حرب السودان (قصة بلدين نبوءة تتكرر وقدر يتقرر ) بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر

التاريخ : 25 سبتمبر 2026
لندن وباريس .. في روايته الشهيرة *”قصة مدينتين”* – كان ديكنز يصف لحظة تاريخية فاصلة قال فيها جملته الخالدة:
– كان أحسن الأزمان، وكان أسوأ الأزمان. كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة…”
هكذا تبدأ كل قصة انقسام. بلد واحد، شعب واحد، يجد نفسه أمام مرآة مكسورة، كل شطر يرى نفسه هو الصورة الكاملة.
وهذا بالضبط ما أسس له *محمد علي جناح* في نظريته قصة بلدين :
نظرية محمد علي جناح لم تكن عن الكراهية، بل كانت عن الاستحالة.
– استحالة أن تعيش أمتان بهويتين مختلفتين جذريا – في عقيدتها، ثقافتها، قانونها الاجتماعي – تحت دستور واحد يفرض على إحداهما أن تكون أقلية دائمة.
قال جناح :
– اذا كان التعايش يعني أن تتنازل عن جوهرك كل يوم لترضي الآخر، فالانفصال ليس خيانة، بل نجاة.
الهند والباكستان كانتا “قصة بلدين” خرجت من رحم بلد واحد.
والان وبعد 80 سنة، يطرح فى السودان اليوم نفس السؤال المؤجل:
– هل نحن قصة بلد واحد يحاول أن يبقى واحدا، أم قصة بلدين تحاول أن تتحرر من بعضها؟
المحتمل في السودان اليوم هو ان سيناريو جناح يتكرر بحذافيره فى معركة اللامعترك فى لعبة حرب السرديات التى لا تشبه المجتمع المسلم فياتى التقسيم بين قصتين :
*بلد النيل والمركز:* بهويته العربية الإسلامية، وامتداده الشمالي.
*وبلد الهامش والجبال:* بهوياته الأفريقية المتنوعة، المسيحية واللادينية، التي عاشت عقودا تشعر أنها مواطن من الدرجة الثانية في مشروع دولة لا يشبهها.
ومن هنا يبرز إلى العلن السؤال التالى
– ما ذا لو حدث الانفصال
وللإجابة على هذا السؤال يجب المقارنة بين الإيجابيات والسلبيات أو بين
وجه لندن المشرق ووجه باريس الدموى
إذا نظرنا بعين جناح، فالانفصال له إيجابيات لا يمكن إنكارها:
*أولا: وقف نزيف الدم.*
– كل الحروب الأهلية في السودان، من الجنوب سابقا إلى دارفور وجبال النوبة اليوم، سببها صراع الهوية. دولتان واضحتان تنهيان مبرر الحرب المقدسة.
*ثانيا: الوضوح السياسي.*
– لن تعود الدولة مضطرة لكتابة دستور يرضي الجميع ولا يرضي أحدا. كل بلد يكتب دستوره الذي يعكس ثقافته وقوانينه الاجتماعية بوضوح، مثلما فعلت باكستان والهند.
*ثالثا: التنمية المتخصصة.*
– بلد يركز على موارده الزراعية والنيلية،
– وبلد آخر يركز على معادنه وتنوعه البيئي وانفتاحه على أفريقيا، دون أن يسرق أحدهما ميزانية الآخر.
اما بالنظر إلى السلبيات او وجه باريس الدموي :
نجد ان ديكنز لم يكتب عن لندن فقط، بل كتب عن باريس أيام المقصلة. وكل انفصال له مقصلته:
*أولا: اقتصاد مبتور.*
– مثلما حدث للسودان بعد انفصال الجنوب في 2011، خسر الشمال 75% من نفطه.
– اي تقسيم جديد يعني تقسيم جديد للذهب، للماء فى ظل نظرية حرب المياه التى لا تخلو من مؤامرة على ثروات الشعب السودانى الخرباوى وهذا قد يخلق بلدين فقيرين بدلا من بلد واحد غني تأبى الرماح اذا اجتمعن تكسرا شعرا ويد الله مع الجماعة دينا …
*ثانيا: القبيلة ستصبح دولة.*
– نظرية جناح نجحت لأن هناك دينين واضحين اما في السودان فالانقسامات ليست بين دينين فقط، بل مئات القبائل واللغات.
فاذا فتحنا باب “كل هوية مختلفة تستحق دولة”، فلن نحصل على بلدين، بل على خمسة بلدان ونكتب بالتالى قصة بلود ولا رأيك شنو (ايه) يابلدة
*ثالثا: الجرح النفسي.*
– الانفصال لا يمحو الذاكرة. فالهندي والباكستاني لا يزالان يبكيان على نفس الأغاني حتى اليوم ( دل وبيار )
السوداني في الشمال والغرب سيظل يسمع نفس الطابور والربابة.. ويطرب وجدانه بكل الالحان على متواصل السلم الخماسى والسباعى..
رواية ديكنز تنتهي بتضحية. بطلها الذى يموت ليحيا الآخرون وهنا بالضبط ياتى السؤال:
هل نحن أمام أفضل الازمان ام اسواها؟
قصة البلدين في السودان لن يحسمها سلاح، بل سيحسمها سؤال واحد:
هل نستطيع أن نصنع “competence” – كفاءة المواطنة التى تتسع للجميع، أم سنكتفي بـاداء الوحدة – أمام الكاميرات على نهج كتاب ستانلوفسكى إعداد الممثل performance بينما القلوب منفصلة؟
من هنا أجد أننا إذا فشلنا في بناء دستور يضمن أن لا أحد أقلية دائمة، فإن نظرية جناح ستفرض نفسها، شئنا أم أبينا. والتاريخ لا يرحم من يتأخر في قراءة قصته مما يحتم على أصحاب القرار مر الاختيار بين خيار من خيار فانا ان نكون :
– لندن وباريس في ثورة،
– أو لندن وباريس في تعاون.
القصة نفسها، والنهاية نحن من نكتبها والمية تكذب الغطاس


