(الضؤ الشارد) الحرب تعلن الحرب على الحياة.. المسيرات تقتل العطشى والكوليرا تكمل ما بدأته الحرب.! بقلم/ ملوك ميوت ايواك

في مشهد يلخص عمق المأساة السودانية لم تعد الحرب تكتفي بحصد الأرواح عبر ساحات القتال بل باتت تستهدف أبسط مقومات الحياة. فحين تصبح شاحنة مياه هدفا للطائرات المسيرة فإن الرسالة تتجاوز العمل العسكري إلى صناعة واقع إنساني بالغ القسوة يدفع المدنيون وحدهم ثمنه.
تصريحات المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك تكشف عن صورة قاتمة في ولاية شمال كردفان حيث أدى استهداف شاحنة مياه في منطقة حمرة الشيخ إلى سقوط ضحايا في وقت يعتمد فيه آلاف المواطنين على مصادر المياه المحدودة وسط انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية.
الأخطر من ذلك أن هذا الاستهداف يأتي بينما يواصل وباء الكوليرا انتشاره في إقليم كردفان وهو ما يجعل تدمير مصادر المياه أو تعطيلها كارثة مضاعفة. فالحرب هنا لا تحرم الناس من الماء فحسب بل تفتح الطريق أمام الأوبئة لتفتك بمن تبقى من المدنيين. وما زاد المشهد قتامة إعلان الشركاء الإنسانيين عن تسجيل حالة اشتباه بالإصابة بالكوليرا في مدينة الأبيض وهي إشارة مقلقة إلى أن المدينة قد تدخل مرحلة وبائية جديدة إذا استمر انهيار خدمات المياه والصحة واستمرت العمليات العسكرية دون مراعاة للجانب الإنساني.
إن ما يجري في شمال كردفان يعكس واقعا مريرا تتراجع فيه قيمة الإنسان أمام ضجيج السلاح. فبين المسيرات التي تستهدف البنية المدنية والمستشفيات المنهكة وانتشار الأمراض يجد المواطن نفسه محاصرا بين نار الحرب وخطر الوباء دون ممر آمن أو حماية حقيقية.
لقد تجاوزت الأزمة حدود الصراع العسكري لتصبح معركة من أجل البقاء. فحين يقصف الماء وتزحف الكوليرا ويصمت العالم فإن السودان لا يخسر معركة سياسية فقط بل يخسر يوما بعد آخر حق مواطنيه في الحياة الكريمة. وما لم تتخذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين وضمان وصول الخدمات الإنسانية فإن القادم قد يكون أكثر قسوة مما شهدته البلاد حتى الآن.


