الفكر السياسي واحتياطات الأمان ( غرفة تبريد ضد الدرون ) بقلم :كابتن محمد حسن الطاهر

التاريخ : أكتوبر. 2026. 1
بالامس تنحى فارس عن فرسه الاخ السفير عدوى سفير السودان (بالقاهرة) قد يكون هذا الحدث عاديا بالقياس مع اقرانه فهو حدث روتينى ولكن ما لفت انتباهى كلمات الوداع التى جاءت كأنه يودع الدنيا وليس الوظيفة حيث حملت رسالته كلمات الوفاء والوقاية والسلامة وحفظ حق الجوار وطلبه للامن والأمان وصون كرامه الانسان فى حديث يدل على مخافة الله ومخالفة هوى النفس وجاءت كلماته موفقة تدل على حسن الدربة صدق النوايا كما قال على رضى الله عنه اذا اردت ان تعرف باطن الرجل فاختبر ظاهره بالمقابل
اليوم استطلعت عبر الميديا خبراً طريفاً في ظاهره، خطيراً في باطنه:
– عودة طائرة فلاي دبي المتجهة إلى إسرائيل عائدة إلى دبي، إثر تسريب أخبار عن عراك بين الكابتن ومساعده في قمرة القيادة ؟
طائرة بـ 300 روح، معلقة في السماء، وقرار مصيرها بيد رجلين تشاجرا!
هذا الخبر ليس خبر طيران، هذا خبر سياسى بامتياز.
أولاً: قمرة القيادة السياسية
في علوم الطيران، هناك مفهوم اسمه *الوصف الوظيفي – وهو يحوى على مصطلح two pilots operation
فالكابتن ليس أهم من المساعد، والمساعد ليس سكرتيراً للكابتن.
الاثنان طياران. لكن الوصف الوظيفي يحدد بدقة:
– من يطير،
– ومن يراقب،
– ومن يتخذ القرار النهائي،
– ومتى يعترض المساعد.
Crew resources management
وفق انماط السلوك المنضبط المتبع استباقيا فى هكذا حالات
وفي الجامعات أيضا نجد عند مناقشة رسائل الدراسات العليا، هناك بند لا ينجح الطالب إلا به، وهو *ضبط الميل العصابي*. أي أن الباحث قد يحب نظريته، لكن
– هل يستطيع أن يضبط ميله العصابي لها؟
– هل يستطيع أن يرى عيوبها كما يرى مميزاتها؟
وفي أول درس في ميدان السلاح، قبل أن تتعلم كيف تطلق النار، تتعلم *احتياطات الأمان*:
– السلاح دائماً معبأ،
– لا توجه السلاح نحو صديق،
– ضع إصبعك خارج الزناد حتى تقرر الرمي.
السياسة بلا هذه الثلاثة كارثة إنسانية تتطلب ضبط الميل العصابى
ما الذي يحدث عندما يتعارك الكابتن ومساعده في السياسة السودانية؟
– تعود الطائرة كلها إلى الوراء.
– و لا يصل أحد مما يتطلب الأمر السؤال التالى :
ثانياً: ما هي احتياطات الأمان في الفكر السياسي؟
احتياطات الأمان في السلاح تمنع القتل الخطأ لكن . احتياطات الأمان في الفكر السياسي يجب ان تمنع الانتحار الجماعي للدولة الذى يقوم على أربعة موازين دقيقة:
*1. الميزان الأول: بين الخير والشر*
الفكر السياسي المراهق يظن أنه خير مطلق وخصمه شر مطلق.
– هذا هو الفكر الذي نزع الأمان.
اما الفكر الآمن فهو يدرك أن الخير والشر ليسا حزبين، بل هما نزعتان داخل كل حزب، وداخل كل إنسان.
السياسي الذي لا يضع احتياط أمان بينه وبين فكرة أنه “المهدي المنتظر” سيطلق النار على كل من يخالفه باعتباره “شيطاناً”.
احتياط الأمان هنا هو أن تقول:
– قد أكون على صواب، لكن صوابي يحتمل الخطأ.
*2. الميزان الثاني: بين القومية والأممية*
القومية بلا أمان تتحول إلى فاشية بينما
الأممية بلا أمان تتحول إلى عمالة: “نبيع السودان كله لنرضي الخارج”.
احتياط الأمان هو أن تكون
– قومياً في جذورك،
– أممياً في أخلاقك.
تحب وطنك لكن لا تكره العالم. كما الطائرة تحتاج جناحين لتطير، لا جناح واحد.
*3. الميزان الثالث: بين الحالة النفسية والعقل الجمعي*
أخطر ما قرأته في خبر الطائرة هو كلمة “عراك”.
ما الذي يجعل طياراً محترفاً يتعارك على ارتفاع 30 ألف قدم؟ حالة نفسية غير منضبطة مالم يتم الاعلان عن مبرر منطقى تقنيا مقبول امنيا وفق قاعدة الضرر يزال
من هذا الحدث ومقارنته بسفينة نوح السياسة السودانية نجد أن كثير من القرارات السياسية السودانية اتُخذت
– بمزاج غاضب أو بليل
– بحالة نفسية متوترة،
ثم تم دُفع ثمنها من العقل الجمعي لعشرات السنين.
احتياط الأمان هنا هو ما نسميه “غرفة التبريد”:
– لا تتخذ قرار الحرب وأنت غاضب،
– ولا قرار السلام وأنت خائف،
– ولا قرار الاقتصاد وأنت تريد الانتقام.
يجب أن يكون هناك فاصل زمني بين الحالة النفسية للقائد والعقل الجمعي للشعب وفق اليات عمل غدة الادرينالين التى تعمل ميكانيكيا..
*4. الميزان الرابع: بين الأنانية والإنسانية*
كل سياسي أناني بطبعه، يريد أن يبقى في الكرسي. هذه غريزة.
لكن احتياط الأمان هو أن لا تتحول أنانيتك إلى مقصلة للآخرين :
– السياسي بلا أمان يقول أنا ومن بعدي الطوفان.
– السياسي الآمن يقول أنا جزء من الطوفان، ونجاتي في نجاة القارب كله وهنا نصل الى لب الموضوع
ثالثاً: الأديان والإنسانية.. بين كسر الخاطر وجبر الضرر :
الأديان في أصلها جاءت لجبر الضرر، لا لكسر الخاطر. جاءت لتقول للمجروح: أنت إنسان.
لكن عندما يفقد الفكر السياسي احتياطات الأمان، يستخدم الدين لكسر الخواطر:
– هذا كافر،
– هذا عميل،
– هذا لا يستحق الحياة رغم أن الجميع يعلم أن فى كل كبد رطب اجر
الفكر السياسي الآمن يستخدم الدين كـ *جابر للضرر*:
حتى لو اختلفت معك في العقيدة فأنت شريكي في الإنسانية. حقك في الخبز ( والكاتشاب) والدواء والكرامة محفوظ، حتى لو كنت ضدي في الانتخابات وفق قاعدة
جبر الضرر وعدم كسر الخاطر”؟
لا. بل في السياسة يجب أن نمنع الاثنين معاً. لا تكسر خاطر مواطن لتجبر ضرر حزبك
*الخلاصة:*
عودة طائرة فلاي دبي لم تكن فشلاً تقنياً على ارجخ الظن بل نجاحاً لنظام الأمان فى عصر الروبوتات التى تتحكم فى البشر مما يسرح بالخيال فى سرادقات الخيال الروائي ( ستة نزهات فى غابة السرد ) وفق السيناريو التالى :
الطيار الآلي قال: ما دام الكابتن ومساعده متعاركين، لن أسمح لهذه الطائرة بالتقدم. سأعود بها سالمة.
نحن في السودان نحتاج
– لنفس نظام الطيار الآلي في الفكر السياسي.
– لوصف وظيفي واضح
– نحتاج لضبط الميل العصابي:
أن لا نحب حزبنا لدرجة العمى.
ونحتاج لاحتياطات أمان:
– إصبعنا خارج الزناد دائماً، حتى نتأكد أننا لا نوجه سلاحنا نحو صدور بعضنا البعض.
ختاما أقول أن السياسة بلا أمان هي طائرة بلا طيار وربما تكون درووووون


