مقالات الرأي

الحدث السياسي بين اللوح المحفوظ ولوح المحو والإثبات  بقلم: كابتن محمد حسن الطاهر

 

التاريخ : اكتوبر . 14. 2026

 

تبدا المعرفة بالسؤال

ما الذي يحدث حقاً؟

هذا هو سؤال السياسة والفكر والدين في آن واحد

 

نحن نظن أننا نعيش أفعالاً، والحقيقة أننا نعيش أحداثاً. وبينهما فرق شاسع يجعلنا ندلف الى السؤال التالي

– ما هو الحدث؟

 

ولكى نفهم ماهو الحدث يجب أن ، نفكك طلاسم (مثلث) الفعل والفاعل والانفعال

الفعل ( أنا أفعل ) هو :

– ما يصدر عن إرادة واعية.

– قرار يبدأ من الداخل إلى الخارج.

 

الفاعل هو :

– صاحب الإرادة.

– يملك القدرة على أن يفعل وألا يفعل.

 

أما الانفعال هو :

– ما يحدث لك.

– أثر فعل غيرك عليك. أنت لا تفعله، بل يُفعل بك.

وهنا تظهر حكمة الحكيم ولؤم اللئيم ونتيجته تفرخ الحدث

فالحدث هو :

– التقاء الفعل والانفعال في لحظة زمان ونقطة مكان.

 

فهو ليس فعلاً صرفاً ولا انفعالاً صرفاً، بل هو الاصطدام

– أنا أرمي حجراً (فعل)،

– فيقع على رأس رجل (انفعاله)،

– فيصرخ الناس (حدث).

 

ان كل السياسة السودانية التي نعيشها هي أحداث، وليست أفعالاً خالصة.

– كل طرف يفعل،

– ثم ينفعل بما فعل الآخر،

– فينتج حدث ثالث لم يخطط له أحد غالبا على متواصل المسافة بين الانفعال والافتعال ولكنه لاينفك حسب اعتقادنا من انه قدر معلق بين المحو والاثبات والتى تاتى غالبا من فاعل قدره معلق بين كونه مخير ام مسير يصدق عليه مقولة (مكره اخاك … ) التى تحدد قدره فى ام الكتاب .. وعنده ام الكتاب

 

يوجد في عقيدتنا لوحان هما :

 

اولا اللوح المحفوظ:

يشمل النهايات الكبرى والسنن الكلية التي لا تتبدل مثل

– أن الظلم إلى زوال،

– وأن الحق يعلو،

– وأن لكل أمة أجل.

هذا لوح لا محو فيه (القدر الكلي) ثم ياتى قوله تعالى :

– _﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾_ [الرعد: 39].

 

ثانيا لوح المحو والاثبات :

– لوح التفاصيل اليومية،

– لوح الأسباب والمقدمات،

– لوح القرارات التي يمكن أن تُمحى وتُثبت بالدعاء والعمل والتدبير (القدر الجزئي) .

ومن بين هذين اللوحين تولد ثلاثة أنواع من السلوك:

 

*1. الفعل هو سلوك أهل اللوح المحفوظ وهو متصل بالغاية الكبرى، يعرف نهايته، ثابت لا يرتجف. فعل الأنبياء والمصلحين الاستراتيجيين.

 

*2. الانفعال هو سلوك أهل لوح المحو والإثبات عندما يصبحون ريشة في مهب كل خبر وشائعة.

– اليوم مع فلان وغداً ضده، حسب ما يُمحى ويُثبت أمامهم هو رد فعل لا فعل يفقد صاحبه الاصالة ويرتبط غالبا بالافتعال وهنا تاتى الكارثة

 

*3. الافتعال هو أن تفتعل حدثاً في لوح المحو والإثبات لتظن أنك غيرت اللوح المحفوظ.

هو تمثيلية، مسرحية سياسية. تفتعل معركة، تفتعل أزمة، تفتعل بطولة، وكلها تمحى بعد حين لأنها لم تكن متصلة بسنة اللوح المحفوظ ولم ترتبط بالغاية الكلية واستعمركم فيها ..

 

أزمتنا اليوم هى أن معظم حراكنا السياسي هو *افتعال* في لوح المحو والإثبات، ونسينا أن نتصل بثوابت اللوح المحفوظ ومن هنا تاتى ان مسهم طاىف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون..

ان قصة قصة موسى عليه السلام هى افضل ما يتاسي به فى هكذا أحداث حيث نجد ان موسى ذهب ليأتي بالألواح _﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً﴾_. هذه هي المثالية، هي المبادئ النهائية.

 

لكنه حين عاد، وجد قومه يعبدون العجل. وجد الواقع في لوح المحو والإثبات قد انهار.

ماذا فعل موسى؟

قال تعالى: _﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾_ [الأعراف: 150].

 

هذا المشهد هو قمة الانفعال البشري لنبي. حتى موسى انفصل للحظة عن اللوح المحفوظ، وتصرف برد فعل من لوح المحو والإثبات.

رمى المبادئ لأجل الواقع. لقد غضب فكانت النتيجة لما عجل موسي عجل قومه فعبدوا العجل ..

 

لكن القرآن يصور لنا التصحيح الإلهي الفوري:

_﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾_ [الأعراف: 154].

 

لاحظ التعبير:

الغضب هو الذي سكت، كأنه فاعل مستقل. وحين سكت الانفعال، عاد الفعل. عاد إلى اللوح المحفوظ. أخذ الألواح مرة أخرى.

 

*الدرس السياسي يعرفنا ان

– القائد الراشد قد يرمي الألواح لحظة غضب، قد ينفعل،

لكن معامل رشده يُقاس بقدرته على أن يلتقطها مرة أخرى عندما يسكت عنه الغضب.

أما القائد الأحمق، فيرمي الألواح ثم يكسرها، ثم يرقص فوق حطامها ويظن أنه انتصر. وذلك لمخالفته معامل الرشد ومن هنا بقية الرشد لابد من السؤال التالي:

– كيف نعرف أن حدثاً ما كان رشداً أو طيشاً؟

ان الإجابة هل ان الرشد لا يقاس بعدد الحشود، بل بمعامل دقيق من ثلاث طبقات تشمل

أولا الصورة والوعي :

– ما هي الصورة التي كانت في ذهن الفاعل لحظة الحدث؟

– هل كانت صورة من اللوح المحفوظ (ان فيها ملك لايظلم عنده احد)، أم صورة من لوح المحو والإثبات (هزيمة خصمي اليوم فقط وبلدى المؤمنة)

إذا كانت الصورة مشوشة، فالوعي مشوش، والحدث كله ساقط، مهما بدا ضخماً.

موسى حين رمى الألواح كانت الصور عنده مشوشة بحدث العجل، لكن وعيه العميق أعادها.

 

ثانيا تشريح الحكم:

– كيف حكمت على الحدث؟

– هل شرحت الحكم بدقة ؟

لاشك ان الحكم الراشد يمر بأربع اسئلة:

المبدا :

– هل هذا حق أم باطل؟

الواقع :

– هل هذا ممكن أم مستحيل؟

التوقيت :

– هل هذا وقته أم لا؟

التكلفة :

– هل ثمنه أكبر من نفعه؟

لابد من الإجابة على هذه الاسىلة وصاحب العقل يميز .

 

موسى حين جر أخاه، فشل فى تقدير التوفيت والتكلفة

لذلك عاتبه الله بأسلوب لطيف يهدئ انزيم الادرنالين

قال تعالى فلما سكت عنه الغضب.

أن كثير من أحكامنا السياسية اليوم تولد في الشارع وتموت في الشارع نتيجة الغضب والسكوت لذا وجب على ذو اللب والفكر ان يسكن الغضب ويختار المسار الذى ترتبط بالله

 

ثالثا : علاقة مسار الفعل بالغاية:*

وهنا الميزان النهائي. ومنه يتولد السؤال التالي :

– هل مسار الفعل الذي اخترته له صلة حقيقية بغايتك الكبرى ( اللوح المحفوظ) .

لاشك ان اختبار رجاحة العقل تظهر عند الاختيار فقد أختار نبينا الفطرة فهدى وهديت امته فقد وفق فى اختيار المسار الذى يحقق الغاية التى بها ينصلح الناس ..

– أن تخوض حرباً من أجل السلام، مسار له صلة للغاية

– أن تكذب من أجل الصدق، مسار مقطوع الصلة بالغابة

– أن تفتعل فتنة مستفزة بادعاء الذكاء مسار معكوس.

وهنا لابد من قياس الاختيار وفق معامل الرشد

– هل ما تفعله اليوم في لوح المحو والإثبات، يثبّت شيئاً في اللوح المحفوظ، أم يمحوه؟

 

الخلاصة

ان الحدث السياسي الناجح هو الذي

– يبدأ من اللوح المحفوظ (مبدأ ثابت)،

– ويمر عبر لوح المحو والإثبات (خطة مرنة قابلة للمحو والإثبات)،

– ثم يعود ليُثبّت في اللوح المحفوظ.

 

والحدث الفاشل هو الذي

– يبدأ من لوح المحو والإثبات (غضب، شائعة)

– ويفتعل ضجيجاً في النفس

– ثم يُمحى كأنه لم يكن، ويترك خلفه ألواحاً مكسورة.

 

موسى رمى الألواح، لكنه التقطها. نحن رمينا الألواح منذ عقود، فهل آن الأوان أن يسكت عنا الغضب لنلتقطها؟

زر الذهاب إلى الأعلى