مقالات الرأي

فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب التكييف الدستوري والقانوني لإنهاء خدمة عدد من ضباط الشرطة بقرارات من رئيس مجلس السيادة للعام 2025م (2)

 

تناولت المقالة السابقة تحليلاً قانونياً لأبعاد التكييف الدستوري والدواعي الإجرائية للقرارات الصادرة عن رئيس مجلس السيادة الانتقالي لعام 2025م، والقاضية بإنهاء خدمة عدد من ضباط الشرطة وإحالتهم إلى المعاش. وأن المقالة في جوهرها لا تنطلق من رغبةٍ في إثارة الرفض الشكلي لهذه القرارات، بقدر ما تهدف إلى التنبيه لضرورة إحكام صياغة القرارات الإدارية؛ نظراً لمساسها المباشر بحقوق حيوية مكفولة للأفراد، وعلى رأسها الحق في العمل وتقلد الوظيفة العامة. كما تؤكد المقالة على أهمية التزام الإدارة ببناء تصرفاتها على أركان مشروعية متكاملة تضمن سلامتها القانونية وتصونها من الوقوع في عيوب البطلان أو الانعدام.

وفضلاً عن هذه الغاية، المقالة طرحت التساؤل الجوهري حول أثر عيب عدم الاختصاص في القرار الإداري، وما إذا كان يتوقف عند حدود البطلان النسبي الموجب للإلغاء، أم يبلغ درجةً من الجسامة تنحدر به إلى مرتبة الانعدام، مع ما يترتب على ذلك من آثار مسقطة لمواعيد الطعن الإداري. ومن هذا المنطلق، أبرزت المقالة أن الاختصاص الإداري ليس مجرد ملاءمة أو امتياز شخصي يستمد قوته من علو المنصب السياسي أو التنفيذي، بل هو ولاية قانونية مقيدة يحددها الدستور والقانون صراحةً، بما يضمن مبدأ الفصل بين السلطات وحماية المراكز القانونية للأفراد.

وامتداداً لهذا التأصيل، تطرقت المقالة إلى مناقشة الديباجة التي استندت إليها القرارات الإدارية محل البحث الصادرة من مجلس السيادة عن رئيسه، مشيرةً إلى أن مجرد الإيراد الشكلي للإحالات الدستورية أو التوصيات الصادرة عن وزير الداخلية أو الاستناد إلى قواعد التفسير العامة (كالمادة 16 من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م) لا يكفي لإيجاد اختصاص موضوعي لم يقرره التشريع أصلاً؛ فقواعد التفسير أداة لتوضيح النصوص القائمة وليست مصدراً لإنشاء سلطة أو نقل ولاية قانونية من جهة إلى أخرى.

واتصالاً بمرجعية الولاية الدستورية، تؤكد المقالة على أهمية تتبع المادة (74) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، والتي كانت تؤول بموجبها سلطات رئيس الجمهورية ذات الطبيعة التنفيذية لرئيس مجلس الوزراء، مما يفرض التحقق من مدى نفاذ التعديلات الدستورية لسنة 2025م وأثرها في إعادة توزيع الاختصاصات. كما تشدد على أن قانون شرطة السودان لسنة 2008م (المعدل 2017م) يسند سلطة إنهاء الخدمة لرئيس الجمهورية، ولا يجوز افتراض انتقال هذه السلطة لرئيس مجلس السيادة بغير نص تشريعي صريح أو أصل دستوري نافذ وسليم الإجراءات من حيث الإجازة والتوقيع والنشر.

وبناءً على هذا التسلسل، فإن تخلف السند الدستوري والقانوني النافذ قد يفقد القرار ركنًا جوهريًا من أركان مشروعيته، بما يجعله عرضة للطعن بالإلغاء أو الدفع بانعدامه، بحسب طبيعة العيب وجسامته. كما أن إخضاع هذه القرارات للرقابة القضائية والتحقق من صحة سندها الدستوري والتاريخي والإجرائي يجسّد التطبيق العملي لمبدأي سيادة القانون وسمو الدستور، دون أن يشكل ذلك انتقاصًا من مكانة المنصب الدستوري أو تدخلًا في سلطة التقدير والملاءمة الإدارية، وإنما ضمانًا لممارسة الاختصاص في حدوده الدستورية والقانونية. ومن هنا يبرز التساؤل: أين دور وزارة العدل ومستشاريها القانونيين في صناعة النص التشريعي وضمان المشروعية الدستورية والقانونية؟

(أولاً) أين هي قدرات المشرّع والصائغ الدستوري في السودان؟

———————————-

تطرح هذه المقالة، سؤالًا يتجاوز حدود النزاع حول مشروعية قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة، ليمتد إلى قضية أعمق تتصل بقدرات الدولة السودانية في إعداد التشريعات وصياغتها ومراجعتها وضمان اتساقها مع الدستور ومبادئ المشروعية وسيادة حكم القانون. والسؤال هنا ليس مجرد تساؤل عن جودة الصياغة القانونية، وإنما عن كفاءة المؤسسة التي تضطلع بمهمة إعداد النصوص التشريعية ومراجعتها، وعن مدى قدرتها على استباق التعارض بين القواعد الدستورية والقوانين العادية واللوائح والقرارات الإدارية، قبل أن يتحول ذلك التعارض إلى نزاع قضائي يهدد استقرار المراكز القانونية وحقوق الأفراد.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية وزارة العدل، بمكاتبها وإداراتها ومستشاريها القانونيين في أجهزة الدولة، باعتبارها إحدى المؤسسات المحورية في البنية القانونية للدولة، عن الإسهام في ضمان سلامة الصياغة التشريعية، والتحقق من توافق مشروعات القوانين واللوائح مع الدستور، ومراجعة حدود الاختصاصات التي تمنحها النصوص للسلطات العامة، بما يمنع الخلط بين الاختصاص الدستوري والاختصاص القانوني والسلطة التنظيمية والتنفيذية. فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ حكم القانون لا يكفيها أن تمتلك نصوصًا دستورية وتشريعية متعددة؛ بل ينبغي أن تمتلك أيضًا القدرة المؤسسية والفنية على صياغة تلك النصوص صياغة دقيقة ومتكاملة، تكفل وضوح مدلولاتها، وتحدد نطاق تطبيقها، وتمنع تناقضها أو إساءة استخدامها.

وتتضح أهمية هذه المسألة عند الرجوع إلى المادة الرابعة، في باب التفسير، من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، التي عرّفت لفظ قانون: (بأنه أي تشريع بخلاف الدستور، ويشمل القوانين والمراسيم المؤقتة وأي لوائح أو قواعد أو تشريعات فرعية أو أوامر صادرة بموجب القوانين). ويكشف هذا التعريف عن اتساع المجال التشريعي الذي يتطلب المراجعة والتنسيق، إذ لا تقف المنظومة القانونية عند حدود القانون الذي يصدره الجهاز التشريعي، وإنما تمتد إلى اللوائح والقواعد والأوامر وسائر التشريعات الفرعية التي تستمد وجودها واختصاصها من القانون، وتظل خاضعة للحدود التي يرسمها الدستور والتشريع المنشئ لها.

ومن ثم، فإن سلامة النظام القانوني لا تتحقق بمجرد صحة كل نص في صورته المنفردة، بل تقتضي أيضًا اتساق النصوص بعضها مع بعض، وتدرجها في البناء القانوني، وعدم تجاوز التشريع الفرعي حدود التفويض الممنوح له، أو مصادمة القانون العادي لأحكام الدستور. فكل قاعدة قانونية ينبغي أن تصدر عن الجهة المختصة، وفي الحدود الموضوعية والإجرائية التي يقررها النص الأعلى، وألا تتحول سلطة إصدار اللوائح أو القرارات التنفيذية إلى وسيلة لإنشاء اختصاصات لم يمنحها الدستور أو القانون، أو لتعديل المراكز القانونية للأفراد دون سند صحيح.

وتزداد دلالة ذلك بالرجوع إلى المادة الخامسة من ذات قانون تفسير القوانين والنصوص العامة 1974م، التي تقرر أن النسخة المنشورة في الجريدة الرسمية هي النسخة المعتمدة لأي قانون، وأن المحاكم تأخذ علمًا قضائيًا بالقانون وفقًا لما ورد فيها، مع مراعاة الحكم المتعلق بالقوانين المنشورة في الطبعات المراجعة وفقًا للقانون (قانون الطبعة والمراجعة للقوانين السودانية لسنة 1974م). فالنشر الرسمي ليس مجرد إجراء شكلي لإعلان النص التشريعي، وإنما يمثل ضمانة أساسية للتحقق من النص المعتمد الذي يُحتج به، وتحديد مضمونه، وإتاحة العلم به، وتوحيد المرجع الذي تستند إليه السلطات العامة والمحاكم والأفراد عند تفسير القانون وتطبيقه.

وعلى هذا الأساس، فإن أي خلاف بشأن مضمون نص تشريعي أو تاريخ نشره أو بدء نفاذه أو النسخة التي يتعين تطبيقها، لا يجوز التعامل معه باعتباره مسألة تحريرية هامشية؛ إذ قد تترتب عليه آثار دستورية وقانونية مباشرة، ولا سيما عندما يتعلق النص بتحديد سلطة إصدار قرار يمس الوظيفة العامة أو المركز القانوني لأحد الأفراد. فقبل أن تُنسب إلى جهة إدارية سلطة إنهاء الخدمة أو الإحالة إلى المعاش، يتعين التحقق من مصدر تلك السلطة، والنص الذي يقررها، وسريان ذلك النص في التاريخ الذي صدر فيه القرار، ومدى استيفاء الإجراءات والقيود التي أحاط بها المشرّع ممارستها.

ويكتسب هذا المعنى أهمية إضافية في ضوء المادة الرابعة من قانون الطبعة المراجعة للقوانين السودانية لسنة 1974م، التي تقرر أنه: (لا يفسر أي نص في هذا القانون على أنه يخول لوزير العدل السلطة في إجراء أي تعديل أو تغيير في محتوى أو مادة أي قانون دون موافقة الجهاز التشريعي). ومؤدى هذا الحكم، في نطاقه، أن سلطة مراجعة القوانين أو إعداد طبعاتها المراجعة لا يجوز أن تُتخذ أساسًا لتعديل مضمون التشريع أو تغيير أحكامه دون موافقة السلطة التشريعية المختصة. فثمة فارق جوهري بين مراجعة النصوص وتنظيمها أو توحيدها وفقًا للقانون، وبين تعديل محتواها أو إنشاء حكم جديد فيها؛ إذ يخضع كل عمل لحدود الاختصاص الذي قرره المشرّع، ولا يجوز اتخاذ سلطة فنية أو إجرائية ستارًا لممارسة اختصاص تشريعي لم يُمنح قانونًا.

ومن هنا يبرز السؤال المؤسسي الذي تتناوله هذه المقالة؛ أين تكمن قدرات المشرّع والصائغ الدستوري في السودان، وما مدى كفاءة منظومة الصياغة التشريعية في ضمان الاتساق بين الدستور والقوانين العادية والتشريعات الفرعية؟؛ وأين تقف مسؤولية وزارة العدل ومستشاريها القانونيين في اكتشاف أوجه التعارض والغموض، والتحقق من سلامة التفويض التشريعي، ومراجعة النصوص التي تنظم اختصاصات السلطات العامة، قبل أن تتحول عيوب الصياغة أو قصور المراجعة إلى قرارات إدارية معرضة للإلغاء أو إلى منازعات قضائية كان من الممكن تجنبها؟

إن هذا السؤال لا يستهدف الأشخاص لذواتهم، ولا يقوم على افتراض مسبق بوجود تقصير من موظف أو جهة بعينها، وإنما يوجه النقد إلى الوظيفة المؤسسية ذاتها: هل تؤدي أجهزة الصياغة والمراجعة القانونية دورها في بناء تشريع واضح، متسق، قابل للتطبيق، ومحكم من الناحية الدستورية؟ وهل تخضع مشروعات القوانين واللوائح لمراجعة منهجية تكشف التعارض بين النصوص، وتحدد بدقة صاحب الاختصاص وحدوده وشروط ممارسته؟ وهل توجد آليات فعالة للتنسيق بين وزارة العدل والوحدات القانونية في الوزارات والمؤسسات العامة، بحيث لا تصدر القواعد التنفيذية والقرارات التنظيمية في مسارات منفصلة عن الأصول الدستورية والتشريعية التي تحكمها؟

(فعقل الدولة) في هذا المقام ليس وصفًا بلاغيًا لوزارة العدل وحدها، ولا يعني أن هذه الوزارة تحتكر صناعة التشريع أو تحل محل المشرّع الدستوري والجهاز التشريعي؛ بل هو تعبير عن ضرورة وجود منظومة مؤسسية قادرة على التفكير القانوني الاستباقي، وتقدير الآثار الدستورية للتشريعات، ومراجعة اتساقها، والتنبيه إلى المخاطر التي قد تنشأ عن غموض الاختصاص أو تضارب النصوص أو عدم وضوح تاريخ النفاذ. فالمشرّع يضع القاعدة في حدود اختصاصه الدستوري، والجهة القانونية المختصة تتولى ما يسند إليها من إعداد ومراجعة وصياغة، والسلطة التنفيذية تطبق القانون في الحدود المقررة لها، والقضاء يراقب المشروعية ويفصل في المنازعات. ولا يجوز أن يحل أي طرف من هذه الأطراف محل الآخر، أو أن تتجاوز وظيفته الحدود التي رسمها الدستور والقانون.

ومن زاوية دستورية وسياسية، فإن جودة الصياغة التشريعية ليست ترفًا فنيًا، بل هي أحد مقومات الحكم الرشيد واستقرار الدولة. فالنص الغامض قد يفتح بابًا لتعدد التفسيرات، والنص المتعارض قد يؤدي إلى اضطراب التطبيق، والنص الذي لا يحدد الاختصاص بدقة قد يسمح بتداخل السلطات أو بممارسة صلاحيات لا تستند إلى أساس صحيح. وعندما تتصل هذه العيوب بقرارات تمس الوظيفة العامة أو الحقوق المكتسبة أو الضمانات القانونية، فإن أثرها لا يقف عند حدود الخطأ الإداري، بل قد يمتد إلى الثقة في المؤسسات العامة وفي قدرة الدولة على إخضاع سلطاتها للقانون.

وتتجلى خطورة هذه المسألة في النزاع المتعلق بقرار إنهاء خدمة ضباط الشرطة لسنة 2025م، إذ يقتضي بحث مشروعية القرار التحقق من السند الدستوري والقانوني للاختصاص، ومن النصوص النافذة وقت صدوره، ومن استيفاء الشروط والإجراءات التي يتطلبها قانون الشرطة واللوائح ذات الصلة. ولا يكفي في هذا المقام الاستناد إلى صفة الجهة التي أصدرت القرار أو إلى وجود نص عام ينظم إنهاء الخدمة؛ بل ينبغي تحديد النص الذي يمنح الاختصاص تحديدًا، وبيان مدى انطباقه على الحالة محل قرارات 2025م إنهاء خدمة ضباط شرطة، والتحقق من أن ممارسته تمت في الحدود التي قررها القانون. كما يتعين فحص أي تعديل دستوري يُستند إليه، من حيث ثبوت صدوره ونشره ونفاذه ومضمونه، دون افتراض أن مجرد الإشارة إليه تحسم هذه المسائل.

وبذلك، فإن الإشكال لا ينحصر في صحة قرار إداري بعينه، وإنما يكشف عن ضرورة مراجعة المنهج الذي تُصاغ به النصوص المحددة للاختصاصات العامة، ومدى كفاية الضمانات التي تحول دون إصدار قرارات تأسست على قراءة مبتسرة لنص دستوري أو قانوني، أو على الخلط بين سلطة إصدار القرار وسلطة اقتراحه أو التوصية به أو اعتماده. فالتشريع الجيد هو الذي يحدد بوضوح الجهة المختصة، والإجراء الواجب اتباعه، والشروط الموضوعية اللازمة، والضمانات المقررة لصاحب الشأن، والرقابة القضائية التي تكفل عدم الانحراف عن الغاية التي من أجلها مُنحت السلطة.

والخلاصة؛ أن السؤال عن قدرات المشرّع والصائغ الدستوري في السودان، ينبغي أن يتحول من نقد إنشائي إلى مساءلة مؤسسية قائمة على معايير قابلة للفحص: وضوح الاختصاص، ودقة المصطلحات، واتساق التشريعات، وصحة النشر والنفاذ، واحترام التدرج القانوني، وسلامة التفويض التشريعي، ووجود آليات للمراجعة السابقة واللاحقة. ومن واجب المؤسسات القانونية المختصة أن تسهم في ترسيخ هذه المعايير، لا أن تكتفي بمعالجة النزاع بعد وقوعه، متى كان بالإمكان اكتشاف مصدره أثناء إعداد النص أو مراجعته.

وعليه، فإن السؤال الختامي الذي تطرحه هذه المقالة ليس مجرد: أين قدرات وزارة العدل ومستشاريها القانونيين؟ بل هو سؤال أوسع عن قدرة الدولة السودانية على بناء منظومة تشريعية تحمي الدستور من الغموض والتعارض، وتحمي القانون من التعديل بغير الطريق المختص، وتحمي الإدارة من تجاوز حدود سلطتها، وتحمي الأفراد من القرارات التي تفتقر إلى سند قانوني سليم. فالدولة التي تحترم دستورها لا تكتفي بإصدار القوانين، بل تحرص على أن تكون هذه القوانين واضحة ومتسقة ونافذة على الوجه الصحيح؛ ولا تقيس كفاءة مؤسساتها القانونية بعدد النصوص التي تصوغها، بل بقدرتها على إنتاج قواعد مشروعة تمنع النزاع قبل وقوعه، وتضمن أن تمارس كل سلطة اختصاصها في حدوده الدستورية والقانونية.

فسؤال أين عقل الدولة في الصياغة التشريعية؟ ليس المقصود عقل شخص أو مؤسسة منفردة، بل منظومة الخبرة القانونية والدستورية التي ينبغي أن تضمن ألا تتحول أخطاء الصياغة أو قصور المراجعة أو غموض الاختصاص إلى مصدر لاضطراب المشروعية. وهذا هو المعيار الحقيقي الذي تُقاس به قدرة الدولة على إخضاع السلطة للقانون، لا إخضاع القانون لإرادة السلطة.

(ثانياً) لا اختصاص مستمد من قاعدة لم يثبت قيامها ونفاذها وقت القرار:

———————————

من خلال الاطلاع على قرارات رئيس مجلس السيادة الصادرة عام 2025م بشأن إنهاء خدمة ضباط الشرطة، يتضح أن التوقيت الدستوري يمثل محورًا أساسيًا في الطعن عليها؛ إذ لا تنحصر المسألة في مجرد وجود وثيقة دستورية أو تعديل لها خلال فترة زمنية معينة، وإنما تتمثل في تحديد القاعدة الدستورية التي كانت نافذة وواجبة التطبيق عند إصدار تلك القرارات.

فالواقع التشريعي يشير إلى تعديل منشور بتاريخ 15 فبراير 2025م، ووجود وثيقة موقّعة بتاريخ 19 فبراير 2025م، مما يثير تساؤلًا جوهريًا بشأن مدى استيفاء الوثيقة الأخيرة متطلبات النشر بالطريقة القانونية المقررة، وأثر ذلك في ثبوت نفاذها. ومن ثم، لا يكفي تجاوز هذا التعارض بالإحالة العامة إلى (الوثيقة الدستورية لسنة 2019م تعديل سنة 2025م)، الواردة في ديباجة القرارات بعبارة: (مجلس السيادة الانتقالي: بعد الاطلاع على الوثيقة الدستورية لسنة 2019م تعديل سنة 2025م وعلى توصية وزير الداخلية وعملاً بأحكام المادتين 30/(4)، 32/(ي) من قانون شرطة السودان لسنة 2008م مقروءة مع المادة 16/(1) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م والمادة 18/(1) من لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة لسنة 2019م أصدر القرار الآتي)، فإنه وفقاً لديباجة صدر القرار في الصياغة القانونية يتعين تحديد النص الدستوري النافذ في التاريخ الحاسم، والتحقق من مضمونه ومدى صلته بالاختصاص محل النزاع.

ويقتضي حسم هذه المسألة التمييز بين المراحل القانونية المتمايزة لإقرار النص الدستوري وتوقيعه أو اعتماده ونشره وبدء نفاذه؛ إذ لا يلزم أن تتطابق تواريخ هذه المراحل، ولا يصح افتراض أن تاريخ التوقيع هو بالضرورة تاريخ النفاذ، كما لا يكفي تداول نسخة من النص لإثبات نشره رسميًا.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المادة (9) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م بشأن النشر والنفاذ، بما يستلزم مراجعة نصها الكامل والتحقق من مدى انطباقها على التعديل الدستوري، وما إذا كانت تحدد تاريخ النفاذ أو إرتباطة بالنشر، أم أن التعديلات الدستورية تخضع لحكم خاص ينظم هذه المسألة. ولا يستهدف هذا التحقق افتراض بطلان التعديل ابتداءً، وإنما تحديد القاعدة الدستورية واجبة التطبيق على أساس النص القانوني الحاكم، وما يثبت رسميًا بشأن أصل التعديل ومضمونه وتاريخ نشره ونفاذه.

وتتصل هذه المسألة اتصالًا مباشرًا بركن الاختصاص؛ ذلك أن الاختصاص ولاية يحددها الدستور والقانون النافذان وقت ممارستها، وقد تتغير حدوده تبعًا لتعديل النصوص المنظمة له، اتساعًا أو تضييقًا. وعليه، فإن معيار المشروعية في الحالة محل البحث هو النص الذي كان قائمًا ونافذًا بتاريخ إصدار القرارات 2025م، لا نص سابق زال حكمه، ولا نص لاحق لم يكن قد دخل حيز النفاذ. فإذا تمسك صائغ القرارات بأن المادة (74) من الوثيقة الدستورية قد أُلغيت أو استُبدلت، تعيّن هنا تحديد أداة التعديل الرسمية، وبيان مضمونها النهائي وتاريخ نفاذها، ثم توضيح النص البديل الذي يستند إليه في إثبات الاختصاص. فمجرد القول بتعديل الوثيقة الدستورية لا يحسم السؤال الجوهري: أي نص دستوري نافذ منح رئيس مجلس السيادة سلطة إحالة ضباط الشرطة إلى المعاش في التاريخ الذي صدر فيه القرار لسنة 2025م؟

وعليه، لما كان تحديد القاعدة الدستورية الواجبة التطبيق يتوقف على ثبوت النص الرسمي للتعديل وتاريخ نفاذه، فإن ذلك يستلزم التحقق من أصل التعديل وبيانات نشره والعدد الرسمي الذي ورد فيه وتاريخ بدء العمل به، فضلًا عن تحديد مدى تأثيره في المادة (74) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، التي آلت بموجبها اختصاصات وسلطات رئيس الجمهورية الواردة في القوانين السارية إلى رئيس مجلس الوزراء.

ويقتضي ذلك التحقق مما إذا كان التعديل الدستوري لسنة 2025م قد استحدث نصًا جديدًا يُسند الاختصاص إلى رئيس مجلس السيادة، بما يترتب عليه إلغاء الحكم الدستوري السابق أو تعديله، أم أنه أبقى على القاعدة القائمة دون تغيير صريح، واكتفى بتعديل بعض أحكام الوثيقة الدستورية. كما يتعين التحقق مما إذا كان التعديل قد تضمّن حكمًا يقضي باستبدال عبارة (رئيس الجمهورية) بعبارة (رئيس مجلس السيادة) في القوانين السارية، أم أن انتقال الاختصاص يتطلب تعديلًا تشريعيًا مستقلًا لكل قانون بحسب الأحوال.

ومن ثم، فإن حسم الاختصاص بإصدار قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لا يتوقف على مجرد الاستناد إلى التعديل الدستوري لسنة 2025م، وإنما على ثبوت نفاذه، وتحديد مضمونه وأثره في المادة (74)، وبيان مدى انتقال الاختصاص الذي كان مقررًا لرئيس مجلس الوزراء إلى رئيس مجلس السيادة، وما إذا كان هذا الانتقال قد تحقق مباشرة بموجب النص الدستوري أم يستلزم تعديلًا للقوانين المنظمة للاختصاص.

وفي ضوء ذلك، لا يجوز اتخاذ قواعد التفسير وسيلة لتجاوز الخلاف المتعلق بالنشر والنفاذ أو لإنشاء اختصاص لم يثبت مصدره. فالتفسير القانوني يفترض وجود قاعدة قائمة يراد تحديد معناها ونطاق تطبيقها، ولا يحل محل الإجراء اللازم لنشرها أو نفاذها، كما لا ينشئ بذاته ولاية أصلية يفترض أن تستمد من الدستور أو القانون. ومن هنا ينبغي التمييز بين تفسير نص نافذ لتحديد حدود الاختصاص الذي يقرره، وبين توظيف التفسير لتدارك غياب النص المنشئ للاختصاص أو لإعادة إعمال نص لم يثبت بقاؤه نافذًا. فالأول يدخل في نطاق التفسير المشروع، أما الثاني فيؤدي إلى الخلط بين تفسير القاعدة القانونية وإنشاء السند الذي تستمد منه السلطة ولايتها.

وتأسيسًا على ما تقدم، يتحدد الأثر القانوني وفقًا لما تسفر عنه المستندات الرسمية؛ فإذا ثبت نشر التعديل الدستوري ونفاذه قبل تاريخ إصدار قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة عام 2025م، وجب التحقق من مضمونه ومدى إسناده الاختصاص بإصدار تلك القرارات إلى رئيس مجلس السيادة، أم أنه تناول أحكامًا أخرى لا صلة لها بالاختصاص محل النزاع. أما إذا ثبت عدم نفاذه في التاريخ المذكور، فلا يصح الاستناد إليه سندًا للاختصاص، وإذا ظلت المستندات الرسمية متعارضة أو غير مكتملة، تعيّن التحقق من النص الدستوري الواجب التطبيق وتاريخ نفاذه قبل الفصل في هذه المسألة الجوهرية.

وعليه، فإن النشر والنفاذ ليسا مسألتين شكليتين منفصلتين عن الاختصاص، بل يمثلان حلقة أساسية في التحقق من مشروعية القرار الإداري. ويقتضي ذلك مطالبة الجهة المتمسكة بالتعديل بتحديده وتقديم أصله الرسمي وما يثبت نشره ونفاذه، ثم ترتيب الأثر القانوني وفقًا لما تثبته المستندات، دون افتراض مسبق بصحة موقف أي من الطرفين؛ إذ لا يستقيم إسناد الاختصاص إلى قاعدة دستورية قبل التحقق من قيامها ونفاذها ومضمونها وقت صدور قرارات 2025م.

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

11 اكتوبر 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى