جائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو :علي مهدي نوري… حين يعبر المسرح حدود الحرب ويصنع جسور السلام .. بقلم: مهدي نوري

التاريخ: 11 أكتوبر 2026
في سجلّ الإبداع السوداني والعربي، تبرز محطاتٌ تتجاوز حدود التكريم الشخصي لتغدو علاماتٍ مضيئة في تاريخ الثقافة والإنسانية. ومن بين هذه المحطات، يظل فوز الفنان والمسرحي السوداني الأستاذ علي مهدي نوري بجائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو لعام 2010 حدثاً بارزاً في مسيرته الإبداعية، وتجسيداً لقيمة الفن حين يتجاوز حدود الخشبة، ليتحوّل إلى رسالة إنسانية تسعى إلى نشر السلام، وتعزيز الحوار، واستعادة الأمل في المجتمعات التي أنهكتها الحروب والنزاعات.
لقد جاء هذا التكريم تقديراً لجهود علي مهدي في توظيف المسرح والثقافة العربية أداةً للتواصل الإنساني، ووسيلةً لتعزيز قيم التعايش والتفاهم بين الشعوب. ولم يكن الإنجاز مجرد احتفاء بفنان امتلك أدوات التعبير والإبداع، بل كان اعترافاً بتجربة جعلت من الفعل الثقافي مسؤوليةً تجاه الإنسان، ومن المسرح مساحةً للإنصات إلى آلامه، والتعبير عن تطلعاته، والمساهمة في تضميد جراحه.
جائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو: تكريم يتجاوز حدود الإبداع الفردي
تحمل جائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو دلالات ثقافية وإنسانية عميقة، فهي تحتفي بالمساهمات التي تخدم الثقافة العربية، وتعزز حضورها في الفضاء العالمي، وتفتح آفاق الحوار بين الثقافات. وتكتسب هذه الجائزة أهمية خاصة حين يُنظر إليها من زاوية الدور الذي تؤديه الثقافة في بناء السلام، وتقريب المسافات بين الشعوب، وترسيخ قيم التفاهم والتسامح.
وفي هذا السياق، جاء فوز الأستاذ علي مهدي نوري بالجائزة لعام 2010 اعترافاً بأهمية تجربته المسرحية، وبالدور الذي يمكن أن يؤديه الفن في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات. وقد ارتبط هذا التكريم بالرؤية الثقافية لإمارة الشارقة، بقيادة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، الذي ارتبط اسمه بمبادرات ثقافية ومسرحية أسهمت في دعم الإبداع وتعزيز حضور الثقافة العربية.
إن قيمة جائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو لا تنحصر في لحظة إعلان الفائز أو تسليم الدرع، بل تمتد إلى الرسالة التي يحملها التكريم، وإلى ما يثيره من اهتمام بالتجارب الثقافية التي تجعل من الإبداع وسيلةً لخدمة المجتمع والإنسانية.
علي مهدي نوري… من خشبة المسرح إلى ميادين السلام
تتجلى خصوصية تجربة علي مهدي في إيمانه بأن المسرح لا ينبغي أن ينتظر جمهوره داخل القاعات التقليدية، بل عليه أن يذهب إلى الإنسان حيثما كان، وأن يقترب من واقعه، ويعبّر عن معاناته، ويمنحه فرصةً لاستعادة صوته وكرامته.
وقد مثّل تأسيس مسرح البقعة عام 2004 محطةً مهمة في مسيرته، إذ ارتبطت تجربته بمحاولة جعل المسرح قريباً من المجتمع، وقادراً على الوصول إلى الفئات التي تعيش في ظروف استثنائية، ولا سيما في المناطق المتأثرة بالنزاعات، ومنها دارفور.
هناك، لم يكن المسرح ترفاً ثقافياً أو نشاطاً جمالياً معزولاً عن الواقع، بل أصبح وسيلةً للتواصل والتعبير، ومساحةً لاستعادة الثقة، واستحضار الذاكرة الجماعية، وإحياء الأمل في نفوس الذين أثقلت الحرب كواهلهم.
ومن خلال استلهام التراث السوداني والفلكلور الشعبي، اتجهت هذه التجربة إلى توظيف الفن في دعم المجتمعات المتضررة من النزاعات، والمساهمة في جهود الدعم النفسي والاجتماعي وإعادة الإدماج، خصوصاً للأطفال والفئات الأكثر هشاشة.
ومن هنا، تتضح الصلة بين رسالة مسرح البقعة والقيمة الإنسانية التي تحتفي بها جائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو؛ فكلاهما يضع الثقافة في قلب الحياة، ويؤكد أن الفن يستطيع أن يفتح نوافذ للحوار، وأن يمنح الإنسان مساحةً للتعبير عن ألمه بعيداً عن لغة العنف والإقصاء.
جائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو ورسالة الحوار بين الثقافات
لم تنحصر رسالة علي مهدي في حدود الجغرافيا السودانية، بل اتصلت بقضايا أوسع تتعلق بدور الثقافة العربية في العالم، وبقدرتها على الإسهام في بناء جسور التواصل بين الشعوب والثقافات المختلفة.
فالثقافة، في جوهرها، ليست مجرد تراث يُحفظ أو أعمال فنية تُعرض، وإنما هي ذاكرة الشعوب، ومرآة هويتها، وأحد المسارات التي تستطيع من خلالها التعبير عن ذاتها والتواصل مع الآخرين.
ومن هذا المنطلق، اكتسبت تجربة علي مهدي بُعداً إنسانياً لافتاً؛ إذ جمعت بين الخصوصية الثقافية السودانية، بما تزخر به من تنوع وتراث وفنون شعبية، وبين رسالة إنسانية تتجاوز الحدود، وتؤمن بأن الاختلاف مصدر ثراء، وأن الحوار سبيل إلى التفاهم، وأن الإبداع قادر على جمع الناس حول القيم المشتركة.
إن جائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو، في هذا السياق، تمثل مناسبةً للتأمل في أهمية التجارب التي تتجاوز التعبير الفني إلى الفعل الثقافي المؤثر، وفي قدرة المسرح على أن يصبح لغةً مشتركة حين تعجز الكلمات التقليدية عن الوصول إلى الإنسان.
فالفنان الذي يخرج بفنه إلى المجتمعات المتأثرة بالحروب لا يقدّم عرضاً مسرحياً فحسب، بل يعلن موقفاً أخلاقياً من الحياة، وانحيازاً إلى الإنسان، وإيماناً بقدرته على النهوض مهما اشتدت الأزمات.
جائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو: إنجاز سوداني يستحق التوثيق
يمثل فوز الأستاذ علي مهدي نوري بجائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو لعام 2010 محطةً مهمة في مسيرة المسرح السوداني، ويستحق أن يحظى بمزيد من التوثيق والدراسة، ليس فقط باعتباره إنجازاً شخصياً، بل بوصفه جزءاً من تاريخ الحضور الثقافي السوداني في المحافل الدولية.
كما يسلط هذا الفوز الضوء على الدور الذي يمكن أن يؤديه المسرحيون والمبدعون السودانيون في تقديم صورة غنية عن ثقافتهم، وتعريف العالم بتراثهم، وإبراز مساهماتهم في القضايا الإنسانية الكبرى.
إن الاحتفاء بهذا الإنجاز ينبغي ألا يتوقف عند استعادة لحظة الفوز، بل يجب أن يمتد إلى دراسة التجربة التي قادت إليه، والتعريف بمشروعاتها، وحفظ وثائقها وصورها وشهاداتها، وإتاحتها للأجيال الجديدة من الفنانين والباحثين.
فالتاريخ الثقافي لا يُكتب بالجوائز وحدها، وإنما بما يبقى من التجارب، وما يُحفظ من الذاكرة، وما يُنقل من المعرفة إلى الأجيال القادمة. ومن هنا، فإن توثيق جائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو التي نالها علي مهدي يمثل جزءاً من توثيق مسيرة المسرح السوداني وإسهاماته في الثقافة العربية والإنسانية.
علي مهدي نوري… حين يصبح الفن مسؤولية
إن قيمة الفنان لا تُقاس بما يقدمه على الخشبة وحدها، بل بما يتركه من أثر خارجها، وبقدرته على تحويل الموهبة إلى مسؤولية، والإبداع إلى مبادرة، والثقافة إلى فعل يلامس حياة الناس.
ومن هنا، فإن جائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو ليست مجرد محطة في سيرة علي مهدي نوري، بل مناسبة للتأمل في علاقة الفن بالمجتمع، وفي مسؤولية المثقف تجاه قضايا عصره، وفي قدرة المسرح على أن يكون صوتاً للإنسان حين تضيق مساحات التعبير.
لقد قدّمت تجربته نموذجاً للفنان الذي ينطلق من هويته المحلية ليخاطب العالم، ويستمد من تراثه جذوره، ومن معاناة مجتمعه أسئلته، ومن إيمانه بالإنسان رسالته. وهي تجربة تؤكد أن الفن، حين يقترن بالوعي والمسؤولية، يستطيع أن يتجاوز حدود الترفيه ليصبح جزءاً من الجهد الإنساني الرامي إلى نشر السلام وتعزيز التفاهم.
إن فوز الأستاذ علي مهدي نوري بجائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو لعام 2010 يظل صفحةً مضيئة في مسيرة المسرح السوداني، وشهادةً على أن الإبداع الحقيقي لا يعرف الحدود، وأن المسرح يستطيع أن يحمل رسالة وطن إلى العالم، وأن يمنح الإنسان مساحةً للأمل حين تحاصره الأزمات.
فحين يصبح الفن لغةً للسلام، لا تعود الخشبة مجرد مساحة للتمثيل، بل تتحول إلى جسر يعبر عليه الإنسان نحو الآخر، وإلى نافذة يرى من خلالها العالم أكثر اتساعاً، وأكثر قدرةً على احتضان الاختلاف وصناعة المستقبل.
جائزة الشارقة للثقافة العربية – اليونسكو ليست مجرد عنوان للتكريم، بل تذكيرٌ بأن الثقافة مسؤولية، وأن المسرح قادر على أن يكون صوتاً للسلام، وأن التجارب التي تنحاز إلى الإنسان تستحق أن تُحفظ في الذاكرة الثقافية للأوطان.
المخرج / مهدي نوري _ دبي
11 أكتوبر 2026





