مقالات الرأي

فى بريد هارون والتعايشى  النقد البناء لمشروع البناء: خلية أم برعم؟ ( ركود امن ام انتقال من البقاء الى الجودة) بقلم: كابتن محمد حسن الطاهر 

 

التاريخ : نوفمبر . 2026. 9

 

فى التربية والتنظيم يكون النقد بنّاءً حين يحمل ثلاثة شروط:

– أن يُحدد موضع الخلل،

– وأن يُقدّر ما يملكه المشروع من قوة،

– وأن يقترح مسارًا للإصلاح.

فإن غاب الشرط الأول صار النقد انطباعًا،

وإن غاب الثاني صار هدمًا، وإن غاب الثالث صار شكوى.

 

فالنقد البنّاء لا يقف خارج المشروع ليحاكمه، بل يقف داخل غايته ويسأله:

– هل أنت على الطريق الذي أردته لنفسك؟

– هل ينطبق عليك معنى قوله تعالى : ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88].

فاذا كان الإصلاح هو الغاية، فان النقد هو وسيلته حتى يكتمل المشروع وهنا يبرز السؤال : ماهو المشروع وتاتى الإجابة بان المشروع هو :

– نيّة تحوّلت إلى بنية

– فكرة اتخذت لنفسها هيكلًا وموارد وزمنًا وجمهورًا.

– وهو يشبه الكائن الحي في أنه يولد ويتغذى وينمو ويمرض، وقد يشيخ أو يتجدد.

لذلك فسؤال العنوان: هل المشروع خلية أم برعم؟ سؤال في الصميم.

الخلية وحدة الحفظ :

– فيها الجوهر والهوية والوظيفة.

 

اما البرعم وحدة الامتداد :

– فيه الوعد بالنمو والانتشار

– وهو يخرج من الجسد الأم دون أن ينفصل عن أصله.

 

فالمشروع السليم خلية في ثباته وبرعم في طموحه،

وقد وصف القرآن هذا التوازن في مثل الشجرة الطيبة: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24].

– أصل ثابت هو الخلية،

– وفرع صاعد هو البرعم.

 

وفي سورة الفتح: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾ [الفتح: 29]،

أي أن الشطء (وهو البرعم) يخرج ثم يتقوى بأمّه ثم يستوي قائمًا.

– فالبرعم الذي لا يُسنده الأصل يذبل،

– والأصل الذي لا يُنبت برعمًا يشيخ.

وهنا بالضبط ياتى السؤال المنطقى عن المشروع بين الضرورة والكفاية ( سؤال الحد ) ..

 

فاذا كانت الضرورة هي الحد الأدنى الذي لا يقوم المشروع بدونه:

– الغاية، والموارد الأساسية، والمشروعية.

 

فان الكفاية هي الحد الذي يصبح عنده المشروع قادرًا على أداء رسالته بجودة واستدامة وأثر.

كثير من المشاريع تقف عند الضرورة وتحسبها كفاية، فتُنجز الهيكل ولا تُنجز الوظيفة.

وهنا يأتي سؤال المقال:

هل يجب نقد المشروع حين تُستنفد الضرورة وتبقى الكفاية شاغرة؟

نعم، بل هذه هي اللحظة الأخطر :

– فما دامت الضرورة قائمة تكون الأولوية للبقاء،

– أما حين تُستنفد فتتحول الأولوية إلى الجودة.

 

والمشروع الذي لا يُنقد في هذه المرحلة يدخل منطقة الركود الآمن، حيث يبدو كل شيء سليمًا والجسد في الحقيقة يتآكل.

 

والقرآن يعلّم هذا التدرج: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح: 7]،

فالفراغ من الضرورة بداية جهد جديد يستوجب هندسة الرقعة الجغرافية على متواصل المساحة بين المتاهة والمسافة

نجد ان لكل مشروع رقعة يعمل فيها، وهي ليست جغرافية فحسب، بل تشمل الاختصاص والجمهور والنفوذ.

 

وهذه الرقعة تمتد على متصل بين قطبين:

فالمتاهة تشعب بلا اتجاه :

– فروع كثيرة وقرارات متداخلة وجهد يدور على نفسه.

اما المسافة فهى خط مقيس بين نقطة الانطلاق والغاية، يُعرف فيه ما قُطع وما بقي.

 

المشروع الذي يتمدد دون هندسة يتحول إلى متاهة، والذي يتصلب في خط واحد يفقد مرونته أمام التحولات.

والمهندس الحكيم يرسم رقعته بحيث تبقى

– المسافة قابلة للقياس

– والمتاهة تحت السيطرة.

ونموذجه ذو القرنين، الذي مكّنه الله في الأرض فقال: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: 95].

– حدد الرقعة بدقة، ثم طلب من القوم قال تعالى

﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: 95]،

هنا دخل النقد والمشاركة في صلب الهندسة وهنا يتولد سؤال وهو هل المشروع كائن حى ؟

إذا كان المشروع كائنًا حيًا فبقاؤه مرهون بعمليتين مستمرتين:

تجديد الخلايا:

– استبدال الأدوار المتقادمة بأخرى حيّة، وضخ دماء جديدة، وتحديث الأدوات دون المساس بالجوهر.

 

إزالة الأسقام:

– كشف البيروقراطية المتضخمة، والولاءات الضيقة، والأهداف الميتة، واستئصالها قبل أن تصبح أورامًا.

فالجسد الذي يرفض تجديد خلاياه يشيخ،

والذي يترك أسقامه تنمو يموت وكلما تأخرت الصراحة ازدادت أهمية الجراحة

وفي القرآن مثال على ضياع الجهد حين لا تُصان البنية: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: 92].

 

للتجديد أسلوبان متكاملان:

الصراحة:

– وهي وقاية، قول الحقيقة مبكرًا وبلطف، وهي أرخص من العلاج.

الجراحة:

– وهي علاج، قرار مؤلم باستئصال ما فسد حين تفشل الصراحة أو تتأخر.

وكل تأخير في الصراحة يرفع كلفة الجراحة.

ان المشروعات الحكيمة تجعل الصراحة عادة مؤسسية فلا تحتاج إلى الجراحة إلا نادرًا.

والأمر في جوهره سنّة إلهية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

وهنا ياتى دور السؤال التالى – هل يتجدد المشروع ليبقى جوهره أم ليتصدر وينتشر؟

تقدم نظرية الطوابير (قانون لِتل) قاعدة بسيطة:

عدد العناصر في النظام = معدل وصولها × متوسط زمن بقائها.

وإسقاطها على المشروع يكشف المعضلة:

إذا زاد الطلب (الانتشار) دون زيادة الطاقة (الجوهر القادر على الاستيعاب) طال زمن الانتظار وتدهورت الجودة وتكدّس العملاء.

 

وإذا حمى الجوهر بإغلاق الأبواب بقي المشروع صغيرًا يتآكل بالتقادم.

 

فالجواب أن المشروع

– يتجدد ليبقى جوهره،

– ثم ينتشر بقدر ما يتسع له الجوهر.

الانتشار اذا تجاوز الطاقة زبدٌ، قال تعالى ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].

ما ينفع الناس هو الجوهر، وهو الذي يمكث وهذا مايتجلى من الواقع الجيوسياسي عبر التاريخ :

اليابان الميجي (1868):

– استوعبت التجديد الصناعي والمؤسسي والعسكري من الغرب مع بقاء هويتها وبنيتها الاجتماعية.

– كانت خلية حافظت على جوهرها وأنبتت براعم جديدة،

فنجحت في اللحاق بالركب في عقود قليلة.

 

الاتحاد السوفييتي (البيريسترويكا والغلاسنوست):

جاء النقد الصريح بعد عقود من الجمود، وبعدما تراكمت الأسقام الاقتصادية والمؤسسية.

ولكن فى هذا النموذج حين بدأت الجراحة كانت الصراحة قد تأخرت طويلًا، فانفتح الجسد على كل أمراضه دفعة واحدة.

وفي هذا درس تحول النقد المتأخر من إصلاح إلى انفجار.

 

اما الاتحاد الأوروبي (توسعة 2004 وما بعدها):

هو مثال حي على قانون الانتظار. فالدول المرشحة تقف في طابور، وكلما توسع الاتحاد قبل أن يعمّق مؤسساته تزايدت الضغوط على آليات القرار. و

وقد ظل النقاش الأوروبي بين التوسيع (البرعم) والتعميق (الخلية) محورًا لا ينتهي.

 

ان التنظيمات العثمانية (القرن التاسع عشر):

استوردت أدوات التحديث دون أن تُعيد بناء الجوهر الاجتماعي والاقتصادي، فاستنسخت الشكل وبقي الأصل.

– وهو مثال على برعم لم يُغرس في أرض أصله فلم يثبت.

ان النقد البنّاء لمشروع البناء ليس ترفًا فكريًا، بل هو جهاز المناعة الذي يحفظ المشروع من الركود والتضخم معًا.

وختاما من أراد مشروعه خلية وبرعمًا فعليه أن يعتني بالأصل، ويفتح لنفسه نوافذ الصراحة قبل أن تضطره الظروف إلى غرف الجراحة، وأن يدرك أن الانتشار الحقيقي يبدأ حين تكتمل الكفاية لا حين تنتهي الضرورة.

زر الذهاب إلى الأعلى