تقاطع أزمتين تبدوان، للوهلة الأولى، منفصلتين، إلا أنهما ترتبطان في جوهرهما بقضية واحدة هي سيادة الدولة على إدارة اقتصادها الوطني. تتمثل (الأولى) في أزمة ذات طابع رقمي ومؤسسي تتعلق بمراجعة وإلغاء بعض التراخيص الرقمية الممنوحة لشركة (عسجد)، وهي شركة خاصة تعمل في مجال الحلول الرقمية والذكية في مجالات تمس البنية الاقتصادية والمالية للدولة، وما يثيره وجود فرع لها في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من تساؤلات تتصل بالسيادة الرقمية، وحوكمة البيانات، وإدارة الأنظمة ذات الطبيعة السيادية.

أما الأزمة (الثانية)، فتتمثل في الانهيار غير المسبوق في قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار الأمريكي، وما صاحبه من ضغوط على سوق النقد الأجنبي، وارتفاع معدلات التضخم، واتساع دائرة الغلاء، وهي أزمة يربطها التسجيل الصوتي بمجموعة من الاختلالات الهيكلية، تشمل تهريب الذهب، وضعف الرقابة على حصائل الصادر، واستنزاف العملات الأجنبية، وتراجع كفاءة إدارة الموارد الاقتصادية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة في إدارة سياستها النقدية وحماية أمنها الاقتصادي.

ومن زاوية التحليل المؤسسي، فإن هذين المسارين لا يمثلان قضيتين مستقلتين، وإنما يعبران عن مظاهر مختلفة لإشكالية واحدة تتمثل في تراجع فعالية أدوات السيادة الاقتصادية للدولة. فإذا كانت قضية (شركة العسجد) تثير تساؤلات تتعلق بالسيادة الرقمية وإدارة البنية التحتية الاقتصادية ذات الطبيعة السيادية، فإن الأزمة النقدية تكشف عن تحديات تمس السيادة النقدية، بما تتضمنه من قدرة الدولة على إدارة عملتها الوطنية، وحماية احتياطياتها الأجنبية، وضبط حركة الموارد الإستراتيجية. ومن ثم، فإن الأزمتين تمثلان وجهين متكاملين لإشكالية واحدة تتعلق بالأمن الاقتصادي والسيادة الاقتصادية للدولة، بما يقتضي دراستهما في إطار تحليلي موحد يربط بين البُعدين الرقمي والنقدي في ضوء مبادئ الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون.

ومن ثم، فإن المقالة هذه لا تتعامل مع هذين المسارين باعتبارهما موضوعين مستقلين، وإنما تنظر إليهما في إطار رؤية دستورية ومؤسسية واحدة، مؤداها أن السيادة الاقتصادية للدولة أصبحت تقوم اليوم على جناحين متكاملين؛ (أولهما) السيادة النقدية التي تعبر عن قدرة الدولة على إدارة عملتها واحتياطياتها وسياساتها المالية والمصرفية، (ثانيهما) السيادة الرقمية التي تعكس قدرة الدولة على بسط ولايتها القانونية والفنية على البنية الرقمية والبيانات والأنظمة التقنية التي أصبحت تمثل جزءاً لا يتجزأ من إدارة الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنظور، فإن أي اختلال يصيب أحد هذين الجانبين، ينعكس بصورة مباشرة على الآخر، ويؤثر في قدرة وكفاءة الدولة على ممارسة وظائفها الاقتصادية والسيادية، ولا سيما في البيئات التي تشهد نزاعات مسلحة أو أزمات اقتصادية ممتدة.

وبالتدقيق في وقائع الحالتين معًا، تتكشف علاقة عضوية لا انفصال فيها: فكلتاهما تعبير عن ظاهرة واحدة جوهرها انفلات القبضة السيادية للدولة عن أدوات إدارة اقتصادها الوطني، في وقتٍ تُدار فيه مفاصل القرار بمنطق الطوارئ والاستثناء الأمني، لا بمنطق المؤسسات والحوكمة الرشيدة. وتسعى هذه المقالة التحليلية إلى تفكيك هذه العلاقة عبر ستة محاور متكاملة، تنتهي بجملة من التوصيات العملية.

(المحور الأول): الإطار المفاهيمي — السيادة المزدوجة (الرقمية والنقدية):

——————————

تقوم السيادة الاقتصادية للدولة، في الفقه الدستوري الكلاسيكي، على ثلاثة أركان متلازمة: (الأول) حق سك العملة وإصدارها، (الثاني) الاستقلال في رسم السياسة النقدية وتنفيذها، (الثالث) بسط الرقابة الفعلية على حركة رأس المال الداخل والخارج. وهذه الأركان الثلاثة، منذ نظرية السيادة عند جان بودان وحتى تطورها في القانون الدولي العام المعاصر عبر مبدأ عدم التدخل وحرية الدولة في تنظيم شئونها الاقتصادية، تمثل جوهر ما يُعرف (بالسيادة النقدية).

إلا أن العقدين الأخيرين شهدا تبلور ركن سيادي (رابع) لم يكن حاضرًا بالوضوح ذاته في الفقه التقليدي، هو (السيادة الرقمية)، والتي تكرّست في الأدبيات الدولية عقب فضيحة التنصت الأمريكية عام 2013م، وترجمت نفسها في تشريعات مثل اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات، وفي مفهوم (التوطين الإلزامي للبيانات) (Data Localization) الذي بات معيارًا سياديًا معترفًا به في عدد متزايد من الدول، ويقضي ببقاء البيانات الحساسة، ولا سيما المصرفية والمالية منها، داخل الحدود الإقليمية للدولة وتحت ولايتها القضائية الكاملة.

وفي ضوء هذا الإطار، فإن منح شركة خاصة (كعسجد) صلاحيات رقمية على بنية تحتية حساسة مرتبطة ببنك السودان المركزي، مع وجود فرع لها خارج الحدود الوطنية في دبي، يطرح إشكالية سيادية مزدوجة: فمن جهة (أولى)، ثمة احتمال تعرّض بيانات مصرفية سيادية لولاية قضائية أجنبية، أو لطلبات إفصاح تُوجَّه إلى الفرع الأجنبي وفق قوانين تلك الدولة لا وفق القانون السوداني. ومن جهة (ثانية)، يثير غياب أي رقابة تشريعية أو قضائية مسبقة وواضحة على عقود هذا الترخيص مخالفة لمبدأ أصيل، مؤداه، أن أي تفويض لصلاحيات متصلة بالسيادة النقدية، يجب أن يخضع لرقابة مؤسسية صارمة، سواء عبر الهيئة التشريعية أو الجهاز الرقابي المختص، لا أن يُترك لقرار تنفيذي أو تعاقدي منفرد.

وفي المقابل تمامًا، يكشف خطاب العميد عبدالشكور حسن أحمد الوجه الآخر لهذه الإشكالية ذاتها، من زاوية (السيادة النقدية التقليدية): فهو يصف بتفصيل ميداني كيف تتسرب العملة الصعبة عبر شركات تصدير صورية توصف بأنها في معظمها (شركات غسل أموال وتجارة عملة)، وكيف يُهرَّب الذهب الخام خارج القنوات الرسمية، وكيف تفلت التحويلات المالية للمغتربين من أي رقابة مصرفية فعالة. وهذا، في جوهره، لا يختلف من حيث البنية عن إشكالية عسجد: ففي (الحالتين) تفقد الدولة قبضتها الفعلية على أداة من أدواتها السيادية، سواء أكانت هذه الأداة رقمية معلوماتية أم نقدية تقليدية.

والخلاصة التي يفرضها هذا المحور من التحليل، أن الأزمتين ليستا سوى وجهين لعملة واحدة، هي تآكل القبضة السيادية على أدوات إدارة الاقتصاد الوطني، سواء جاء هذا التآكل بالتفريط الطوعي غير المراقَب كما في تراخيص عسجد، أو بالعجز الرقابي البنيوي كما في تهريب العملة والذهب.

(المحور الثاني): اقتصاد البذخ الرسمي — عرَض مشترك لغياب الانضباط المالي العام:

——————————-

تلتقي المادتان محل التحليل (التسجيل الصوتي والترخيص لشرك عسجد والوفود الخارجية الممثلة للسودان واللجان الحكومية الادارية) التقاءً مباشرًا وملموسًا حين يتعلق الأمر بأنماط الإنفاق الرسمي غير المبرر، على النحو الذي يوضحه المقابلات الآتية:

(1) العميد عبدالشكور حسن أحمد يردد القول: (الوفود اللي بتمشي ساي، وفد ماشي ماليزيا، ده جاي ماشي سويسرا… والوفود اللي بتمشي ساي، وفد ماشي ماليزيا، ده جاي ماشي سويسرا، لاعبين كورة اتحاد المرأة ماشية وين، ولا الكورة النسائية ماشية وين عشان تتطقطق تسعين/ صفر خمسين/ صفر، دي كلها دولار، وقف الكلام ده يا وزير المالية يا مجلس السيادة.. ويقابله من وقائع مزاعم موضوع عسجد ومؤتمر برلين والصرف الحكومي على اللجان الادارية، مزاعم تشكيل وفد رسمي من وزير الخارجية + عناصر من المخابرات العامة) لمؤتمر برلين، في صحبته (الوزير) منظمات مجتمع مدني منتقاة سياسيًا وأمنيًا.

(2) العميد عبدالشكور حسن أحمد؛ يردد القول بتشخيص مباشر، أن الغلاء (طاحن جدًا) نتيجة استنزاف العملة الصعبة في غير محلها. ويقابله من واقع مزاعم موضوع عسجد ومؤتمر برلين والصرف الحكومي على اللجان، مزاعم انسحاب وزير الخارجية من الاجتماع، أي فشل دبلوماسي بتكلفة مالية مهدرة بالكامل.

(3) العميد عبدالشكور حسن أحمد؛ يردد القول بنداء ساخر مباشر لوزير المالية: (اعمل لجان، جيب لجان، شغل لجان)، هنا عبدالشكور يعكس تكرار النمط العبثي المؤسسي الغائب، إذ يظهر من سياق حديثه أن المقصود لم يكن الدعوة إلى التوسع في إنشاء اللجان الإدارية اللحظية الوقتية بوصفها غاية في ذاتها، وإنما التأكيد على ضرورة تشكيل لجان فنية متخصصة تضم أصحاب الخبرات والكفاءات في المجالات الاقتصادية والنقدية والمصرفية، تتولى تشخيص أسباب التدهور الاقتصادي، ووضع معالجات عملية تستند إلى أسس علمية ومؤسسية، بعيداً عن الحلول الجزئية أو المعالجات الظرفية.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم هذا الطرح باعتباره دعوة إلى تبني إطار مؤسسي أكثر شمولاً، يتمثل في إنشاء مجلس اقتصادي أعلى سيادي يضم مختلف التخصصات والخبرات ذات الصلة، بما يشمل خبراء الاقتصاد الكلي، والسياسات النقدية، والقطاع المصرفي، والمالية العامة، والضرائب والجمارك، وأسواق الذهب والمعادن الإستراتيجية، إلى جانب ممثلين عن الأجهزة الأمنية المختصة بحماية الأمن الاقتصادي، والسلطة القضائية والنيابة العامة، والجهات الرقابية ذات الصلة. ويكون الهدف من هذا المجلس تحقيق التكامل المؤسسي في إدارة المخاطر الاقتصادية، وتنسيق السياسات المالية والنقدية والرقابية، ووضع إستراتيجية وطنية شاملة لمعالجة الاختلالات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد السوداني، بما يعزز الأمن الاقتصادي ويحافظ على السيادة النقدية والسيادة الاقتصادية للدولة.

ويقابله من واقع مزاعم موضوع عسجد ومؤتمر برلين والصرف الحكومي على اللجان، مزاعم لجان صرف تتجاوز السقف المعتمد، إحداها بلغت 60 مليار جنيه خلال عام لموظفة طابعة وأعمال سكرتارية روتينية.

وتكشف المقارنة بين الوقائع المثارة بشأن موضوع شركة «عسجد» والمشاركة الرسمية في مؤتمر برلين والصرف الحكومي على اللجان الادارية، وبين المضامين الواردة في التسجيل الصوتي للعميد شرطة (حقوقي) عبدالشكور حسن أحمد، عن نقطة التقاء جوهرية تتمثل في انتقاد أنماط الإنفاق العام التي لا تستند إلى معايير الكفاءة والجدوى الاقتصادية، وما يترتب عليها من استنزاف للموارد العامة، ولا سيما موارد النقد الأجنبي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني ضغوطاً غير مسبوقة فرضتها ظروف الحرب وتداعياتها المالية والنقدية.

ففيما يتعلق بالمشاركة في مؤتمر برلين، يثار التساؤل حول مبررات إيفاد وفد رسمي ضم وزير الخارجية وعناصر من جهاز المخابرات العامة للمشاركة في مؤتمر يتصل، في جوهره، بقضايا حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وهي مجالات ينهض بها في الأصل الفاعلون المدنيون والمنظمات المهنية المختصة. ويزداد هذا التساؤل أهمية في ضوء ما انتهت إليه المشاركة من انسحاب وزير الخارجية من الاجتماع، الأمر الذي يفتح باب النقاش حول مدى التناسب بين الكلفة المالية التي تحملتها الخزانة العامة والعائد السياسي أو الدبلوماسي المتحقق، ولا سيما في ظل ظروف اقتصادية تفرض أعلى درجات الانضباط في إدارة الموارد العامة، وبخاصة الموارد المقومة بالنقد الأجنبي.

ويتصل بذلك ما أثير بشأن التوسع في تشكيل اللجان الإدارية وما صاحبها من تجاوزات في مخصصات الصرف، حيث أشير إلى أن إحدى اللجان بلغت مخصصاتها نحو ستين مليار جنيه لموظفه خلال عام مقابل أعمال ذات طبيعة إدارية وروتينية تتعلق بالطباعة والسكرتارية. وإذا صحت هذه الوقائع، فإنها تثير تساؤلات قانونية ومؤسسية حول مدى الالتزام بضوابط الإنفاق العام، ومعايير الكفاءة والاقتصاد في إدارة المال العام، ومدى اتساق تلك الممارسات مع مقتضيات الحوكمة الرشيدة في ظل دولة تواجه حرباً تستنزف إمكاناتها المالية والاقتصادية.

وفي المقابل، يلتقي هذا الطرح مع ما ورد في التسجيل الصوتي للعميد عبدالشكور حسن أحمد، الذي وجّه انتقاداً مباشراً للتوسع في إيفاد الوفود الرسمية إلى الخارج دون مردود ملموس، معبراً عن ذلك بقوله: (الوفود اللي بتمشي ساي، وفد ماشي ماليزيا، ده جاي ماشي سويسرا… دي كلها دولار)، في إشارة إلى أن هذه المشاركات تمثل، من وجهة نظره، أحد مظاهر استنزاف النقد الأجنبي في وقت تعاني فيه البلاد من شح شديد في العملات الحرة. كما تناول ظاهرة تعدد اللجان الإدارية بقوله مخاطباً وزير المالية: (اعمل لجان، جيب لجان، شغل لجان)، في انتقاد لما رآه هيمنةً لأسلوب المعالجات الإدارية المؤقتة التي لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية والعدلية والأمنية والعسكرية، بما يعكس الحاجة إلى الانتقال من اللجان الظرفية إلى أطر مؤسسية دائمة تتولى إدارة الملفات الاقتصادية والعدلية والأمنية والعسكرية وفق رؤية علمية متكاملة

.ويؤكد التسجيل الصوتي أن الآثار السلبية لهذه الاختلالات لا تقف عند حدود الإدارة المالية، وإنما تنعكس مباشرة على حياة المواطنين، إذ يشخص حالة الغلاء بأنها أصبحت (طاحنة جداً)، ويربطها باستنزاف العملة الصعبة في أوجه إنفاق لا تحقق عائداً اقتصادياً أو إنتاجياً يتناسب مع حجم الموارد المنفقة، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الضغوط على سوق النقد الأجنبي، وتعميق الاختلالات النقدية والمالية، وإضعاف قدرة الدولة على المحافظة على استقرار العملة الوطنية.

ومن ثم، فإن قراءة هذه الوقائع في ضوء مبادئ الحوكمة الرشيدة، تستدعي إعمال مبدأ الانضباط المالي العام (Fiscal Discipline) بوصفه أحد المرتكزات الأساسية للإدارة الرشيدة للمال العام، وفقاً للمعايير الدولية، وفي مقدمتها مدونة صندوق النقد الدولي بشأن الشفافية المالية، التي تربط مشروعية الإنفاق العام بمعيار (القيمة مقابل المال – (Value for Money، أي التناسب بين حجم الإنفاق والعائد المتحقق منه. وقياساً على هذا المعيار، فإن تخصيص مبالغ ضخمة لأعمال إدارية أو سكرتارية روتينية، إذا ثبتت الوقائع المتداولة بشأنها، يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بمقتضيات الكفاءة والاقتصاد في إدارة المال العام، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

ولا يقف الأمر عند حدود قواعد القانون المالي والإداري، بل يمتد إلى التأصيل الفقهي الإسلامي، حيث يُعد حفظ المال أحد المقاصد الشرعية الكبرى، وقد نهى القرءان الكريم عن التبذير بقوله تعالى: (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا)، كما قرر فقهاء السياسة الشرعية، وفي مقدمتهم الإمام الشاطبي وابن القيم، أن تصرف ولي الأمر في المال العام منوط بتحقيق المصلحة العامة، وأن كل إنفاق يخرج عن هذا الإطار يثير شبهة مخالفة مقاصد الولاية الرشيدة، فضلاً عن مخالفته لمبادئ الحوكمة الحديثة.

وفي ضوء ذلك، فإن مجموع الوقائع والملاحظات التي تناولتها هذه المقاله في محورها هذا، إلى جانب ما ورد في التسجيل الصوتي، يلتقي عند نتيجة مؤداها، أن غياب الانضباط المالي، وضعف ترتيب أولويات الإنفاق، والتوسع في المصروفات غير المرتبطة بعائد اقتصادي أو مؤسسي واضح، تمثل جميعها عوامل تسهم في استنزاف الموارد العامة، وتفاقم الضغوط على النقد الأجنبي، وتقويض الاستقرار النقدي، بما ينعكس سلباً على الأمن الاقتصادي والسيادة الاقتصادية للدولة.

وانطلاقاً من هذا التصور، يمكن فهم ما طرحه العميد عبدالشكور باعتباره دعوة إلى تبني إطار مؤسسي دائم، لا يقتصر على تشكيل لجان مؤقتة، وإنما يقوم على إنشاء مجلس اقتصادي أعلى يضم مختلف التخصصات والخبرات ذات الصلة، بما يشمل خبراء الاقتصاد الكلي، والسياسات النقدية، والقطاع المصرفي، والمالية العامة، والضرائب والجمارك، وأسواق الذهب والمعادن الإستراتيجية، إلى جانب ممثلين عن الأجهزة الأمنية المختصة بحماية الأمن الاقتصادي، والنيابة العامة، والسلطة القضائية، والجهات الرقابية. ويتولى هذا المجلس تنسيق السياسات الاقتصادية والرقابية، وإدارة المخاطر الإستراتيجية، ووضع رؤية وطنية متكاملة لمعالجة الاختلالات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد السوداني، بما يعزز الأمن الاقتصادي، ويحافظ على السيادة النقدية والسيادة الاقتصادية للدولة.

(المحور الثالث): الضغط على الدولار وتهريب الذهب والأمن الاقتصادي:

———————————–

بعد الوقوف على مظاهر الاختلال المؤسسي في إدارة الإنفاق العام، ينتقل التحليل إلى البُعد الأكثر تأثيرًا في الأمن الاقتصادي، والمتمثل في الضغوط المتزايدة على سوق النقد الأجنبي، وما يرتبط بها من تهريب الذهب، والتهرب من توريد حصائل الصادر، واتساع سوق النقد الموازي، وهي جميعها ظواهر لا تمثل مجرد مخالفات مالية متفرقة، وإنما تشكل، في مجموعها، منظومة متكاملة تستنزف الموارد الإستراتيجية للدولة، وتضعف قدرتها على ممارسة سيادتها النقدية والاقتصادية.

ويبرز في هذا السياق، التسجيل الصوتي للعميد عبدالشكور حسن أحمد، بوصفه قراءة ميدانية لواقع الاقتصاد السوداني، إذ يربط بصورة مباشرة بين الانهيار المستمر في قيمة العملة الوطنية وبين استمرار خروج النقد الأجنبي خارج القنوات الرسمية، سواء عبر تهريب الذهب أو عبر شركات التصدير التي لا تقوم بإعادة حصائل الصادر إلى الجهاز المصرفي، فضلاً عن استمرار نشاط تجارة العملة خارج الإطار القانوني، الأمر الذي يؤدي إلى تقليص المعروض من العملات الأجنبية داخل الاقتصاد الرسمي، ويزيد من حدة الاختلال في سوق الصرف.

ولا تقتصر آثار هذه الظواهر على الجانب النقدي، بل تمتد إلى المالية العامة للدولة، إذ يؤدي تهريب الذهب إلى حرمان الخزانة العامة من موارد ضخمة كان يمكن أن تسهم في دعم الموازنة العامة وتمويل الخدمات الأساسية، كما يؤدي عدم إعادة حصائل الصادر إلى إضعاف الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي، وتقليص قدرته على التدخل لتحقيق الاستقرار في سوق النقد الأجنبي. وإلى جانب ذلك، فإن اتساع الاقتصاد غير الرسمي يزيد من صعوبة تطبيق السياسات النقدية والضريبية، ويضعف كفاءة أدوات الرقابة المالية، ويؤدي إلى تراجع الثقة في المؤسسات الاقتصادية.

ومن منظور الأمن القومي، فإن هذه الممارسات لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مخالفات اقتصادية أو جرائم مالية تقليدية، وإنما تمثل تهديدًا مباشرًا لقدرة الدولة على إدارة اقتصادها الوطني، لأنها تستهدف أهم أدوات السيادة الاقتصادية، وهي العملة الوطنية والاحتياطيات الأجنبية والموارد الطبيعية. ولذلك اتجهت التشريعات الحديثة إلى اعتبار جرائم غسل الأموال، وتهريب الذهب، والتهرب من حصائل الصادر، وتمويل الأسواق الموازية، من الجرائم التي تمس الأمن الاقتصادي للدولة، لما يترتب عليها من آثار تتجاوز الخسائر المالية المباشرة إلى تقويض الاستقرار النقدي والمالي.

ويزداد هذا الخطر في ظل النزاعات المسلحة، حيث تتراجع قدرة الدولة على الرقابة الميدانية، وتتوسع شبكات التهريب والجريمة المنظمة، مستفيدة من ضعف الرقابة على الحدود، وتعدد مراكز القوة، وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية.

زر الذهاب إلى الأعلى