دور الذكاء الاصطناعي في توجيه الرأي العام والحوكمة السياسية

تقرير:بدرالدين عبدالرحمن
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية للتنبؤ أو أداة لتحسين الإنتاجية،بل تحول إلى لاعب إستراتيجي محوري يقود التحولات السياسية ويُعيد تشكيل الهندسة الاجتماعية للمجتمعات. وما بين الاستهداف الدقيق لسلوكيات الناخبين وبين أتمتة القرارات الحكومية،يقف العالم اليوم عند مفترق طرق،تبدو بين مطرقة تعزيز الشفافية الرقمية وسندان استغلال التقنية للإجهاد والتأثير الديمقراطي.
*هندسة الرأي العام،من الإعلام الجماهيري إلى “الاستهداف الخوارزمي”:
في العصر الرقمي الحالي، انتقل التأثير الإعلامي من البث العريض الموجَّه لجميع الفئات،إلى ما يُعرف بـ الاستهداف النفسي الدقيق (Psychographic Microtargeting).
وذلك بغرض تحليل السلوكيات والتنبؤ بالاتجاهات،بغية أن تُعالج خوارزميات التعلم الآلي ملايين نقاط البيانات اليومية عبر منصات التواصل لرصد التحولات النفسية والمزاجية للجمهور قبل أن تتبلور كآراء صريحة.
لاسيما وأن الخوارزميات تُصمَّم لزيادة التفاعل عبر إبراز المحتوى الأكثر إثارة للجدل،مما يتسبب في توجيه الناخبين نحو أفكار متطرفة وغلق المجال أمام النقاش المتوازن.
*تهديد “التزييف العميق” (Deepfakes):
وفي سياق ذلك،أصبحت تقنيات إنتاج الفيديوهات والمقاطع الصوتية المزيفة أدوات حرب إعلامية عابرة للحدود، تُستخدم لإرباك المشهد السياسي وإرباك القرارات الانتخابية في أوقات الحاجة،مما أدي إلي تحول في صناعة القرار على صعيد إدارة الدولة،خاصة وأن الحكومات تسعى لاستغلال الخوارزميات في الانتقال من “القرار الحدسي” إلى “القرار القائم على البيانات”الموثقة والصحيحة.
*تطبيق الحوكمة و
صياغة السياسات العامة: هنالك قدرة كبيرة للأنظمة الذكية على نمذجة تأثير القوانين والقرارات الاقتصادية قبل تطبيقها على أرض الواقع.
ومن ذلك مايتعلق بالخدمات الحكومية الذكية،خاصة الجزئية المتعلقة بأتمتة المعاملات لتقليل الفساد الإداري وضمان توزيع الموارد بكفاءة،وذلك علي سبيل المثال لا الحصر.
هذا إلي جانب القدرة على التنبؤ والاستجابة السريعة لحلحلة الأزمات،وذلك من خلال رصد أزمات التموين والخدمات أو المخاطر الطبيعية واتخاذ تدابير استباقية بناءً على البيانات المكانية والزمانية الدقيقة.
وعلى الرغم من ذلك كله،تطفو على السطح جملة من التحديات والأبعاد الأخلاقية
رغم المزايا التنموية،لأجل ذلك يحذر الخبراء من ثغرات تنظيمية وسياسية قد تُعرّض الديمقراطية والسيادة الوطنية للمخاطر.
يظهر الأثر السياسي والإجتماعي لإستخدام الذكاء الإصطناعي،من خلال تغذية خوارزميات الذكاء الاصطناعي ببيانات غير متوازنة،مما يؤدي لتهميش فئات معينة في القرارات الخدمية.
إضافة لصعوبة معرفة كيفية اتخاذ الخوارزمية المناسبة والمتعلقة بقرار معين،هذا يجعل المساءلة السياسية والأخلاقية معقدة.
فضلا عن أن الاعتماد على منصات ونماذج خارجية، يضع بيانات الدولة وذاكرتها الوطنية تحت طائلة النفوذ الجيوسياسي والتحكم للدول المصنعة للتقنية.
* أطر الحوكمة الرقمية وآفاق المستقبل:
تتجه القوى الدولية والمؤسسات التشريعية نحو فرض أطر تنظيمية تتضمن الإشراف البشري الوجوبي (Human-in-the-loop)،بجانب التأكيد على أن الآلة تقدم توصيات تحليليّة فقط، بينما يظل القرار السياسي والأخلاقي بيد السلطات الشرعية المسؤولة.
بيننا تبقي مهمة قوانين الشفافية والوسم،إلزام المؤسسات بوضع شارات تدل على أن المحتوى الإعلامي أو السياسي مُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي.
أما فيما يتعلق بالميثاق الأخلاقي للبيانات،فإنه يجب صياغة قوانين دولية ومحلية لحماية الخصوصية ومنع استغلال البيانات الشخصية في الحملات السياسية دون إذن.
خلاصة ذلك،أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن الرشد السياسي أو الإرادة الشعبية، ولكنه مضاعِف للقوة،لاسيما وأن خطورته أو فائدته تكمن في كفاءة وشفافية الأطر التي تُحكم عمله وتحدد حدوده.


