أعمدة الرأي

إسيديات الثلاثاء .. عثمان الشيخ الأسيد  .. يكتب .. يكفي من القلادة ما يحيط بالعنق

 

الحمدُ لله والصلاة والسلامُ على سيِّدِنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.

(*إن أدواتًا، مثل تويتر وفيسبوك، تمنحُ حقَ الكلام لفيالقَ من الحمقى ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط، بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزةَ نوبل. إنه غزو البلهاء..*) إنتهى كلامُ الكاتب الإيطالي أميريتو إيكو، وصدق حين قال ذلك. كم من جاهلٍ مجهولٍ غير معروف صار مشهورًا، فظنَّ في نفسه التميَّزَ عن غيره بمزيد من الفطنة والذكاء، فنصّب نفسه عالمًا ومجددًا ومفكرًا ومرشدا. وليته كان كذلك، فيتجاوز حدوده ويتمادى مستحقرًا لشعائرِ الدين ويُطلق على أي شيءٍ – لا يُوافق هواه أو لا يدركه عقله القاصر – خرافة ليطعنَ في الأحاديث، ويَُسقط الفلسفة على نصوص القرآن ويُسقط نصوصَ القرآن على الفلسفة ويشكك في العلماء، ناقلًا لأفكار الفرق السابقة، مثل الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والجبرية والمعتزلة، ينشرها بين الناس دون ذكر اصلِ وتاريخِ هذا الفكر المنقرض والمرفوض والمنبوذ من كل المسلمين في كل العصور، مدعيا أنها من أفكاره وأنه صاحب فكر ورأي جديد مستغلا في ذلك انشغال الناس بإيقاع الحياة السريع الذي أبعدهم عن الكتب والمكتبات (وإذا قيل له اتقِ اللهَ أخذته العزةُ بالإثم ).. يزداد زهوًا وغرورًا، سيَّما عندما يجد من يُعْجبُ به ومن يندهش لحديثه ويصفق له، فيعتلي المنابرَ واعظًا ومرشـدًا، يحملُ صفـةَ المُجدِد، وتارة تجده في قناة فضائية بأنه المفكر الإسلامي، وتارة تجده في بود كاست بلقب، الداعية المعروف، وله قنواتٌ في اليوتيوب، ويأتي بغرائب الحديث ليجذب المشاهد، قاصدا من ذلك الحصولَ على أكثر عددٍ من المشاهدين، ويُناشدُنا أن ندعمَ الفيديو بعمل لأيك وتفعيل زر الجرس، حتى تصلنا خزعبلاته.. أصاب الحقيقةَ الكاتبُ الإيطالي أميريتو إيكو حين قال إنَّه غزوُ البلهاء.

مقابل بلهاء الفضاء يُوجد واعظون غوغاء، يخرجون الينا في ثياب الواعظينَ، يرسمون على وجوهِهم ملامحَ التجَهُم والعبوس، حتى ظننا أن الابتسامةَ هي أسوأ ما تفعله الشفاه، وأنها وصمةُ عار على وجوهنا، وجب علينا مداراتها عن أعين الناس، ولا أدري ما علاقة هذه السمات القبيحة بالإسلام. هؤلاء المتشددون خُطَبُهم ومواعظُهم ترهيب ووعيد وتخويف، يخطب خطبتَه، ونحن نقول متى ينتهي؟

يجيب قبل أن يسمع ويُعارض قبلَ أن يفهم ويحكم بلا علم. من تعاليمهم أن مايبطل الوضوء يجرح الصيام!! الأحبُ لديهم وصف نفوسهم بالمرارة، لا بالعذوبة، لا يوجد في قاموسهم مفردة (يجوز) ولا يفرقون بين الفرض والواجب والاستحباب والإباحة، كل شيءٍ عندهم حرامٌ وملعون فاعلُه. وكل ما قلنا او فعلنا او كدنا، خرج لنا هؤلاء صارخين: هذه بدعة، وهذا كفرٌ بواح، وأننا لا نستحق رضا الله، وأفعالُنا آثمة وغير مقبولة من قبل الرب وانهم وحدهم المقبولون. إنَّ هذا – يا سادة – هو ما يُسمَّى بـ (الإرهاب الفكري).

يأمروننا باتباع الرسول الكريم، وهم أول من يعصيه. هل يا تُرى لم يسمعوا قوله صلى الله عليه وسلم: افعل ولا حرج.. وقوله: (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا)؟ أم أنهم سمعوا و قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا. أمران أحلامهما مُرّ: هؤلاء أخطرُ على الأمة من الدجال، هذا ليس كلامي ولكنه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: (إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ)..

وهناك نوعٌ آخر من المسلمين، وهم العلماء الاتقياء الانقياء فيهم ورعٌ وتقوى وصِدْق، إنهم موجودون متميزون معروفون واضحون كالشمس، لكنها شمسٌ كثيرًا ما تتوارى خلف السحاب مع قلتهم، فنادرًا ما نراهم ونادرًا ما نسمعُ منهم، فشيمة أصحاب العقول المليئة أنهم يهمسون همسًا، وإن سمعنا لم نصدقهم.. وهذا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث الرويبضة: (سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدَّقُ فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادقُ، ويُؤتمن فيها الخائنُ ويُخوَّن فيها الأمينُ، وينطق فيها الرويبضةُ،

قيل: وما الرويبضة يا رسولَ الله؟ قال: (الرجل التافه يتكلم في أمر العامة))

لقد وجدنا أنفسنا تائهين داخل مثلث (همس العلماء وغزو البلهاء وأئمة الضلال). ومن حقك أن تسألني من أنت، حتى تصنف الناسَ كما تشاء؟ ونراك أيضا تكتب وتنشر في الفضاء.

جوابي لك، كما قلت من قبل عدة مرات: أنني لستُ مفكرًا ولا عالمًا ولامجددًا، ولاصحفيا ولم أدعِ ذلك يوماً، ولكنني قلت ولازلت أقول إنني مجرد (ناقل) وليس لي فيما أكتبه فضلٌ، سوى البحثُ والنقلُ والاجتهاد، واختيارالكلمات الرفيعة التي تُكْسِبُ الصورةَ حلاوةً وطلاوةً وجزالةً، وتُعطي المعنى وضوحًا وفخامةً، احتراما للقارئ، لأنه يجب مخاطبةَ رفيع الناس برفيع الكلام، وهذا شيءٌ يستطيع أن يقوم به أي إنسان عاقل. أما إن سألتني: ما العمل؟ أقول لك،كما قال الحسن البصري، رحمه الله: إعتدالُ الدين بين لاءين: ( لا تطغوا) و( لا تركنوا) عدم الطغيان في قوله تعالى: (َلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)هود112

عدم الركون للظالمين في قوله تعالى: ( ولَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) هود113..

كن مع ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) الزمر18..

هذا الفلتر الإلهي ينجيك من سفسطة بلهاء الفضاء، فتنجوا من فخ (التفريض) فلا تكن مقصرًا، ويحميك من أئمة الضلال أصحاب الغُلو، فلا تقع في فخ (الافراط )وتكون مسرفا متجاوزا.. خذِ الأمرَ ببساطة: لا إفراط ولا تفريط.. استفت قلبَك وكن وسطًا، فقد سمعت الله يقول: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ( البقرة 143).. الدينُ يُسر، فاتقِ اللهَ ما استطعت، قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) التغابن16 ..وقال الرسولُ صلى الله عليه وسلم: إنَّ هذا الدِّينَ متينٌ فأوغِلْ فيه بِرِفْق.

هذه رخصة من الله ومن الرسول بعدم التشدد، والاخذ بما تيسر. ويكفي من القلادة ما يحيط بالعنق..

والله أعلى وأعلم

8 أكتوبر 2024م

زر الذهاب إلى الأعلى