(الضؤ الشارد) عندما يتحدث السلام بلغة السياسة.. الخرطوم والاتحاد الإفريقي يفتحان نافذة جديدة لكسر عزلة الحرب بقلم/ ملوك ميوت ايواك

منذ اندلاع الحرب ظل السودان يدور في دائرة المبادرات المتعددة التي كثيرا ما اصطدمت بتضارب المنابر وتباين الرؤى لكن اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء كامل إدريس بالمبعوث الخاص للاتحاد الإفريقي محمد بلعيش يحمل دلالة سياسية تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية إذ يعكس بداية محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة السودانية والاتحاد الإفريقي على أساس الشراكة في صناعة السلام، لا مجرد إدارة الأزمة. فحديث محمد بلعيش عن أهمية توحيد المنابر والمبادرات ليس تفصيلا بروتوكوليا بل اعتراف صريح بأن تشظي المبادرات كان أحد أبرز أسباب إطالة أمد الأزمة السودانية. فكل منصة تفاوضية كانت تتحرك بمعزل عن الأخرى بينما كانت الحرب تفرض واقعا أكثر تعقيدا على الأرض يدفع المواطن السوداني ثمنه يوما بعد آخر.
واللافت أيضا أن اللقاء لم يقتصر على مناقشة وقف الحرب وإنما تناول بناء مرحلة جديدة تقوم على الوفاق الوطني والاستقرار وهو تحول مهم في الخطاب السياسي لأن السلام الحقيقي لا يقاس فقط بصمت البنادق وإنما بقدرة القوى السياسية على إنتاج مشروع وطني يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع ويؤسس لمؤسسات قادرة على حماية وحدة البلاد.
وإشادة المبعوث الإفريقي بالأفكار التي طرحها رئيس الوزراء كامل إدريس تمنح اللقاء بعدا سياسيا إضافيا وتوحي بوجود مساحة مشتركة يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة خصوصا في ظل الحاجة إلى تنسيق أوثق بين الخرطوم والاتحاد الإفريقي بعيدا عن تعدد الوسطاء وتضارب الأجندات.أما الإعلان عن زيارة مرتقبة لقيادة الاتحاد الإفريقي إلى السودان فهو مؤشر على انتقال الجهود من مرحلة الاتصالات إلى مرحلة الحضور الميداني والانخراط المباشر في دعم مسار التسوية. وإذا أُحسن استثمار هذه الزيارة فقد تشكل فرصة لدفع العملية السياسية إلى الأمام وبلورة رؤية أكثر تماسكا تحظى بدعم إقليمي وإفريقي. ومع ذلك فإن نجاح هذه التحركات سيظل مرهونا بتحويل الرسائل السياسية إلى خطوات عملية. فالسودانيون أنهكتهم الوعود وأصبحوا ينتظرون أفعالا تترجم لوقف للقتال وتخفيف للمعاناة الإنسانية وتهيئة بيئة تسمح بعودة الحياة الطبيعية وإطلاق عملية سياسية شاملة.
إن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق فإما أن تنجح الإرادة الوطنية مدعومة بالجهد الإفريقي في بناء مسار سلام متماسك وإما أن تستمر دوامة المبادرات المتنافسة التي استنزفت الوقت وأرهقت البلاد. وبين هذين الخيارين تبدو الرسالة الأهم أن السلام لن يفرض من الخارج بل يصنع أولا بتوافق السودانيين أنفسهم ثم بدعم إقليمي وإفريقي يحترم سيادة السودان ويسهم في تثبيت الاستقرار الذي يتطلع إليه الشعب.


