مقالات الرأي

(الضؤ الشارد)        من يطبخ شائعة المصالحة عقار يفجرها لا مصالحة مع الحلو.. ومن يروج لها يبيع أوهاما سياسية… بقلم/ ملوك ميوت ايواك

 

في السياسة لا يكون النفي مجرد توضيح للحقائق بل قد يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة لإدارة الأزمات واحتواء التسريبات وإعادة رسم المشهد. ولهذا جاء بيان الحركة الشعبية شمال بقيادة مالك عقار نافيا بصورة قاطعة ما تردد عن تقديم رئيسها طلبا للحكومة الإثيوبية للتوسط من أجل مصالحة مع عبد العزيز الحلو في محاولة لإغلاق الباب أمام رواية أثارت كثيرا من الجدل داخل الأوساط السياسية السودانية.

البيان لم يكتف بالنفي بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين أكد أنه لم يحدث أي اتصال مع الجانب الإثيوبي وأن الحركة اختارت طريقها بقناعة راسخة وأنها لا تتهاون مع أي جهة تمس وحدة السودان قبل أن تصف الحديث عن مصالحة مع الحلو بأنه مجرد وهم سياسي..

لكن هذا النفي مهما بلغت حدته يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات

فالخلاف بين مالك عقار وعبد العزيز الحلو ليس خلافا شخصيا عابرا وإنما انقسام سياسي وعسكري عميق مزق الحركة الشعبية إلى جناحين متنافسين منذ سنوات ولكل منهما مشروعه ورؤيته وتحالفاته. لذلك فإن مجرد تداول أنباء عن وساطة أو مصالحة يعكس إدراكا لدى كثيرين بأن موازين القوى في السودان تتغير وأن التحالفات القديمة لم تعد ثابتة كما كانت.

ومن اللافت أن الحركة اختارت لغة هجومية في بيانها فوصف المصالحة بأنها وهم سياسي يوحي برغبة في قطع الطريق أمام أي تأويل وإرسال رسالة إلى الحلفاء والخصوم معا بأن موقفها لم يتغير وأنها ليست بصدد مراجعة خياراتها.

غير أن الواقع السياسي السوداني أثبت مرارا أن الخصومات التي كانت توصف بالمستحيلة انتهت إلى تفاهمات وأن القوى التي تبادلت الاتهامات عادت وجلست إلى طاولة واحدة عندما تغيرت موازين المصالح. لذلك فإن إطلاق أوصاف قاطعة من هذا النوع قد يبدو أقرب إلى محاولة لتثبيت موقف سياسي راهن وليس بالضرورة حكما نهائيا على المستقبل.

كما أن الإشارة إلى وحدة السودان في البيان تحمل بعدا سياسيا مهما إذ تسعى الحركة إلى تقديم نفسها باعتبارها جزءا من مشروع الدولة الموحدة في مقابل خطاب الحلو الذي يربط أي تسوية بقضايا إعادة تأسيس الدولة والعلاقة بين الدين والسياسة. وهنا يبدو أن كل طرف يحاول تكريس صورته أمام الرأي العام باعتباره صاحب المشروع الأكثر اتساقا..

في اخر محطة سواء كانت أنباء الوساطة صحيحة أم مجرد تسريبات غير دقيقة فإن رد الفعل العنيف يكشف حجم الحساسية التي تحيط بعلاقة جناحي الحركة الشعبية ويؤكد أن الانقسام لا يزال واحدا من أكثر الملفات تعقيدا في المشهد السوداني.

فالسياسة لا تعرف المستحيل لكنها أيضا لا ترحم من يضطر إلى تكرار النفي. وما يوصف اليوم بأنه وهم سياسي قد يصبح غدا جزءا من واقع تفرضه التحولات أو يبقى مجرد فصل جديد في مسلسل الانقسامات الذي أنهك السودان لعقود.

ففي سودان اليوم يبدو أن سياسة النفي أصبحت الوظيفة الرسمية لكل من يقف خلف البرهان فما إن تتسرب معلومة أو يطفو خلاف إلى السطح حتى تنطلق بيانات الإنكار قبل البحث عن الحقيقة. وكأن النفي لم يعد وسيلة لتوضيح الوقائع بل أصبح أداة لإدارة الأزمات وشراء الوقت. غير أن الوقائع كثيرا ما تكون أكثر عنادا من البيانات والتاريخ السوداني مليء بما بدأ بـهذا غير صحيح وانتهى إلى حقيقة لا يمكن إنكارها…

وغدا لناظره قريب.

زر الذهاب إلى الأعلى