فريق شرطة حقوقي دكتور الطيب عبدالجليل حسين يكتب استراتيجية التقاضي الدولي في ملف حرب السودان 15 أبريل 2023م (10)

(لجنة نبيل اديب (المحامي) وجمع وتحليل الأدلة وتحويلها إلى سردية قانونية متماسكة قابلة للإثبات.
———————————–
تكشف المحاور السابقة لهذه المقالة، التي تناولت تباعاً إدارة الأدلة، وشهادة الطب الشرعي، وسلسلة الحيازة، وإدارة الجثامين مجهولة الهوية، والمطابقة الجينية وإثبات الهوية، كما تمهد للمحاور اللاحقة ذات الأبعاد السياسية والدستورية والدولية، أن هذه الموضوعات لا يمكن النظر إليها باعتبارها قضايا أو إجراءات فنية متفرقة، وإنما بوصفها مكونات مترابطة ضمن منظومة متكاملة لإنتاج الحقيقة القانونية. فالقضية محل النقاش لا تتعلق بمجرد إدارة الجثامين أو حفظ الأدلة أو إجراء الفحوص الوراثية، وإنما ترتبط في جوهرها بكيفية بناء المعرفة القانونية الموثوقة في سياق أزمة وطنية كبرى تتشابك فيها الاعتبارات الجنائية والحقوقية والسياسية والدستورية والإنسانية.
وعند النظر إلى هذه المحاور في إطارها الكلي، يتضح أن المسار لا يبدأ ولا ينتهي عند حدود جمع الأدلة أو توثيقها، بل يمتد إلى إعادة بناء الوقائع وتفسيرها داخل سياقها الزمني والمؤسسي والقانوني. فمن شهادة الطب الشرعي التي تسهم في توصيف الحدث وتوثيق آثاره المادية، إلى سلسلة الحيازة التي تضمن سلامة الدليل وقابليته للاعتماد القضائي، مروراً بإدارة الجثامين مجهولة الهوية وما تقتضيه من إجراءات علمية وعدلية دقيقة، وصولاً إلى المطابقة الجينية وإثبات الهوية، يتكشف أن جوهر العملية يتمثل في الانتقال من مجرد إدارة الأدلة إلى إعادة بناء الوقائع، ومن إعادة بناء الوقائع إلى استعادة الأشخاص قانونياً وإنسانياً، بما يتيح تحويل الروايات المتنازعة والادعاءات المتعارضة إلى حقائق قانونية قابلة للتحقق والإثبات والدفاع عنها أمام جهات التحقيق والمحاكم الوطنية والدولية.
وبهذا المعنى، فإن هذه المنظومة بأكملها تمثل مساراً متدرجاً لإنتاج الحقيقة القانونية؛ يبدأ بالدليل، ويمر بالتحقق والتحليل وإعادة التركيب، وينتهي بإثبات الهوية وتحديد المسئوليات وإرساء الأساس الموضوعي للعدالة والمساءلة، بما يجعلها إحدى أهم الآليات المعاصرة للانتقال من الجدل والروايات المتنافسة إلى المعرفة القانونية المستندة إلى الدليل والعلم وسيادة القانون.
ومن هذا المنطلق، تبرز مجموعة من الأسئلة الأكثر عمقاً التي تتجاوز الجانب الفني البحت، وتتعلق بطبيعة العلاقة بين الحقيقة الجنائية والحقيقة السياسية، وبين مقتضيات العدالة ومتطلبات إدارة الأزمات الوطنية. فملف الجثامين مجهولة الهوية لا يثير فقط إشكاليات الطب الشرعي وإثبات الهوية، وإنما يثير كذلك تساؤلات جوهرية حول الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الوقائع الجنائية إلى موضوع للصراع السياسي، وكيف يمكن أن تنتقل الجثامين من كونها أدلة مادية داخل ملف تحقيق إلى رموز وسرديات متنافسة داخل المجال العام. وهو ما يقود مباشرة إلى مناقشة محور (الجثامين مجهولة الهوية بين الواقع الجنائي والتوظيف السياسي) بوصفه امتداداً طبيعياً لمنظومة إدارة الأدلة وإنتاج الحقيقة القانونية.
كما أن ما ورد في التسجيل الصوتي للبروفيسور/ عقيل سوارالدهب من إشارات إلى الخلافات والتوترات التي صاحبت إدارة هذا الملف، يفتح الباب أمام دراسة واقعة الاشتباك والملاسنة بين وزير الصحة ووكيل النيابة الأعلى، ليس بوصفها حادثة إدارية عابرة، وإنما باعتبارها مؤشراً على طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطات العدلية في إدارة الملفات ذات الحساسية الوطنية. فهذه الواقعة تثير أسئلة دستورية تتعلق باستقلال النيابة العامة، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في مسار الإجراءات العدلية، ومدى قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الحقيقة القانونية بمعزل عن الضغوط السياسية، وهو ما يجعل محور (واقعة الاشتباك والملاسنة بين وزير الصحة ووكيل النيابة الأعلى ودلالاتها الدستورية) امتداداً مباشراً للنقاش حول ضمانات الموضوعية وسيادة القانون.
وعلى مستوى أوسع، فإن مجمل هذه الوقائع لا يمكن فصلها عن السياق الدولي الذي أعقب فض اعتصام القيادة العامة، حيث برزت أسئلة جوهرية حول مدى علم المجتمع الدولي بما جرى، وحدود مسئولياته القانونية والأخلاقية، وأسباب التفاوت بين حجم المعلومات المتاحة وحجم الاستجابة الدولية الفعلية. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بوجود أدلة أو غيابها، وإنما بمدى قدرة الأدلة المتوافرة على الانتقال من المجال الوطني إلى المجال الدولي، ومدى استعداد الفاعلين الدوليين لتحويل المعرفة المتاحة إلى آليات مساءلة أو إجراءات حماية أو دعم للتحقيقات المستقلة. ومن ثم، فإن محور (علم المجتمع الدولي وإشكالية الصمت الدولي عما جرى في السودان بعد فض اعتصام القيادة العامة) يمثل الامتداد الطبيعي للنقاش حول العلاقة بين إنتاج الحقيقة القانونية وبين الإرادة السياسية الوطنية والدولية اللازمة لتفعيل آثارها.
وبهذا المعنى، فإن جميع هذه المحاور لا تمثل موضوعات منفصلة، وإنما حلقات مترابطة داخل سؤال مركزي واحد يتعلق بكيفية انتقال الدولة والمجتمع، في أعقاب الأحداث الوطنية الكبرى، من إدارة الروايات إلى إدارة الأدلة، ومن إدارة الأدلة إلى إثبات الهوية، ومن إثبات الهوية إلى بناء الحقيقة القانونية، ثم من الحقيقة القانونية إلى المساءلة والعدالة وحفظ الذاكرة الوطنية. فهناك تلتقي اعتبارات القانون الجنائي والفقه الدستوري والسياسة العامة والقانون الدولي في محاولة واحدة للإجابة عن السؤال الأهم: كيف تُبنى الحقيقة في أوقات الأزمات؟ وكيف يمكن حمايتها من التشويه أو التوظيف أو النسيان؟
(سابعاً) الجثامين المجهولة الهوية بين الواقع الجنائي والتوظيف السياسي:
———————————
من واقع التسجيل الصوتي للبروفيسور/ عقيل سوار الذهب، يتضح أن قضية الجثامين المجهولة الهوية في السودان تكشف عن تداخل بالغ التعقيد بين البُعد الجنائي والبُعد السياسي، حيث لم يعد التعامل معها مجرد مسألة إجرائية أو تقنية مرتبطة بالمشارح وإدارة الأدلة، بل تحولت إلى ملف قانوني ودستوري وسياسي شديد الحساسية. وقد أبرزت السوابق الدولية الكُبرى في سربرنيتشيا ورواند وكوسوفو والارجنتين والبلقان واوكرانيا، أن إدارة الجثامين لا تُختزل في كونها عملية لتحديد الهوية، وإنما هي ممارسة قانونية وأخلاقية وسياسية تعيد الاعتراف بالإنسان وتربط بين الذاكرة الجماعية والشرعية الدستورية، بما يجعلها جزءاً من منظومة العدالة الانتقالية وأداة لإعادة بناء الثقة في المؤسسات.
ففي سربرنيتسا، وعلى سبيل المثال، واجه المحققون تحديات نقل الرفات بين مقابر أولية وثانوية لإخفاء الجريمة، لكن اعتمادهم على الأنثروبولوجيا الشرعية وتحليل الحمض النووي وصور الأقمار الصناعية والوثائق العسكرية مكّن من بناء سردية قانونية أثبتت وقوع إبادة جماعية أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة. وفي رواندا، رغم محدودية تقنيات الـDNA آنذاك، فإن دمج الطب الشرعي وفحص المقابر وتحليل الإصابات مع شهادات الناجين، أثبت وجود سياسة منهجية للإبادة، بينما ساعد الربط في كوسوفو بين هوية الضحايا وحركة القوات العسكرية على إثبات الجرائم ضد الإنسانية. أما النموذج الأرجنتيني في التحقيق في الاختفاء القسري، فقد شكّل تجربة رائدة في استخراج الرفات وتحليل العظام ومقارنة الحمض النووي مع الأسر والعوائل (الأسرة/ العائلة)، مما جعل الأدلة قابلة للاستخدام أمام المحاكم الوطنية وأسهم في إدانة المسئولين. وفي حرب البلقان، طورت اللجنة الدولية لشئون المفقودين أكبر قاعدة بيانات وراثية للتعرف على الضحايا، مما مكّن من إعادة الهوية وتسليم الُرفات للأسر وعائلات الحايا ودعم ملفات الادعاء أمام المحاكم الدولية والوطنية.
وبينما في أوكرانيا، أصبح التحقيق الجنائي أكثر تكاملاً من خلال توظيف أدوات علمية وتقنية متقدمة، حيث لم يعُد الدليل مجرد عنصر منفصل، بل أصبح جزءاً من منظومة متكاملة لإعادة بناء الحقيقة القانونية. فالطب الشرعي (Forensic Science) يمثل العلم الذي يطبق مبادئ الطب والعلوم الطبيعية في خدمة القانون، ويشمل تشريح الجثث، تحديد سبب الوفاة، وتحليل الإصابات والأنسجة، بما يوفر أدلة موضوعية تساعد على تحديد ما إذا كان الموت نتيجة جريمة أو حادث أو أسباب طبيعية. ومن ثم يأتي تحليل الحمض النووي (DNA Analysis) الذي يعتمد على تقنيات مثل PCR (Polymerase Chain Reaction) لتكثير أجزاء محددة من الحمض النووي، وتقنية STR (Short Tandem Repeat) لتحديد البصمة الجينية الفريدة لكل شخص، وهو ما يُستخدم لتحديد هوية الضحايا وربط المشتبه بهم بمسرح الجريمة أو استبعاد الأبرياء، كما يمكن اللجوء إلى mtDNA (Mitochondrial DNA) عند تدهور العينات لكونه أكثر مقاومة للتلف.
وبالانتقال إلى الأدلة الرقمية (Digital Evidence)، فإنها تشمل البيانات المخزنة أو المنقولة عبر الأجهزة الإلكترونية مثل الرسائل النصية، البريد الإلكتروني، الصور، الفيديوهات، وسجلات المواقع، وتُستخدم لإثبات النوايا أو تحديد المواقع أو كشف العلاقات بين المشتبه بهم، مع ضرورة ضمان موثوقيتها وكمالها وأصالتها لقبولها قضائياً. أما صور الأقمار الصناعية (Satellite Imagery) فهي توفر أدلة بصرية موضوعية عن مواقع الدمار أو المقابر الجماعية أو التحركات العسكرية، وتُستخدم لتوثيق الانتهاكات عبر تحليل التغيرات الزمنية في الصور، خاصة عندما يصعب الوصول الميداني. وفي السياق ذاته، تُعد بيانات الهواتف المحمولة (Mobile Phone Data) أداة حاسمة، إذ تشمل سجلات المكالمات والرسائل وبيانات المواقع (GPS) وسجلات التطبيقات، وتساعد في إعادة بناء تحركات الأشخاص وربطهم بمسرح الجريمة، بل ويمكن استرجاع البيانات حتى بعد حذفها باستخدام أدوات جنائية متخصصة.
كما أن مقاطع الفيديو مفتوحة المصدر (Open Source Video Evidence) أصبحت أداة أساسية في التحقيقات الدولية، حيث تُجمع من الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها تتطلب عمليات تحقق دقيقة تشمل تحليل المحتوى والمصدر والسياق لضمان المصداقية، وهو ما يجعلها وسيلة لتوثيق الانتهاكات عند غياب الوصول المباشر. وأخيراً، تأتي النمذجة ثلاثية الأبعاد (3D Crime Scene Reconstruction) التي تعتمد على تقنيات التصوير المقطعي CT (Computed Tomography)، والتصوير بالرنين المغناطيسي MRI (Magnetic Resonance Imaging)، والمسح السطحي لإنتاج نماذج رقمية دقيقة، بما يوفر إعادة بناء افتراضية لمسرح الجريمة يمكن استخدامها لاختبار الفرضيات أو عرض الأدلة أمام المحكمة بشكل بصري، فضلاً عن توثيق الأدلة بشكل دائم وإعادة فحص القضايا القديمة.
وعليه، إن دمج هذه الأدوات في التحقيقات الجنائية، يعكس الحداثة العلمية في فلسفة الإثبات، حيث لم يعُد الدليل مجرد عنصر تقني، بل أصبح وسيلة لإنتاج الحقيقة القانونية وإعادة الاعتراف بالإنسان بوصفه صاحب حق وموقع داخل منظومة العدالة. ومن خلال هذا التكامل، يمكن الاستفادة من التجربة الأوكرانية في السودان، خاصة في إدارة ملفات الجثامين المجهولة الهوية، عبر الجمع بين الطب الشرعي (Forensic Science)، التحليل الجيني (DNA Analysis)، والأدلة الرقمية (Digital Evidence)، بما يضمن تجاوز التوظيف السياسي لهذه القضايا، ويعزز استقلالية العدالة وصون الذاكرة الوطنية.
إن الدرس المستفاد من هذه السوابق الدولية هو أن الهوية لا تُثبت بدليل منفرد، بل من خلال تكامل الأدلة وتماسكها في سردية قانونية واحدة. فالحمض النووي يحدد هوية الضحية، لكن إثبات الجريمة والمسئولية يتطلب ربط هذه النتيجة بالأدلة الطبية والأنثروبولوجية والرقمية والوثائقية والشهادات، مع ضمان سلامة سلسلة حفظ الأدلة.
ومن منظور فقهي ودستوري، فإن هذا التكامل يعكس انتقالاً عميقاً في فلسفة الإثبات من التركيز على الدليل كغاية إلى اعتباره وسيلة لإنتاج الحقيقة القانونية وإعادة الاعتراف بالإنسان بوصفه صاحب حق وموقع داخل منظومة العدالة. وهكذا يصبح الإثبات الجنائي ليس مجرد عملية تقنية، بل فعلاً قانونياً وأخلاقياً وسياسياً يعيد بناء الواقع ويخدم أهداف العدالة الانتقالية وسيادة القانون.
وعند دمج هذه التجارب الدولية مع الواقع السوداني، يتضح أن أزمة الجثامين المجهولة الهوية في السودان، لا يمكن قراءتها فقط في إطارها الجنائي التقليدي الشائع، إذ تشير الشهادات إلى أن المشارح كانت تستقبل لعقود طويلة أعداداً كبيرة من الجثامين مجهولة الهوية، لأسباب متعددة لا ترتبط بالضرورة بأحداث سياسية استثنائية. إلا أن نقطة التحول وقعت عندما جرى الربط السياسي بين هذه الجثامين وبين أحداث فض اعتصام القيادة العامة، فتحولت القضية من مجرد ملف إداري وجنائي إلى قضية سياسية ودستورية بالغة الحساسية.
هذا التحول يعكس كيف يمكن للوقائع الجنائية، أن تُوظف في سياقات سياسية لتشكيل سرديات متعارضة حول المسئولية والعدالة، حيث استُخدم ملف الجثامين خلال فترة الشراكة الانتقالية بين المكونين المدني والعسكري، كأداة ضغط ورمز للصراع على الشرعية وإدارة الرأي العام. ومن ثم، فإن الأزمة لم تعُد مجرد مسألة تتعلق بإدارة الأدلة أو تحديد الهوية، بل أصبحت جزءاً من معركة سياسية أوسع حول مفهوم الشرعية، العدالة الانتقالية، والإفلات من العقاب.
وبذلك، فإن قراءة هذه القضية في ضوء التجارب الدولية، تكشف أن إدارة الجثامين المجهولة الهوية ليست مجرد عملية تقنية، بل هي ممارسة قانونية وأخلاقية وسياسية، تتطلب الفصل بين الحقيقة الجنائية المثبتة بالأدلة العلمية وبين التوظيف السياسي الذي يسعى إلى إعادة صياغة الوقائع لخدمة أهداف السلطة أو المعارضة. هذا الربط الانتقالي يوضح أن السودان، مثل غيره من الدول الخارجة من النزاعات، يواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل (أولاً) في ضمان سلامة الأدلة وإعادة بناء الهوية وفق المعايير الجنائية الدولية، (ثانياً) في حماية استقلالية العدالة وصون الذاكرة الوطنية من التلاعب السياسي.
وبناء عليه، فإن أهمية التسجيل الصوتي للبروفيسور/ عقيل سوار الذهب، لا تكمن في مدى صحة التوصيف السياسي أو عدمه، بل في أنه يفرض على الباحث القانوني ضرورة التمييز بين الوقائع المثبتة بالأدلة الجنائية وبين التفسيرات السياسية التي تُسقط على تلك الوقائع. فالمسئولية الجنائية تُبنى على سلسلة أدلة متماسكة تضمن سلامة الإثبات أمام القضاء، بينما التوظيف السياسي يسعى إلى إعادة صياغة الوقائع في إطار صراع السلطة، وهو ما يجعل هذه القضية نموذجاً معبّراً عن التداخل بين القانون والسياسة، وعن الحاجة إلى مقاربة علمية–فقهية–دستورية دقيقة تحفظ للعدالة استقلاليتها وتمنح الذاكرة الوطنية صدقيتها.
وعليه ومن هنا، يصبح التعامل مع الجثامين المجهولة الهوية، ليس مجرد مسألة جنائية أو إدارية، بل قضية دستورية وسياسية وأخلاقية تتطلب مقاربة مزدوجة: (الأولى) تركز على ضمان سلامة الأدلة وإعادة بناء الهوية وفق المعايير الجنائية الدولية، (الثانية) تضع حدوداً فاصلة بين الحقيقة القانونية والاستخدام السياسي للوقائع، بما يحفظ للعدالة استقلاليتها ويصون للذاكرة الوطنية صدقيتها.
وبهذا الربط الانتقالي بين التجارب الدولية والسياق السوداني، يتضح أن الجثامين المجهولة الهوية تمثل نقطة التقاء بين القانون والسياسة، بين الإثبات الجنائي والشرعية الدستورية، وبين إدارة الأدلة وإدارة الهوية، وهو ما يجعلها قضية مركزية في فهم العدالة الانتقالية وإعادة بناء الدولة بعد النزاعات.
(ثامناً) الاشتباك والتلاسن المؤسسي والصمت الدولي ولجنة نبيل أديب:
——————————–
واقعة الاشتباك بالأيدي والتلاسن اللفظي بين وزير الصحة ووكيل النيابة الأعلى، الواردة في التسجيل الصوتي للبروفيسور/ عقيل سوارالدهب، تكشف عن أبعاد دستورية وسياسية عميقة تتجاوز مجرد حادثة إجرائية مرتبطة بأزمة الجثامين المتكدسة. فهي تعكس صراعاً بين منطقين متباينين: (ألأول) منطق قانوني مهني ينظر إلى الجثامين باعتبارها موضوعاً جنائياً يجب التعامل معه وفق قواعد الطب الشرعي والنيابة والقضاء، (الثاني) منطق سياسي يرى في ملف جثامين مجهولي الهوية جزءاً من معادلات الصراع داخل السلطة الانتقالية وإدارة الرأي العام. ومن منظور الفقه الدستوري، فإن هذه الواقعة تجسد أحد أوجه الإشكال البنيوي الذي صاحب نظام الشراكة الهجينة بين المدنيين والعسكريين خلال الفترة الانتقالية اغسطس 2019م – يناير 2022م، حيث أدى تداخل السلطات واختلاط المسئوليات إلى تحويل بعض الملفات الفنية إلى ساحات مواجهة سياسية، وهو ما يقوض مبدأ الفصل بين السلطات ويضعف استقلالية المؤسسات.
وأما فيما يتعلق بعلم المجتمع الدولي وإشكالية الصمت الدولي، فإن إفادة البروفيسور/ عقيل في التسجيل الصوتي تثير قضية بالغة الأهمية حول مدى معرفة الجهات الدولية بطبيعة أزمة الجثامين. إذ يذكر البروفيسور/ عقيل أن طبيبة شرعية فرنسية موفدة من الأمم المتحدة ومرتبطة بمكتب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في السودان فولكر بيرتس زارت المشرحة واطلعت على أوضاع الجثامين المتكدسة، كما استمعت من البروفيسور/ عقيل إلى شرح تفصيلي حول طبيعة الأزمة وأسبابها، وأن فولكر بيرتس نفسه بعث برسالة خطية تضمنت إشادة بالجهود ودعوة للتعاون. هذه الوقائع للمسلك المؤسسي لأجهزة السلطة، تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى المعرفة التي كانت متاحة للجهات الدولية بشأن التعقيدات الحقيقية لملف جثامين مجهولى الهوية، كما تثير سؤالاً مشروعاً حول موقف المجتمع الدولي من القضايا السودانية المصيرية ومدى التزامه بإظهار الصورة الكاملة للرأي العام السوداني والدولي عندما تكون لديه معلومات تختلف عن السرديات السياسية المؤسسية المتداولة.
وفي هذا السياق، يبرز دور المجتمع الدولي في ملف التحقيقات السودانية الجارية 2019م، ولا سيما في لجنة التحقيق في أحداث فض اعتصام القيادة العامة برئاسة المحامي نبيل أديب منذ عام 2019م، بوصفه نقطة محورية. فبحسب المزاعم، جرى تحويل اللجنة من لجنة تحقيق دولية إلى لجنة وطنية بسلطات النائب العام شكّلها رئيس الوزراء، بحيث ترفع نتائجها إلى سلطة التشكيل لا إلى القضاء، وهو ما يثير إشكاليات دستورية وقانونية حول استقلالية التحقيقات ومآلاتها. هذه النقطة تكشف عن التوتر بين مطلب الشفافية الدولية من جهة ومقتضيات السيادة الوطنية من جهة أخرى، كما تطرح تساؤلات حول مدى قدرة اللجان الوطنية على الصمود أمام معايير العدالة الدولية، خاصة عندما تكون نتائجها مرتبطة بالسلطة التنفيذية لا بالسلطة القضائية.
وفي سياق إطالة أمد التحقيق، يبرز سؤال جوهري حول عقل ومنطق المتحري (المحقق الاستقصائي وفق تسمية قانون الإجراءات الجنائية السوداني) مقارنةً بعقل ومنطق المحامي وعقل ومنطق القاضي في إدارة الأدلة وتقييمها. فالمتحري (المحقق الاستقصائي) ينطلق، وفق المنهجية الجنائية، من فرضية البحث عن الأدلة وجمع الوقائع، عاملاً بعقلية استقصائية تستهدف بناء ملف متكامل قابل للعرض لاحقاً أمام القضاء. فعقله عقل استكشافي بامتياز، يسعى إلى تتبع الخيوط، واختبار الفرضيات المتعاقبة، وتوثيق الوقائع وفق قواعد الإثبات المعتمدة. أما المحامي، فيعمل بمنطق مغاير جوهرياً هو المنطق النقدي التفكيكي؛ إذ لا ينطلق من فرضية البحث عن أدلة جديدة بقدر ما ينطلق من مساءلة الأدلة القائمة ذاتها: يفحص سلامة إجراءات جمعها، ويكشف عن ثغراتها وتناقضاتها الداخلية، ويعيد تأويل الوقائع ضمن سردية بديلة مشروعة تخدم مصلحة موكله. فعقله عقل هدمٍ بنّاء لا عقل بناء ابتدائي.
في حين ينطلق القاضي من موقع ثالث مختلف عن الموقعين السابقين معاً: فهو لا يجمع الأدلة كالمتحري (المحقق الاستقصائي)، ولا يفكك سردية بعينها كالمحامي، بل يتعامل معها بعد اكتمالها واكتمال الجدل النقدي حولها، عاملاً بعقلية التقييم والترجيح؛ إذ يوازن بين الأدلة المقدَّمة من الطرفين، ويختبر سلامتها القانونية والإجرائية، ثم يصدر حكمه بناءً على معايير العدالة والإنصاف والقناعة القضائية المستقرة.
ويكشف السؤال الفرعي – عمّا إذا كانت منهجية عقل المتحري (المحقق الاستقصائي) هي ذاتها منهجية عقل المحامي ومنهجية عقل القاضي – عن اختلاف جوهري في البنية الوظيفية لكل من هذه العقول الثلاثة، لا عن مجرد تفاوت في الدرجة أو الأداء وذلك من حيث التمايزات الآتية:
(1) عقل المتحري (المحقق الاستقصائي) عقل استكشافي تكويني، ينطلق من فرضية جمع الأدلة وبناء ملف متكامل، ساعياً إلى تتبع الخيوط واختبار الفرضيات وتوثيق الوقائع وفق قواعد الإثبات.
(2) عقل المحامي عقل نقدي تفكيكي، ينطلق من افتراض أن السردية المعروضة ليست نهائية ولا محايدة بالضرورة، فيسعى إلى زعزعة يقينيتها لا إلى بناء حقيقة بديلة عنها.
(3) عقل القاضي عقل ترجيحي لاحق، يتعامل مع الأدلة بعد اكتمالها وبعد أن تكون قد خضعت للاختبار النقدي المقابل، عاملاً بعقلية الفصل والترجيح النهائي وفق معايير العدالة والإنصاف.
فالعقول الثلاثة، وإن اجتمعت على مادة واحدة هي الواقعة الجنائية، إلا أنها تتحرك بثلاث منهجيات متمايزة تمايزاً بنيوياً لا إجرائياً فحسب: منهجية البحث، ومنهجية النقد، ومنهجية الفصل.
يُبرز هذا التمايز البنيوي بين العقول الثلاثة – عقل المتحري الاستكشافي، وعقل المحامي النقدي التفكيكي، وعقل القاضي الترجيحي – ضرورةً مؤسسية لا تحتمل التأجيل، هي الفصل الصارم بين سلطتي التحقيق والقضاء. ذلك أن الجمع بين هاتين السلطتين في جهة واحدة، سواء تجسّد ذلك في يد المتحري نفسه أو في يد جهة تحقيق تضطلع بمهام النيابة العامة في الاتهام/ الادعاء والفصل معاً في الأدلة والبينات، يُفضي إلى تناقض وظيفي عميق: فالجهة الواحدة تُطالَب بأن تعمل في آنٍ واحد بمنطق البحث والتقصي (جمع الاستدلال) وبمنطق التقييم والترجيح (وزن الدليل والحكم عليه)، وهما منطقان متعارضان في بنيتهما المعرفية لا يجتمعان في عقل واحد دون أن يهدد أحدهما الآخر. وهذا التناقض هو ما يُهدد مبدأ الحياد في جوهره، ويُضعف ضمانات العدالة الإجرائية من أساسها.
ويُقدّم تعثر بعض لجان التحقيق الوطنية – كلجنة التحقيق برئاسة المحامي نبيل أديب في أحداث فض اعتصام القيادة العامة – نموذجاً تطبيقياً دالاً على هذا التناقض البنيوي؛ إذ يمكن قراءة إشكالية عمل هذه اللجنة من زاوية أنها تعاملت مع الملف بمنطق عقل القاضي في وزن الأدلة وترجيحها، لا بمنطق عقل المتحري (المحقق الاستقصائي) في جمعها وفق المنهجيات والمعايير الدولية المعتمدة في إدارة الأدلة وبناء ملف تحقيق متكامل. فاللجنة، بحكم تكوينها وتفويضها، كانت مطالَبة أساساً بأداء وظيفة (الأثر الأول) الاستكشافي – تتبع الخيوط، توثيق الوقائع، جمع الاستدلالات وفق قواعد الإثبات الأولية – قبل أن تنتقل إلى أي حكم تقييمي على قيمتها الترجيحية والمقبولية. وحين تُختصر المسافة بين هاتين الوظيفتين، أو حين تُدمَجان في جهة واحدة دون فاصل مؤسسي واضح، يصبح الملف عرضة لأن يُبنى على قناعات ترجيحية مبكرة تسبق اكتمال الاستدلال، وهو خلل منهجي لا يتعلق بحسن نية القائمين على اللجنة بقدر ما يتعلق ببنية التفويض ذاتها.
ويزيد من حدة هذا الخلل غياب أو ضعف حضور عقل ثالث لا يقل أهمية عن العقلين السابقين، هو عقل المحامي النقدي التفكيكي، بوصفه الرقيب المقابِل الذي يفترض بنيوياً أن السردية المعروضة من جهة التحقيق ليست نهائية ولا محايدة بالضرورة. فحين تعمل لجنة التحقيق منفردة، جامعةً بين وظائف الاستقصاء وتقدير مقبولية الدليل والترجيح في آنٍ واحد، دون مشاركة متزامنة من طرف نقدي مستقل يسائل مسار جمع الاستدلالات لحظة تشكّلها، تفقد العملية برمّتها أحد أهم صمامات الأمان التي تكفلها الأنظمة القضائية التراكمية: التفاعل الحي بين من يبني السردية ومن يفنّدها قبل أن تُعرض على من يفصل فيها.
وهذا الخلل بالذات هو ما يستدعي التأكيد على مبدأ إجرائي جوهري: أن أعمال التحري والمحقق الاستقصائي، بما في ذلك أعمال لجان التحقيق الخاصة أياً كانت طبيعة تكليفها، لا يجوز أن تبقى بمنأى عن الرقابة القضائية طيلة مجريات التحقيق، بل يجب أن تخضع لهذه الرقابة بوصفها ضمانة أصيلة من ضمانات العدالة الإجرائية لا استثناءً عليها. فإذا كان عقل المتحري عقلاً استكشافياً تكوينياً بطبيعته، وعقل القاضي عقلاً ترجيحياً لاحقاً بحكم موقعه، فإن الفجوة الزمنية والوظيفية الفاصلة


