فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب.. التكييف الدستوري والقانوني لإنهاء خدمة عدد من ضباط الشرطة بقرارات من رئيس مجلس السيادة للعام 2025م (4)

(مسئوليات القضاء الاداري الدستوري والقضاء العادي)
———————————
سلسلة حلقات هذه المقالة تمثل امتداداً تحليلياً دقيقاً لقرارات رئيس مجلس السيادة الانتقالي الصادرة عام 2025م والقاضية بإنهاء خدمة عدد من ضباط الشرطة وإحالتهم إلى المعاش. وتنطلق المقالات من تأكيد حقيقة أن سلامة التصرفات الإدارية للسلطات العليا ليست ترفاً شكلياً، بل هي الركيزة الحامية للحقوق الدستورية للأفراد – وفي مقدمتها الحق في العمل وشغل الوظيفة العامة – من عيوب البطلان أو الانعدام.
وإلى جانب ذلك، تُبين المقالات أن الاختصاص الإداري ليس امتيازاً سياسياً أو ملاءمة تقديرية مستمدة من علو المنصب، بل هو ولاية قانونية مقيدة ومحدودة النطاق، بما يحمي مبدأ الفصل بين السلطات وسيادة حكم القانون. وفي هذا السياق، تكتسي خطورة عيب عدم الاختصاص أبعاداً بالغة الجسامة، إذ لا يتوقف أثره عند حدود البطلان النسبي الموجب للإلغاء فحسب، بل قد ينحدر بالقرار إلى مرتبة الانعدام المطلق الذي تسقط معه مواعيد الطعن الإداري وتبقى الإحالات الشكلية عاجزة عن تصحيحه.
وبناءً على هذا التأصيل، توضح سلسلة حلقات المقالات أن حشد المراجع الدستورية والإحالات الإجرائية – كالمادة (16) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، أو المادة (18/ 1) من لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة لسنة 2019م، أو التوصيات الوزارية المستندة إلى قانون شرطة السودان لسنة 2008م المعدل 2017م – لا يكفي لخلق اختصاص موضوعي لم يقرره التشريع أصلاً. فقواعد التفسير واللوائح الإجرائية هي أدوات لتنظيم سير العمل وإيضاح النصوص القائمة، وليست مصدراً لإنشاء ولايات جديدة أو نقلها بين السلطات. علاوة على ذلك، فإن أيلولة السلطات التنفيذية لرئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس الوزراء بموجب المادة (74) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م والملغية تشريعاً لسنة 2025م تعني أن انتقال تلك الصلاحيات إلى رئيس مجلس السيادة يتطلب سنداً دستورياً وتعديلاً تشريعياً صريحاً وسليم الإجراءات، ولا يُقبل افتراضه بطريق الاستنتاج الضمني.
وامتداداً لهذا الطرح الموضوعي، تطرح سلسلة المقالات تساؤلاً سياسياً ودستورياً أعمق يتصل بمسؤولية المشرّع والصائغ الدستوري المتمثل في (عقل الدولة) – المجسَّد في وزارة العدل ومستشاريها القانونيين – عن ضمان اتساق التشريعات والقرارات الإدارية مع الأحكام الدستورية العليا. واستناداً لأحكام المادتين (4)، (5) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م – في تفسيركلمة قانون والطبعة المعتمدة المنشورة في الجريدة الرسمية – مقروءةً مع المادة (4) من قانون الطبعة المراجعة للقوانين السودانية لسنة 1974م – التي تحظر صراحةً إحداث أي تغيير في المسائل الموضوعية ببيانها أنه: (لا يُفسَّر أي نص في قانون المراجعة والطبعة على أنه يخول لوزير العدل السلطة في إجراء أي تعديل أو تغيير في محتوى أو مادة أي قانون دون موافقة الجهاز التشريعي) – تحذر المقالات من أن الغموض التشريعي واضطراب توزيع الاختصاص يعصفان باستقرار المراكز القانونية للأفراد، مؤكدةً أن مراجعة النصوص وتنقيحها الشكلي لا يجوز بأي حال اتخاذهما ستاراً لإحداث تعديلات موضوعية أو نقلٍ للولايات القانونية بغير إجازةٍ صريحة من السلطة التشريعية المختصة.
وفي ذات السياق المتصل بشروط النفاذ المشروع، تؤكد المقالات استناداً للمادة (9) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م أن النص الدستوري أو التعديل لا يُعد نافذاً ومحتجاً به إلا بعد استيفاء النشر الرسمي في الجريدة الرسمية (الغازيتا)، فتاريخ التوقيع لا يغني عن شروط النفاذ المعتبرة لحظة إصدار القرار. ومن ثم، فإن افتقار تعديلات 2025م لنص صريح ينقل اختصاص إنهاء خدمة ضباط الشرطة لرئيس مجلس السيادة، أو تخلف شروط نفاذها التاريخية والإجرائية، يجعل القرارات فاقدة لركنها الدستوري والقانوني السليم.
وتؤكد سلسلة حلقات المقالات أن إخضاع قرارات 2025م للرقابة القضائية والتثبت من سندها التاريخي والإجرائي لا يمثل تقليلاً من مكانة المؤسسات السيادية، بل يجسد التطبيق العملي لمبدأي سيادة القانون وسمو الدستور. فالكفاءة المؤسسية تقاس بقدرة الدولة على إنتاج قواعد مشروعية استباقية تمنع النزاع قبل وقوعه، وتضمن إخضاع السلطة للقانون وليست إخضاع القانون لإرادة السلطة.
وإزاء ما طرحته سلسلة المقالات من تحليلات موضوعية وشكلية لقرارات عام 2025م – سواء من حيث الصياغة الإدارية والدستورية أو من حيث أحكام القانون الموضوعي الناظم للاختصاص – تواترت التعقيبات والمداخلات التي تساءلت عن السُّبُل القانونية لمعالجة الأوضاع الوظيفية للضباط المتأثرين بإنهاء خدماتهم. وتتمحور هذه التساؤلات حول التكييف الدستوري والقانوني السليم لهذه القرارات: هل تقتصر عيوبها على البطلان النسبي القابل للإلغاء ضمن المواعيد المقررة، أم ترتقي إلى درجة البطلان المطلق والانعدام الذي لا تقيده المواعيد؟ وتنبثق هذه الإشكالية من زاوية مسؤولية الأجهزة التشريعية والفنية بالدولة (وعلى رأسها وزارة العدل) عن إصدار قرارات وتشريعات مشوبة بعيب عدم الاختصاص وسوء الصياغة، بما يهدد استقرار المراكز القانونية للأفراد ويخل بمبدأ سيادة القانون.
(أولاً) تأصيل قانوني ومعالجة مؤسسية لقرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لسنة 2025م:
——————————–
يشكّل موضوع قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لسنة 2025م مدخلاً حيوياً لفهم العلاقة الجدلية بين سلطة الإدارة ومبدأ المشروعية، وبين مقتضيات الإصلاح المؤسسي وضمانات العدالة الناجزة. فالقرار الإداري القاضي بإنهاء الخدمة لا يُعد مجرد إجراء إجرائي أو تقني عابر، بل هو تصرف قانوني مباشر يمس الحقوق الفردية المستقرة ويؤثر في البناء الهيكلي للمؤسسة الشرطية.
وهو ما يستوجب التناول المتكامل عبر ثلاثة أبعاد رئيسية: (الأول) التأصيل القانوني: بوضع القرار في إطاره التشريعي والدستوري الصحيح، وضمان اتساقه المطلق مع مبدأ سيادة القانون. (الثاني) المعالجة المؤسسية: بالنظر إلى القرار بوصفه جزءاً من سياسة هيكلية شاملة، تتطلب إعمال أعلى درجات الشفافية والموضوعية. (الثالث) الرقابة القضائية: بإخضاع القرار لفحص القضاء الإداري والدستوري، صوناً للحقوق من التعسف والانحراف.
ومجموع هذه الأبعاد يطرح التحدي المحوري حول كيفية بناء إطار قانوني ومؤسسي متوازن، يحقق أهداف الإصلاح من جهة، ويحفظ المراكز القانونية والحقوق المكفولة دستورياً من جهة أخرى.
1. الإشكالية الدستورية وضرورة التأسيس الشامل للمشروعية:
———————————-
إزاء التساؤلات والمداخلات المتواترة حول الأطر والمسارات الكفيلة بمعالجة الأوضاع الوظيفية لضباط الشرطة المتأثرين بقرارات عام 2025م وما يماثلها من قرارات إحالة للتقاعد، تفرض القرارات الإدارية الصادرة عن رئيس مجلس السيادة الانتقالي إشكاليةً قانونيةً ودستوريةً بالغة الأهمية تتجاوز في أبعادها حدود المنازعات الفردية؛ لتصل إلى صلب البناء القانوني للدولة وركائز الحكم الرشيد. ولا تنطلق المقاربة القانونية لهذه القرارات من دوافع إثارة الرفض الشكلي للإجراءات، بقدر ما تهدف إلى التأسيس والتنبيه لضرورة إحكام صياغة القرارات الإدارية وصيانة الحقوق المكفولة دستورياً—وفي مقدمتها الحق في العمل وتقلد الوظيفة العامة—مما يستوجب لزاماً بناء التصرفات الإدارية الصادرة عن السلطات العليا على أركان مشروعية متكاملة تصونها من الانزلاق إلى عيوب البطلان أو الانعدام.
2. التكييف المفاهيمي لأنواع البطلان والآثار القانونية المترتبة عليها:
——————————–
امتداداً لهذا التأصيل الذي يبحث عن الحلول في أصل مشروعية التصرف، يُثار التساؤل المحوري حول التكييف السليم لعيب عدم الاختصاص الذي شاب هذه القرارات: هل يقتصر هذا العيب على البطلان النسبي (القابلية للإلغاء / Voidable Administrative Act / Voidability) المقيد بمواعيد إجرائية صارمة، أم يرتقي لجسامة تنحدر به إلى مرتبة البطلان المطلق والانعدام (Nullity / Absolute Invalidity) الذي لا تقيده المواعيد؟ وتقتضي الإجابة الدقيقة عن هذا التساؤل التمييز المنهجي بين صورتين رئيسيتين للبطلان في أحكام القضاء الإداري والقانون الدستوري:
(1) البطلان النسبي (القابلية للإلغاء):
——————————–
ينشأ عندما يشوب التصرف الإداري عيبٌ غير جسيم يمس أحد أركانه غير الجوهرية – كشائبةٍ شكليةٍ إجرائية، أو عيبٍ في السبب، أو عدم الملاءمة الإدارية – دون أن يصل العيب إلى درجة تجريد القرار من وجوده القانوني. ويظل القرار في هذه الحالة قائماً ومُنتجاً لآثاره ومحمياً بقرينة المشروعية، وتكون دعوى الطعن فيه محكومةً ومقيدةً بمواعيد وإجراءات الطعن الإداري الإجرائية الصارمة التي يتحصن القرار بفواتها.
(2) الانعدام والبطلان المطلق:
——————————–
يتجسد في العيوب الشديدة الجسامة التي تنزع عن القرار الإداري أو التشريع الفرعي مقومات وجوده القانوني وأركانه الجوهرية، وعلى رأسها صدور التصرف عن جهة تفتقر تماماً للولاية والاختصاص (وهو ما يُعرف بغصب السلطة)، أو صدوره دون استنادٍ إلى سندٍ دستوري أو تشريعي نافذ ومُعلن عنه رسمياً في الجريدة الرسمية (الغازيتا). ويُعامل القرار المنعدم كأن لم يكن (Ex tunc)، إذ لا يعدو كونه مجرد عقبةٍ ماديةٍ لا تُنشئ أي مراكز قانونية، ولا تلحقه الحصانة بفوات المواعيد الإجرائية؛ إذ يحق للقضاء والجهة الإدارية التراجع عنه وسحبه وإلغاء كافة آثاره في أي وقت دون التقيد بمواعيد الطعن الإداري.
3. حدود ديباجة القرارات 2025م وعجز قواعد التفسير عن إنشاء الاختصاص الموضوعي:
———————————-
في ضوء هذا التمييز المفاهيمي، يتجلى قصر الديباجة لقرارات 2025م عن منح الولاية القانونية لرئيس مجلس السيادة (جهة إصدار القرارات)؛ إذ إن حشد الإحالات إلى الوثيقة الدستورية لسنة 2019م المعدلة لعام 2025م، أو المادة (16) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، أو المادة (18/1) من لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة لسنة 2019م، إضافةً إلى التوصيات الصادرة عن وزارة الداخلية، لا يكفي لإيجاد اختصاص موضوعي لم يقرره التشريع أصلاً. فقواعد التفسير واللوائح الإجرائية هي أدوات لتوضيح النصوص القائمة وتنظيم سير العمل الداخلي، وليست مصدراً منشئاً لسلطة إنهاء خدمة ضباط الشرطة التي يُسندها قانون شرطة السودان لسنة 2008م المعدل 2017م صراحةً لرئيس الجمهورية، والتي آلت بموجب المادة (74) من الوثيقة الدستورية لسنة 2019م لرئيس مجلس الوزراء. ومن ثم، فإن القول بنقل هذه السلطة لرئيس مجلس السيادة يقتضي وجود أصل دستوري وتعديل تشريعي نافذ ومُعلن عنه رسمياً في الجريدة الرسمية (الغازيتا)، ولا يجوز افتراضه بالتفسير المبتسر أو الاستنتاج الضمني.
4. المساءلة المؤسسية وقيود الصياغة التشريعية لعقل الدولة:
———————————
استناداً إلى هذه الاختلالات الهيكلية، تبرز المساءلة المؤسسية للجهة المنوط بها صياغة التشريعات وضبط جودتها، والمتمثلة في (عقل الدولة) المتمثل في وزارة العدل ومستشاروها القانونيون. فاختلال الصياغة القانونية والتعارض بين التواريخ المعلنة للتعديلات وتواريخ توقيعها ونشرها في الجريدة الرسمية يعكس تراجعاً في كفاءة الصياغة الدستورية والقانونية؛ حيث تتكامل أحكام المادتين (4) ، (5) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م مع المادة (4) من قانون الطبعة المراجعة للقوانين السودانية لسنة 1974م التي تحظر صراحةً إحداث أي تغيير في المسائل الموضوعية ببيانها أنه: (لا يُفسَّر أي نص في قانون المراجعة والطبعة على أنه يخول لوزير العدل السلطة في إجراء أي تعديل أو تغيير في محتوى أو مادة أي قانون دون موافقة الجهاز التشريعي)، مما يؤكد أن مراجعة النصوص وتنقيحها الشكلي لا يجوز اتخاذهما ستاراً لإحداث تعديلات موضوعية أو نقلٍ للولايات القانونية دون إجازة تشريعية صريحة.
5. المسارات القضائية والمؤسسية للمعالجة:
———————————
على ضوء هذا التكييف، تتشكل ملامح المعالجة الناجعة للأوضاع الوظيفية لضباط الشرطة المتأثرين عبر مسارين متكاملين:
(1) المسار القضائي:
———————————-
عبر الولوج إلى القضاء الإداري والدستوري بدعاوى الطعن بالانعدام والبطلان المطلق، استناداً إلى تجرد القرارات من السند الدستوري والقانوني النافذ وقت إصدارها، وهو ما يتيح الطعن دون التقيد بمواعيد الطعن الإداري الإجرائية. ويترتب على الحكم القضائي بالانعدام إلغاء القرارات بأثر رجعي، وإعادة الأوضاع المالية والوظيفية للضباط المتأثرين إلى ما كانت عليه قبل صدور القرارات المنعدمة (إعادة الحال إلى ما كان عليه).
(2) المسار الإداري والمؤسسي:
———————————
عبر اضطلاع وزارة العدل بأداء دورها الفني في تصحيح الأخطاء التشريعية، من خلال سحب القرارات المشوبة بعيب الانعدام إدارياً في أي وقت دون انتظار الأحكام القضائية، وإصدار قواعد أو تسويات تشريعية واستدراكية تعالج الاختلالات وتصون المراكز القانونية المكتسبة.
6. المسؤولية الدستورية للقضاء في التصدي للانعدام التشريعي وتصحيح المسارات:
———————————-
تتجلى الوظيفة القضائية في الدولة الحديثة بوصفها الركيزة الحامية للشرعية الدستورية، والملاذ الأخير لرد المظالم، وإنصاف المتأثرين من تجاوزات السلطة الإدارية والتشريعية. وتكتسب هذه المسؤولية أبعاداً سياسية ودستورية مضاعفة عندما تتصدى السلطة القضائية للقرارات الإدارية والتشريعات الفرعية المشوبة بالبطلان المطلق والعيب الجسيم (الانعدام)؛ إذ يتعدى دور القضاء في هذه الحالات حدود الفصل التقليدي في النزاعات الفردية، ليمارس دوراً تصحيحياً كاشفاً للبطلان ومكملاً للبناء التشريعي استكمالاً لرسالة العدالة.
فعندما يصدر قرارٌ إداريٌ مستنداً إلى عيبٍ تشريعيٍ مطلق – كغصب السلطة، أو صدوره عن جهة تفتقر أصلاً إلى الولاية والاختصاص، أو الاعتماد على سندٍ دستوريٍ لم يستوفِ مقومات وجوده ونفاذه الرسمي – فإن هذا التصرف يتجرد من صفته القانونية ويهبط إلى مرتبة التصرف المادي المنعدم أثراً والمجرد من الحصانة الإجرائية والقضائية (Ex tunc). وفي هذا السياق، يلزم ثبوت عيب الانعدام وانحراف التشريع القضاءَ الإداري والدستوري بقبول الدعاوى المرفوعة والفصل في موضوعها دون التقيد بالمواعيد والقيود الزمنية المقررة لدعاوى الإلغاء العادية؛ إذ إن القرار المنعدم لا تلحقه الحصانة بفوات المواعيد الإجرائية، وما بُني على انعدام فهو منعدم أثراً وتاريخاً.
وبناءً على هذا التأصيل، ينعقد للقضاء اختصاصٌ أصيل لا يقتصر على إلغاء التصرف المنعدم أو التقرير ببطلانه فحسب، بل يمتد لرد مظالم ضباط الشرطة والأفراد المتأثرين عبر إقرار أحكام قضائية مُكملة تُعيد بناء المراكز القانونية وتصحيح المسارات الإدارية التي اختلت بفعل القرار الباطل. وتأسيسًا على مبدأ (العدالة التناظرية والإنصاف)، تتأكد حتمية اجتهاد القضاء في إلزام الإدارة بآثار أحكامه المباشرة، من خلال سحب كافة الآثار المالية والوظيفية للقرارات المنعدمة بأثر رجعي، وإعادة الأوضاع الوظيفية للمتضررين إلى النصاب الذي كانت عليه قبل صدور الانحراف التشريعي (إعادة الحال إلى ما كان عليه).
وفي هذا السياق، يُمثّل مفهوم العدالة التناظرية (Analogous Justice) إحدى الركائز الجوهرية في الفكر الدستوري والقانوني المعاصر؛ إذ يُعرَّف بوصفه المبدأ القاضي بوجوب تطبيق المعايير والأحكام والنتائج القانونية ذاتها على الحالات والنزاعات المتماثلة في ظروفها وأسبابها؛ صيانةً لمبدأ المساواة أمام القانون، ومنعاً لانسحاب التعسف أو التمييز على المراكز القانونية المتطابقة.
وامتداداً لهذا التحديد المفاهيمي، تتجلى التطبيقات العملية لهذا المبدأ في ساحة القضاء الإداري والدستوري من خلال إعمال المنطق القياسي (Analogical Reasoning)؛ حيث لا يقتصر دور القضاء عند ثبوت بطلان تصرف إداري أو انعدام سند تشريعي على الفصل في حدود الخصومة الفردية فحسب، بل يمتد لفرض قواعد الإنصاف والتماثل في الآثار، بفرض إعادة جميع المتأثرين بالقرار المنعدم إلى الوضع الوظيفي والمالي الذي كانوا عليه قبل صدور الانحراف التشريعي (إعادة الحال إلى ما كان عليه).
وبناءً على هذا الترابط الوثيق بين النص والواقع، ترتكز العدالة التناظرية على حماية مبدأ استقرار المراكز القانونية ومنع التناقض الإداري؛ إذ تُوجب على السلطات القضائية والتنفيذية سحب الآثار الباطلة بأثر رجعي (Ex tunc) وبشكل شامل، متجاوزةً القيود الشكيلية والإجرائية، لضمان استعادة الثقة في سيادة القانون وتأكيد أن الحقوق المتماثلة تستوجب حتماً حمايةً قضائيةً متكافئةً دون تجزئة أو تفريق.
إن هذا الدور الجسور للقضاء لا يُعد تدخلاً في أعمال السلطة التنفيذية، بل هو المظهر العملي والتطبيقي لمبدأ فصل السلطات وتكاملها وسيادة حكم القانون فوق إرادة السلطة؛ بما يضمن صيانة الحقوق الدستورية الأصيلة، ويحمي الوظيفة العامة من الاضطراب التشريعي، ويكفل استعادة الثقة في أجهزة الدولة وعقلها القانوني.
وبناء على ما تقدم، إن إخضاع قرارات إنهاء خدمة ضباط الشرطة لعام 2025م للرقابة القضائية والمراجعة المؤسسية الشاملة لا يمثل تقليلاً من مكانة مؤسسة سيادية أو تدخلاً في سلطة الإدارة التقديرية، بل يجسد التطبيق العملي لمبدأي سيادة القانون وسمو الدستور، تأكيداً على أن كفاءة مؤسسات الدولة تقاس بقدرتها على إخضاع السلطة للقانون، لا إخضاع القانون لإرادة السلطة. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
15 اكتوبر 2026م


