الفكر والطلاق بين دوبونو والامام وفن صناعة الاحكام (أهل السودان لاهل السودان هو صمام الامان) بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر
التاريخ : 18 اكتوبر 2026
الفكر ليس معلومة محفوظة وانما هو كما يقول فوكو حركية الافكار ان الفكر لا يكون جامدا :
– فإذا كانت الأفكار جامدة فلا يوجد فكر
– والمجتمع الذي لا تتحرك أفكاره، يطلق بعضه بعضا طلاق بينونه كبري او طلاق بالثلاثة..
وهنا ندخل إلى أخطر تجلٍ للفكر في حياتنا لانهاء الوفاق بالطلاق وهنا يبرز السؤال
– لماذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الطلاق بأنه “أبغض الحلال”؟
والاجابة هى لأنه التقاء نقيضين في لحظة واحدة فهو
– فقهيا حلال عند استحالة الوفاق
– وجدانيا فهو بغيض لايحب
فالطلاق ليس فشلاً قانونياً فقط، بل هو فشل فكري. هو لحظة
– تعلن فيها منظومة الأفكار إفلاسها.
– توقفت حركية الأفكار بين الطرفين فتوقفت حركية القلوب.
وهنا يأتي السؤال لماذا تتوقف الأفكار؟
وتاتى الإجابة لأن الفكر المتوازن مرتبط بحالتين لا ثالث لهما:
*1. الحالة العقلية:
– أنا أفكر أن هذا الشخص يشبهني، قريب مني، منتمٍ إليّ.
*2. الحالة الوجدانية:
– أنا أشعر أنني أنتمي إليه.
فإذا اختل الانتماء العقلي والوجداني، انقطعت حركية الأفكار، ومات الاتصال، وجاء الطلاق.
فكل خصام سياسي في أصله هو مشروع طلاق فكري يجب صبطه ومن هنا نحمد الى الفلسفة انها وضعت لنا قاعدة كونية تقول
– ان شبيه الشيء منجذب إليه
وهي قاعدة الانتماء التي جعلت الشاعر إيليا أبو ماضي يقف أمام البحر ويسأل سؤاله الخالد:
> هل أنا يا بحر منك؟
> هل تبسمت أمواجك من بركان حزني؟
إيليا لم يكن يسأل عن البحر، كان يسأل عن الانتماء.
– هل أنا جزء من هذا الكون أم غريب عنه؟
ان كل فكر سياسي ناجح هو محاولة للإجابة على سؤال إيليا حول الانتماء كالية وهوية فإذا شعر المواطن أنه
– من الدولة، انجذب إليها.
– غريب عنها، انفصل عنها، حتى لو كان يسكن في وسطها.
الانفصال لا يبدأ بالسلاح بل يبدأ بسؤال الانتماء:
– أنا لست منكم.
هذه الحالة الوجدانية لها مسوغات عقلية موصوعية يجبها علم ميكانيكا الأفكار باستخدام العقل ( أكثر الاشياء قسمة بين الناس ) لعلم الحيل باليات حل المشكلات
أولا حل المشكلات بعكس السؤال التى يعرفها كل الناس بفطرتهم.
يحكى أن رجلاً له زوجة عنيدة، إذا طلب منها عصيراً بارداً، جاءت له بالشاي الساخن عناداً.
فماذا فعل؟ لم يطلقها. بل تعلم *حيلة عكس السؤال*.
صار إذا أراد عصيراً، يطلب شاياً. فتأتيه بالعصير
هذه حيلة بسيطة، لكنها قمة الفكر السياسي الواقعي.
هو لم يغير زوجته، بل غير صيغة سؤاله.
كثير من ساستنا يطلبون العصير بصيغة الأمر فيأتيهم الشاي، ثم يلعنون الشعب ولا يفكرون في عكس السؤال وهنا تصدق المقولة فى الليلة الظلماء يفتقد البدر ليظهر دور العلماء زى وزينة
ثانيا دور الأمام وحل الخصام بتغيير الزمان :
روي أن رجلاً جاء إلى الإمام أبي حنيفة
وقال: حلفت على زوجتي وكانت غاضبة بالطلاق ثلاثا فقلت لها: “أنت طالق إن لم تكلميني حتى يؤذن المؤذن”. وهي الآن صامتة عناداً، والطلاق سيقع عند الأذان.
لو طبقنا الفكر العمودي القانوني، لقلنا:
– انتظر الأذان ويقع الطلاق.
لكن أبا حنيفة استخدم *الفكر الخلاق*. لم يناقش الزوجة، ولم يعاتب الرجل. بل نادى على أحد معاونيه وقال له: “أذّن الآن”.
أذن المؤذن قبل وقت الأذان . فلما سمعت المرأة الأذان، تكلمت. فسقط شرط الطلاق.
الإمام لم يحل المشكلة داخل زمنها، بل غيّر زمن المشكلة.
– المشكلة كانت تقول: الكلام يجب أن يكون قبل الأذان.
فقرّب الأذان بانهاء الزمن الذي يقع فيه الطلاق.
هذا هو الفكر السياسي الراشد في أبهى صوره. لا يحل الخصام بالخصام، بل بصناعة مخرج بالالهام وحسن الافهام
دوبونو والامام فى صناعة الاحكام :
ما فعله أبو حنيفة قبل ألف عام جدده إدوارد دوبونو في القرن العشرين من خلال التفريف بين
أولا التفكير العمودي:
ويعنى التفكير المنطقي المتسلسل. مقدمة ونتيجة.
الزوج يقول: إذا لم تتكلمي حتى الأذان فأنت طالق.
الأذان لم يحن، هي لم تتكلم، إذن يقع الطلاق منطقيا لكنه يدمر الأسرة.
ثانيا التفكير الأفقي:
هو التفكير الخلاق الذي يقفز خارج السلسلة ليسأل:
– ماذا لو قدمنا الأذان؟
– ماذا لو غيرنا زاوية النظر؟
يقول دوبونو :
حتى تصنع اتفاقاً، يجب أن تكسر القالب من خلال
تقنيات التلاعب اللفظى الخلاق
*Verbal Manipulation Techniques
حتى تحل اى خصاماً، العب بالفكرة كما يلي:
– استخدمها لغير ما وضعت له: الأذان ليس للصلاة فقط، بل لإنهاء الخصام.
– تبنَّ فكرة الآخر: تبنَّ عناد الزوجة ولا تحاربه.
– عدّل: وقت الأذان.
– كبّر و صغّر : كبّر قيمة الكلمة، صغّر قيمة العناد.
– استبدل سؤال العصير بسؤال الشاي.
– أعد الترتيب: لا تقل تكلمي قبل الطلاق، بل اجعل الكلام هو الذي يمنع الطلاق.
– اعكس السؤال
– اجمع بين المتناقضيين فى صيغة واحدة: أذان ينقذ زواجاً.
وهذا ما يسميه دوبونو لعبة ماذا لو؟*
> ماذا لو أذّنا الآن؟
> ماذا لو طلبت شاياً بدل العصير؟
> ماذا لو كان الخصم يشبهني
هذه اللعبة تسمح لك بان تترك الفكرة تتدحرج بحرية مع التخيل.*
لا تحاكم الفكرة فور ولادتها، بل اتركها تتدحرج لماذا
حتى نزيل الانسداد الفكري؟
ان كل طلاق، سياسي أو اجتماعي هو انسداد عقلي يجب تجاوزه باليات دوبونو التى تشمل عناصر الحل أدناه :
*1. – صوّر المشكلة:*
– لا تفكر فيها ككلمات، بل صوّرها. الإمام صوّر المشكلة: رجل وامرأة وبينهما أذان يفرقهما فقرّب الأذان.
*2. راجعها من زوايا عديدة:
انظر لها من
– زاوية الزوج،
– زاوية الزوجة،
– زاوية الأذان نفسه.
*3. عظّم استخدام الترابط:
– تذكر أن شبيه الشيء منجذب إليه.
الزوجة لا تعاند لأنها تكرهك، بل لأنها تشبهك في العناد.
أنتما منجذبان لأنكما متشابهان. كما قال إيليا:
> أنا منك يا بحر، وأنت مني.
إذا فهمت أن خصمك يشبهك، انجذبت إليه بدل أن تنفصل عنه وتبفى كلمات صلاح سودان بليدنا ( يا حكماء السودان اتحدوا )
فالسياسة هي فن منع الطلاق الذى يمتلك الجميع الياته بالفكرة والفطرة
سياستنا اليوم تحتاج إلى
أذان مبكر بطرح السؤال
– ماذا لو أذّنا الآن قبل أن يقع الطلاق الكبير بيننا؟
– ماذا لو فهمنا أننا، رغم عنادنا، شبيه بعضنا سودان بليدنا وكلنا اخوان و يبقى أهل السودان لاهل السودان هو صمام الامان


