مقالات الرأي

عبد اللطيف السيدح يكتب .. إهرامات البجراوية، تستنشق نسائم الراشدية

 

 

مكة تهدي البعشوم قبسا من نورها، ورشفة من زمزمها.

 

أهدت مكة المكرمة ليلتها المباركة التي صادفت الأربعاء 7/7 من شهر يوليو 2026 كلها لسعادة السفير محمد حسن بعشوم نائب القنصل العام للقنصلية العامة لجمهورية السودان بجدة لأنه سيغادرها بعد أربع أعوام من الإغاثة والعطاء في منطقة التمثيل الدبلوماسي، وقد منحته أم القرى خلال تلك السنوات سكينتها، وروحها، وعبقها، ووفاءها، وهيبتها، ونورها.

وفي مشهد يليق بأهل الفضل، أحسنت صحيفة صدى المغتربين، ومنتديات أكاديمية نور الإيمان، صناعة الجمال، حين أحاطتا هذه الأمسية بالرعاية والسقاية، فأنبتت وحصدت على ضفاف وادي عبقر قصيدة أبياتها كلمات الشكر، وقافيتها الوفاء، ومعناها أن الرجال لا يودعون بالصمت، إنما يزفون بالدعاء والثناء.

ولم يكن تدشين جائزة صناع الأثر حدثا عابرا في برنامج الاحتفال، إنما إعلان أن الأمم الحية تعرف كيف تحفظ جميل رجالها، وأن الأثر هو العمل الذي يبقى حين يغيب صاحبه. لذلك لم يكن غريبا أن يكون أول الفائزين بها سعادة السفير محمد حسن بعشوم؛ فمن يصنع الأثر، لا يبحث عن الجوائز، ولكن الجوائز هي التي تبحث عنه.

لقد كان بعشوم في محطته بجدة، أشبه بنخلة سودانية غرست جذورها في أرض الحرمين، فظلها امتد لكل محتاج، وثمرها دان لكل طالب خدمة، لقد جمع بعشوم ولم يفرق، وقرب ولم يقص، ومد جسور المحبة بين القنصلية والجالية حتى أصبحت المؤسسة بيتا، وأصبح المسؤول أخا قبل أن يكون مسؤولا.

ومنذ قرون فإن للبعاشيم أثر يمتد من البجراوية، حيث الحضارة الضاربة في عمق التاريخ، إلى قصور الراشدية في مكة، حيث اجتمع الناس على مائدة الوفاء. أثر لا تقطعه المسافات، ولا تمحوه السنون، لأن الرجال يقاسون بما يتركونه في قلوب الناس، لا بما يعلق على صدورهم من أوسمة، كيف لا والرجل سليل واحد من كبار عمد الجعليين وجده بعشوم قيلت فيه أجمل وأقوى وأندى قصائد المدح في الكرم والجود والشهامة (الليلة الظلط مين بقيسو، صعيب دربو، وبعيد ميسو، الليلة لي دوبا، حجر الظلط).

لقد كتب المحتفون ببعشوم تفاصيل ليلتهم بمداد من نور المحبة، على قراطيس من رموش أعينهم ، ففي كل كلمة ألقيت، وكل مصافحة تمت، وكل دعوة صادقة ارتفعت، كان المعنى واحد، الوفاء لا يعرف التقاعد، والتقدير لا ينتهي بانتهاء عمل المكلف .

فسلام على العمدة إبن العمدة وهو يغادر المواقع، وليس القلوب، وسلام على كل يد ساهمت في صنع الأمسية الباذخة، وسلام على كل من يؤمن أن الاستثمار الأجمل، والأنفع، والممتد لا مكان له سوى مجتمع الإنسانية، وأن أكبر منصب هو الذي يتربع صاحبه في ذاكرة الناس.

لقد أظهرت ليلة تكريم السفير العمدة أن الاحتفالات المروية بعسل الأحبة لن تطويها الأيام، لأنها لم تكن مناسبة عابرة لشخص مغادر مكان ما، إنما تكريم لأثر طيب، باق، ثابت، يسير على قدمين بين الناس، وأن من يزرع المعروف، يحصده محبة، ولو بعد حين.

لقد كان جمعا كريما بسطت له مساحات النجاح صحيفة صدى المغتربين ومنتديات أكاديمية نور الإيمان تكريما لسعادة السفير محمد حسن بعشوم عرفانا بما قدمه من جهود لتعزيز أواصر التواصل المجتمعي، ومن محاسن الصدف، وطلائع السعد أن عانقت ليلة تكريمه، لحظات تدشين جائزة صناع الأثر، تلك الثمرة التي تم قطافها في تلك الليلة بوصفها مبادرة سنوية تحتفي بالمتميزين وأصحاب الإسهامات الملهمة، وهى خطوة تعبر عن الإيمان العميق بقيمة العطاء وأهمية الاحتفاء بمن يتركون بصمة مضيئة في المجتمع.

وجاء الحفل في أجواءٍ مفعمة بالمحبة والوفاء عكست مكانة المحتفى به في القلوب ورسخت المعاني النبيلة التي قام عليها التكريم تقديرا وتحفيزا لكل من يجعل من خدمة الناس رسالة ومسؤولية، ولم يكن تدشين الجائزة فقرة عابرة في برنامج الاحتفال، إنما إعلان بارز أن الأمم الحية تعرف كيف تحفظ جميل رجالها، وأن الأثر هو العمل الذي يبقى حين يغيب صاحبه. لذلك بدا طبيعيا أن تكون الجائزة من نصيب السفير محمد حسن بعشوم، الذي قبلها بروح السماحة والطيبة، وقبل أن يغادر المنصة فاجأ الجميع وأدهشهم بمنحها لقبيلة المعلمين، مشيراً إلى أنه لولا توفيق الله ثم أساتذته لما كان في موقعه الدبلوماسي الرفيع.

لقد أحسنت الأستاذة حنان فيصل، رئيس تحرير صحيفة صدى الملاعب، حين جعلت من هذه الأمسية عرسا للوفاء، فكانت راعية للجمال، وساقية لمعاني الامتنان. وإلى جانبها الأستاذ صلاح الحويج نائب رئيس التحرير، والأستاذ خالد الجزولي مدير التحرير، كأنهم ثلاثة أوتار في قيثارة واحدة، عزفت لحن المحبة حتى امتلأ المكان بأصدائه، ولم تكن أسرة مدارس نور الإيمان أقل حضورا في صناعة هذه الليلة الباذخة؛ فقد أهدت للمشهد بعده التربوي والإنساني، وأثبتت أن المدارس ليست جدرانا وفصولا فحسب، لكنها بيوتا تزرع الوفاء في النفوس قبل أن تزرع المعرفة في العقول، ومما زين المكان وزاده ألقا على ألق، حضور الزملاء الإعلاميين السعوديين الذين شاركوا بمحبتهم ومهنيتهم في ليلة التكريم ، إضافة لملتقى مدارس مدينة مكة المكرمة، ومعلمو الطائف الذين حملوا عبق التربية ورسالة النور، وأبناء مدينة كبوشية والحماداب أهل المحتفى به وعزوته، الذين وقفوا كأنهم امتداد لإهرامات البجراوية في لحظة صفاء أمام بهو قصر من قصور حي الراشدية، كما ازدانت الليلة بتشىريف ومخاطبة الشيخ الأستاذ المطيع محمد أحمد المدير العام السابق لهيئة الحج والعمرة، الذي عبر بحضوره، ولسانه الذرب عن تاريخ من الخبرة والعطاء في خدمة ضيوف الرحمن. كما شارك عدد من أعضاء لجنة التسيير للجالية السودانية بمدينة مكة المكرمة وضواحيها، تأكيدا أن الجالية حاضرة في تفاصيل كل أبناء الوطن، وهى معهم دوما في مواسم الفرح.

لقد باحت ليلة الأربعاء أن للبعاشيم أثرا يمتد من البجراوية حيث تصحو الحجارة على أمجاد الممالك القديمة، ومنها إلى حي الراشدية المكي العريق الذي فاح منه أريج الدعوات والدموع والابتسامات في الليلة الوفية، مؤكدة أن الأثر لا تحده الجغرافيا، ولا تمحوه السنون، لأنه ينسخ على دفاتر القلوب قبل أن يكتب في معاجم التاريخ، فسلام على مكة وشعابها وهي تجمل ليالينا فرحا، وغبطة، وسرورا، وسلام على المناصب التي ينحت أصاحبها أسمائهم في ذاكرة الناس، وسلام على الجوائز التي تمنح حاصديها محبة الخلق ودعواتهم الصادقة.

زر الذهاب إلى الأعلى