مقالات الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد  يكتب خطأ مشهور افضل من صوابٍ مهجور

 

أين كنتَ يا يوسف مسجل غياب اكثر من أسبوع؟ قال: يعاقبكَ بالغيابِ كلُّ مَنْ تخبرهُ .. بأنَّكَ لا تستطيعُ الاستغناءَ عنهُ

ثم قال: أمبارح ذهبتُ مع نسيبي (خالد) إلى قسم المرور لاستخراجِ رخصة بدل فاقد، قلت له: هل تعلم أن كلَّ ماقلتَه خطأ؟ قال كيف؟ قلت: أولا، قسمُ الرخص في المرور لا يعملون ليلًا، فقد قلتَ (أمبارح) وتقصد البارحةَ، والبارحةُ تعنى ليلةَ اليوم السابِق وهذا يعني أنك ذهبتَ ليلا. أما اذا كنت تقصد أنك قد ذهبتَ نهارًا، فقل (أمس) لأنَّ امس تعنى نهارَ اليوم السابق ،إذًا الصحيح ان تقولَ: ذهبتُ أمسا. وأما قولُك ذهبتُ مع نسيبي خالد، تقصد خالد زوجَ اختك، فهو صهرُك و ليس نسيبك، لأن النسابةَ قرابةٌ قائمةٌ على الولادة، مثل الآباء والأخوة وأبناء العم، بينما الصهرُ قرابةٌ تنشأُ بسببِ عقدِ الزواج، مثل زوج الأخت، أو زوج الابنة، أو أهل الزوج/الزوجة، فالصحيح أن تقولَ: ذهبتُ مع صهري خالد. أما قولُك لاستخراجِ رخصةٍ بدل فاقد، فاسألك سؤالًا: من هو الفاقد؟ قال يوسف:خالد هو الفاقد،. قلت له: وهل ذهبتَ لقسم المرور لتستخرجَ خالدًا آخرَ الذي هو الفاقد؟ الصحيحُ هو أن تقول: بدل مفقود، لأنَّ الفاقدَ هو خالد والمفقود هي الرخصة. قال يوسف ساخرًا: هذه مصيبة لا حول ولا قوةَ إلا بالله، هذا يعنى ألا نتكلم! قلت له: لا تقل لاحولَ ولا قوةَ إلا بالله عند المصيبة، إنما تقول إنا للهِ وإنا إليه راجعون. قال يوسف: والله في كل مراحل دراستي، وحتى تخرجتُ من الجامعة لم أسمع بمثل هذا الكلام، قلت له: خطأ لا تقل تخرجتُ من الجامعة، الصواب لغوياً هو: تخرجت في الجامعة، لأنَّ التخرجَ يعني التعلُّم والتدريب داخل المؤسسة. أما قولنا تخرج من، فتعني الانصراف والخروج منها دون إفادة معنى إكمال الدراسة. ويُقال أيضاً: تخرج في تخصص كذا (مثل: تخرج في الطب أو الهندسة) قال يوسف: مهما كانت العبارةُ معناها منفِّرٌ، فإن مبناها معبِّر، لكنَّ العربَ تُبالغُ في الاهتمامِ بالبلاغة، كما قال كسرى أحدُ ملوك الفرس: ما يُميِّز العربَ قدرتُهم على التعبيرِ وبلاغتهم، حيث قال: وأما حكمةُ ألسنتهم، فإني لم أرَ أحداً أبلغ فيها. قلت له: لا يُوجدُ ملكٌ للفرسِ اسمه كسرى، ولكن كل من مَلَك الفرسَ يُقالُ له (كسرى) وكل من ملكَ المسلمين يُقال له (أميرُ المؤمنين) ومن ملكَ الحبشة يُقال له (النجاشي) ومن ملك الرومَ يُقال له (قيصر) ومن ملك الترك يُقال له (خاقان) ومن ملك القبط يُقال له (فرعون) ومن ملك مصر يُقال له (العزيز) ومن ملك اليمن يُقال له (تُبَّع) قال يوسفُ: لن أنطق بكلمةٍ بعد هذا، ووضعَ كفَّ يدِه على فمه إشارة إلى السكوت. قلت له: لماذا لا تريدُ أن تتكلمَ؟ قالت العربُ إنَّما الكلام أربعةٌ: سؤالُك للشيء وسؤالُك عن الشيء، وأمرُك بالشيء وخبرُك عن الشيء. فإذا طلبتَ فاسجح، وإذا سألتَ فأوضح، وإذا أمرتَ فاحكم، واذا أخبرتَ فحقق فلا تسكت، ثم قال يوسف: فعلًا، كانت العربُ تهتمُ بالبيان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ من البيانِ لسحرا. ولهذه المقولةِ قصةٌ حدثت مع الرسولِ، صلى اللهُ عليه وسلم، فقد رُويَ أن الزِّبْرِقانَ بنَ بَدْر- وكان يقال له قَمَرُ نجدٍ لجماله– وفد على رسولِ الله- صَلَّى الله عليه وسلم- في وفدٍ بني تميم، وكان من ساداتهم، ومعه: قيسُ بن عاصم المِنْقَري الذي يُضرب به المثلُ في الحِلم، و عمرو بن الأهتم، فأسلم جميعهم، وأجازهم رسولُ الله- صَلَّى الله عليه وسلم- فأحسن جوائزَهم، وذلك سنة تسعٍ من الهجرة. تكلم الزبرقانُ فمدحَ نفسَه وافتخر فقال: يا رسول الله، أنا سيِّدُ بني تميم والمطاعُ فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلمِ وآخذ منهم بحقوقِهم، وهذا يعلم ذلك– يعني عمرو بن الأهتم،ة- فقال عمرو: إنه لَشَدِيدُ الْعَارِضَةِ مَانِعٌ لِجَانِبِهِ مُطَاعٌ فِي أدنَيْهِ فقال الزبرقان: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ عَلِمَ مِنِّي غَيْرَ مَا قَالَ، وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ إِلَّا الْحَسَدُ

فقال عَمْرٌو: أَنَا أَحْسُدُكَ فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَئِيمُ الْخَالِ، حَدِيثُ الْمَالِ، أَحْمَقُ الْوَالِدِ، مُضَيّعٌ فِي الْعَشِيرَةِ(بعد ان مدحه رجع فهجاه) والنبيُّ- صلى الله عليه وسلم- يسمع، فرأى عمرو بنُ الأهتم في عيني رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- الانكارَ لِمَا قاله لأنه غيَّر أقواله فمدح، ثم هجا

فقال عمرو: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُ فِيمَا قُلْتُ أَوَّلًا، وَمَا كَذَبْتُ فِيمَا قُلْتُ آخِرًا ولكني رجلٌ إذا رأيتُ قُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ، وَإِذَا غَضِبْتُ قُلْتُ أَقْبَحَ مَا وَجَدْتُ، وَلَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى جَمِيعًا،

فَقَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا. الشاهدُ في هذه القصة تشبيه النبي ﷺ للبيان بالسحر، والسحرُ هو صرفُ الشيء عن وجهه بسبب خفيٍ لطيف.. انتهى الحديث. ثم قال لي يوسف: انت تناديني يا يوسِف بكسر السين، والصحيحُ يوسُف بضمها، أنت لا تُجيدُ نطقَ الأسماء، فكيف تنتقدني في عبارات متفق عليها عرفًا؟ قلت له: رَمَتْنِي بِدَائِها وانْسَلَّتْ، أي عيرتني بعيبٍ هو فيها وذهبت، أو ألصقت بيَ تهمةً هي صاحبتها وغادرت..

كان هذا يوسُفُ وأنا، فابقوا معنا إن كان في العمرِ بقية

والله أعلى وأعلم..

7 يوليو 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى