تقارير

غابات لا مؤتمرات… من يحمي أشجار السودان من مهرجانات الكلام؟

 

 

الخرطوم :  عوض صديق

نداء عاجل لمراجعة الإنفاق البيئي، ومحاسبة المشروعات المتعثرة، ونقل حماية الغابات من القاعات المكيفة إلى الميدان

في الوقت الذي تتراجع فيه الغابات السودانية تحت ضغط القطع الجائر وإنتاج الفحم والتوسع الزراعي والنزوح وتفاقم الاحتياجات المعيشية، يطرح نداء بيئي غاضب سؤالاً يستحق إجابة واضحة من الجهات المسؤولة والمنظمات العاملة في القطاع: كم شجرة أُنقذت فعلياً مقابل الأموال التي أُنفقت على الورش والمؤتمرات؟

النداء، الذي يخاطب المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية ومنظمات الأمم المتحدة والمنظمات البيئية الوطنية والدولية، يتهم بعض برامج حماية البيئة بالانشغال بالاجتماعات والتقارير، بينما تتفاقم الأزمات على الأرض. ويطالب بتجميد ميزانيات الورش والمؤتمرات لمدة ستة أشهر، وتحويلها إلى تدخلات ميدانية مباشرة، مع إخضاع الإنفاق والنتائج لرقابة مستقلة.

340 ورشة ومؤتمر… أين النتائج؟

بحسب الأرقام الواردة في النداء، نُظمت أكثر من 340 ورشة عمل ومؤتمراً وجلسة تشاورية خلال الفترة من يناير 2024 إلى أكتوبر 2026، بمتوسط تكلفة يتراوح بين 4 آلاف و12 ألف دولار للفعالية الواحدة، وبإنفاق إجمالي قُدّر بنحو 2.5 مليون دولار.

هذه الأرقام، التي تحتاج إلى مراجعة مستقلة عبر سجلات الجهات المنظمة وميزانياتها وتقاريرها المالية، تفتح باباً ضرورياً للمساءلة. فحتى إذا افترضنا صحة العدد والتكلفة الإجمالية، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد الاجتماعات، وإنما بما حققته من نتائج قابلة للقياس.

كم هكتاراً أُعيد تأهيله؟ وكم شتلة زُرعت واستمرت في النمو؟ وكم حارس غابة جرى تعيينه وتوفير راتب منتظم له؟ وما حجم الموارد التي وصلت إلى المجتمعات المحيطة بالغابات؟

إنفاق 2.5 مليون دولار، وفق تقدير النداء، لا يثبت وحده وجود هدر أو فساد، لكنه يفرض ضرورة نشر تفاصيل الإنفاق وربط كل مشروع بمؤشرات أداء معلنة. فالمال المخصص لحماية البيئة يجب أن تظهر آثاره في الغابات، لا في الملفات وحدها.

غابات تتراجع… وأزمة تتجاوز الأشجار

يستند النداء إلى أمثلة صادمة، أبرزها غابة السنط في الخرطوم، التي يقول إن مساحتها تقلصت من 8400 فدان عام 2010 إلى أقل من 1500 فدان حالياً، وغابة الفيل في القضارف، التي يقدّر فقدانها بنحو 65 في المئة من غطائها النباتي. كما يشير إلى ضغوط متزايدة على محمية الدندر، ويضع غابات الردوم وأبو حراز وسوبا وكرري وود شلعي والقلابات ضمن المناطق التي تستدعي تدخلاً عاجلاً.

هذه الأرقام والتفاصيل المحلية تحتاج إلى التحقق من خلال الخرائط وصور الأقمار الاصطناعية وسجلات الهيئة القومية للغابات وإدارات المحميات. غير أن خطورة التحدي البيئي في السودان ليست مجرد ادعاء.

فوفق تقرير قطاع الأراضي والغطاء النباتي الذي أعدته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، انخفضت نسبة الأراضي المصنفة غابات في السودان من 11.62 في المئة عام 2003 إلى 9.97 في المئة عام 2012، وفق التصنيفات والبيانات المستخدمة في التقرير. كما أشار إلى أن التوسع الزراعي وقطع الأشجار للحصول على الوقود من أبرز أسباب إزالة الغطاء الغابي في مناطق السافانا.

المصدر: تقرير الغطاء الأرضي في السودان، منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

وتزداد المسألة تعقيداً بفعل الحرب والنزوح وتدهور مصادر الدخل. ففي 28 فبراير 2025، أعلنت الأمم المتحدة للبيئة والاتحاد الأوروبي مبادرة لدعم الأمن الغذائي وسبل العيش المستدامة حول محمية الدندر، مشيرة إلى أن الحرب أدت إلى نزوح أكثر من تسعة ملايين شخص، بينهم 1.45 مليون في المناطق المحيطة بالمحمية، بما يزيد الضغط على الموارد الطبيعية ويعمق التنافس عليها.

المصدر: برنامج الأمم المتحدة للبيئة، مبادرة دعم المجتمعات حول محمية الدندر.

لا تطلبوا من الجائع أن يحمي الشجرة وحدها

أكثر ما يلفت الانتباه في النداء أنه يضع المشكلة في سياقها الاجتماعي والاقتصادي، لا البيئي وحده.

فالمرأة التي تقطع الحطب لتوفير وقود الطهي لأسرتها لا يكفي أن تُدعى إلى ورشة عن حماية الأشجار. والراعي الذي يفقد المراعي ويبحث عن العلف لماشيته لا تحل أزمته محاضرة عن أهمية الغطاء النباتي. والمجتمع المحلي الذي يتحمل تبعات التدهور البيئي لن يصبح شريكاً حقيقياً إذا اقتصر دوره على الحضور والتصفيق.

المطلوب هو توفير بدائل عملية، تشمل مواقد الطهي المحسنة، ووقوداً ميسور التكلفة، وأعلافاً مستدامة، ومشروعات لإنتاج الفحم المضغوط من المخلفات، وفرصاً اقتصادية تقلل الاعتماد على الموارد الطبيعية المتدهورة.

وهذا التوجه يتفق مع المبادرات الأممية المعلنة للسودان، التي تربط حماية النظم البيئية بتحسين الأمن الغذائي وسبل العيش وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات.

خمسة مطالب لا تحتمل التأجيل

يطرح النداء خمسة مطالب رئيسية تستحق النقاش والتنفيذ وفق خطة معلنة:

أولاً: مراجعة الإنفاق على الورش والمؤتمرات. نشر بيانات الإنفاق خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وتجميد الفعاليات غير الضرورية مؤقتاً، وتحويل الموارد المتاحة إلى أعمال ميدانية ذات أولوية.

ثانياً: ربط التمويل بالنتائج. إلزام المشروعات بتقديم تقارير شهرية موثقة تتضمن المواقع الجغرافية، وصوراً مؤرخة، وبيانات عن المساحات المستهدفة والمنفذة، ونسب بقاء الشتلات، والمصروفات الفعلية، مع التحقق المستقل من النتائج.

ثالثاً: توفير الحماية للعاملين في الميدان. يدعو النداء إلى تعيين 200 حارس غابة من أبناء المناطق المعنية، بعقود ورواتب ثابتة لا تقل عن 150 دولاراً شهرياً. ويقتضي ذلك دراسة الاحتياجات الفعلية، وتحديد مصدر التمويل، وضمان السلامة والتدريب والإمدادات الضرورية للحراس.

رابعاً: تقديم البدائل للمجتمعات المحلية. لا يمكن تقليل قطع الأشجار بصورة مستدامة دون معالجة دوافعه المعيشية، وتوفير بدائل للطاقة والعلف والدخل، وإشراك النساء والرعاة في تصميم المشروعات وتقييمها.

خامساً: منح الميدانيين سلطة حقيقية. يطالب النداء بتخصيص 50 في المئة من مقاعد المجالس البيئية لحراس الغابات والرعاة والنساء جامعات الحطب. ويمكن اعتماد تمثيل ملزم للمجتمعات المحلية والعاملين في الميدان، مع تحديد صلاحياتهم وآليات مساءلة الجهات المنفذة.

المساءلة لا تعني إلغاء العمل البيئي

من الضروري التمييز بين نقد البيروقراطية وإدانة جميع الورش والمؤتمرات. فالتخطيط العلمي والتنسيق وتبادل الخبرات أدوات ضرورية لحماية البيئة، لكنها تفقد قيمتها حين تنفصل عن التنفيذ، أو حين لا يستطيع الجمهور معرفة ما تحقق مقابل ما أُنفق.

كما أن وجود ميزانية كبيرة لا يثبت بذاته سوء الإدارة، مثلما أن تنظيم فعالية منخفضة التكلفة لا يضمن نجاح مشروع بيئي. المعيار الحقيقي هو الأثر: هل حُميت الغابة؟ هل تحسنت سبل عيش السكان؟ هل انخفض القطع الجائر؟ وهل أصبحت المحمية أكثر قدرة على حماية الحياة البرية؟

ومن هنا تبرز أهمية نشر خط أساس واضح لكل مشروع، ثم مقارنة نتائجه دورياً بأهدافه، وإتاحة بيانات التمويل والتنفيذ للجمهور والجهات الرقابية.

الغابة لا تنتظر المؤتمر القادم

لا تحتاج الغابات السودانية إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى حراس يتقاضون رواتبهم، ومجتمعات تجد بدائل للوقود والعلف، ومحميات تتوافر لها الإمكانات، ومشروعات يمكن التحقق من نتائجها.

إن الرسالة الأهم في هذا النداء ليست أن المؤتمرات عديمة الجدوى، بل أن حماية البيئة لا يجوز أن تتحول إلى نشاط إداري منفصل عن الواقع الذي أُنشئت من أجله.

غابة السنط لا تستفيد من تقرير لا يوقف تدهورها، ومحمية الدندر لا تحتمي ببيان صحفي، والشتلة التي لا تجد ماءً ورعاية لن تنقذها صورة تذكارية من حفل تدشين.

المطلوب واضح: أظهروا الأموال، وانشروا النتائج، وادعموا العاملين في الميدان. غابات السودان تحتاج إلى حماية حقيقية، لا إلى موسم جديد من المؤتمرات.

زر الذهاب إلى الأعلى