أحمد عبدالكريم عبداللّٰه .. يكتب .. السوق …. قدح النبي

قديماً .. كان في أسواقنا السودانية مصطلح شائع ومتداول بين الناس .. اسمه قدح النبي ، لم يكن إناءً للكيل ، بل كان عهداً وأمانة ودستوراً غير مكتوب يحكم السوق كله،
فكان التاجر إذا كال كال بالحق، لا يزيد ولا ينقص، ولا يمسح ولا يطفف ، وكان المشتري إذا رأى التاجر يكيل ويزن.. اطمأن، لأنه يعلم أن الذي يكيل ويزن يخاف الله، وأن هذا القدح العهد قد سُمّي على النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن يُدنَّس بغشٍ أو خداع ، كان قدح النبى هو الرقابة قبل أن تكون هناك رقابة، وكان القانون قبل أن تكون هناك قوانين، والضمير قبل أن نتحدث عن الضمير ،
واليوم تم كسر ذلك القدح (العهد) ، لقد كُسر في قلوبنا قبل أن يُكسر في أسواقنا ،
ومن يدخل أسواقنا اليوم في أي مدينة سودانية ، لا يدخل سوقاً للبيع والشراء، بل يدخل ساحةً للفوضى والجشع والأنانية ، حيث لا قانون يُحترم، ولا ضمير يُستحضر، ولا رقيب يُخشى. لا أسعار معلنة، ولا موازين موثوقة ، ولا رقابة كافية على الجودة أو الصلاحية ، صار التاجر هو المشرّع والقاضي والجلاد، يضع السعر كما يشاء ويرفعه متى يشاء ، والسلعة الواحدة تُباع في ثلاثة دكاكين متجاورة بثلاثة أسعار مختلفة، والفرق بينها غير قليل ،
إن غياب الدولة عن ضبط الأسعار فى الأسواق سيما فى السلع الإستهلاكية الضرورية التى تمثل قوت الناس بعيد عن القيام بالمسؤولية الملقاة على عاتقها ، أما مايمثل جريمة أنسانية هي انعدام الضمير ، لقد تحوّل كثير من التجار، إلا من رحم ربي، من تجار إلى محتكرين ومضاربين في قوت الناس ، يخزّنون السلع وقت الأزمة، يحتكرون الدقيق والسكر والزيت ، بل أن بعضهم يبيعون السلع الفاسدة، ومنهم من يطفف في الكيل والميزان، ويتاجرون بمعاناة الفقراء والنازحين والأرامل والأيتام، دون وازع من دين أو أخلاق أو إنسانية ،
أين ذهب التاجر السوداني الذي كان يمارس عمله فى التجارة بحسبان أنها عبادة ، كيف لا وقد إمتهنها المصطفى أشرف خلق الله ، عبر قناعة أن في الربح القليل بركة؟ أين ذهب التاجر الذي كان يخفض السعر للمسكين، ويُمهل المعسر، ويتصدق من بضاعته؟ لقد حلّ محله تاجر جديد لا يعرف من التجارة إلا الجشع، ولا يعرف من الدين إلا اسمه فقط ،
إن الناس وفى ظل مايعيشة الوطن من ظروف ، لا يطلبون المستحيل ويطلبون من الدولة أن ترحم شعبها وتحميه من تاجر لايرحم وجوع يجب صده ومنعه ، فتُعلن وتُقنن الأسعار، وتُفعّل الرقابة، وتُحاسب كل مخالف علناً، وتُغلق كل دكان يتلاعب بقوت الناس ، ونطلب ضميراً حياً يعلم أن التجارة أمانة، وأن الغش خيانة، وأن احتكار قوت الناس جريمة في حق الله قبل أن تكون جريمة في حق الإنسانية والقانون،
إن السوق هو مرآة الأمة، فإذا فسد السوق فسدت الأخلاق، وإذا فسدت الأخلاق فلا دولة تنفع ولا قانون يشفع ،،
أعيدوا للسوق قدحه، أعيدوا للميزان والكيل عدله، أعيدوا للتاجر ضميره، فمن غشنا فليس منا، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب ،.


