إسيديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد يكتب النعيمان صحابي كوميديان

قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، ( نعيمان يدخل الجنة وهو يضحك)..
الضحك والمرح وروحُ الفكاهة، سلوكٌ لا يُوجد في المخلوقات إلا في الانسان. إنه آية من آيات الله في خلق البشر، فهو – سبحانه – الذي ميّز الإنسانَ بالضحك والبكاء {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم: 43].. أي قضى أسباب الضحك والبكاء، وقيل: أضحك الأرضَ بالنبات، وأبكى السماءَ بالمطر. وقيل: أضحك الأشجارَ بالنوار، وأبكى السحابَ بالأمطار. والعرب تسمي اولادَها الضحَّاك وبسّام وطلق وطليق. إن الفرحَ وخفةَ الروح من أعظم وسائل الدخول إلى قلوب الناس، بل إن الإنسانَ يحتاج – أحياناً – إلى المزاح المعتدل بلا إسراف، وما احوجنا الي ذلك في هذا الزمن، زمن الاخبار السريعة التواتر، عالية التوتر مشكوكة المصدر.. أخبارٌ تحبس الانفاسَ وتُدخل اليأسَ في نفوس الناس، حتى اصبح التلفاز هو الجهاز الذي يشتريه الانسان بحر ماله ليعذب به نفسه. بإمكانك تحويل هذه الشاشة التي تبعث الكآبة في النفوس الي شاشة ممتعة ومفيدة بمشاهدة الأفلام الوثائقية، التي تحكي عن الطبيعة وتستعرض مشاريع عملاقة، كصناعة السفن الضخمة والكباري العائمة والأبراج الشاهقة والطائرات العملاقة، لتعرف كيف يواجه الناسُ التحديات ويتغلبون عليها، لتطمئن أن ليس مع الإصرار شيءٌ مستحيل، وتتخذ هذه القاعدة أسلوبًا لحياتك، ثم تشاهد وتستمتع بشيءٍ من الترفيه.. هناك مقولة منسوبة للأمام علي رضي الله عنه (أن القلوبَ تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة) تمتع عبر اللقطات المضحكة، التي لا تخدش الحياء ولا تسخر من الآخرين، ولا توتر الاعصاب، كوميديا راقية محتشمة ترسم الابتسامة على الشفاه وتبعث البهجة والسرور في النفوس، وتسعد القلب وتشرح الصدر وتريح الأعصاب. كان – صلى الله عليه وسلم- من أفّكَهِ الناس، رغم همومه الكثيرة والمتنوعة، يمزح ولا يقول إلا حقًّا، وكان بسّامًا.. إن الحديث عن الفرح في القران والفرح بالقران، والهدي النبوي في الترفيه عن النفس، يحتاج الي مقالات منفردة.
*النعيمان مُضْحِك الرسول ومشاهد مضحكة*:
هوالنعيمان بن عمرو، صحابي من الأنصار من بني غنم بن مالك بن النجار من الخزرج، شهد بيعة العقبة الآخرة مع السبعين من الأنصار، كما شهد مع النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – المشاهدَ كلَّها. قد تسأل نفسك: هل يمكن لصحابي بهذه المواصفات أن يكون مزاحاً؟ نعم، ولِمَ لا؟ فليس أحدٌ من الصحابة ـ لا الخلفاء الأربعة ولا غيرهم – معصومًا. إنهم بشر كسائر الناس.. كان نعيمان مضحاكاً مزّاحاً، وله نوادرُ عديدة في المزاح مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وكان بعض الصحابة يعيبون عليه ذلك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّى تعجبون؟ إنه ليدخل الجنّة وهو يضحك.
وحتى لا يصيب قلوبكم الملل من طول المقدمة، فلنرفع الستار لنشاهد الصحابي الكوميدي
( نُعَيمان)
مشهد أول:
مرَّ يومًا، برجلٍ ضرير أسمه(مخرمة بن نوفل الزهري) فقال للنعمان: قدني لمكان اتبول فيه، فأخذه النعمان الي المسجد، وقال له: تبول هنا فهذا مكان مناسب، والضرير المسكين لا يدري ان هذا هو المسجد، وعندما هم بالبول، صاح فيه الناس، انك في المسجد، فقال الضرير: من قادني الي هنا؟ قالوا له: نعيمان، قال ولله لأضربه بعصاتي هذه إن وجدته، فوصل الخبر الي النعيمان ان مخرمة الضرير اقسم انه لو وجدك ليضربنك بعصاته، فذهب اليه النعمان متنكرا وقال له: اتريدُ النعيمان، هل
ادلك على مكانه؟ فقال الضرير ، نعم، أين هو؟ قال له: هو موجود في مكان أنا أعرفه، وأخذه بيده وجاء به إلى عثمان بن عفان وهو يصلي في المسجد، وقال له: هذا نعيمان، فرفع الضرير عصاه ليضرب عثمان بن عفان ظنًا منه انه النعيمان، فصاح الناس: أميرَ المؤمنين!! فقال: من قادني؟ قالوا: نعيمان، فقال: والله لا تعرضت له بسوءٍ بعدها.
مشهد ثاني:
خرج أبوبكر تاجراً إلى بُصرى (من أرض الشام) ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكان سويبط على الزاد(مسئولا عن الطعام) فجاءه نعيمان وطلب منه طعام، فقال له سويبيط: لا أُعطيك شيئًا حتى يأتي أبو بكر. فقال له النعيمان: والله لأغيظنك ( يعنى طيب أصبر سوف ترى) فذهب النعيمان إلى أناس. فقال لهم: عندي لكم عبدٌ عربي، فارهًا فصيحَ اللسان، ولكنه سوف يقول لكم أنا حرٌ ولستُ عبدًا، فلا تصدقوه، وإن كنتم سوف تصدقونه وتتركوه، فلا تذهبوا معي من الآن حتى لا تُفسدوا عليَّ غلامي، قالوا: بل نشتريه منك بعشر قلائص (ناقة فتية شابة) فأخذها وجاء بها المكان الذي يقيمون فيه وعقلها، ثم قال للقوم: ذاك هو الغلام الذي بعته لكم، فجاء القوم. فقالوا: قد اشتريناك. من سيدك النعيمان، فقال سويبط: هو كاذبٌ، أنا رجل حر. فقالوا: قد قال لنا سوف تقول ذلك ولن نصدقك، وطرحوا الحبل في رقبته، فذهبوا به. عندما جاءَ أبو بكر وعلم بالأمر، ذهب هو وأصحابٌ له، فردوا القلائص وأخذوه. فضحك منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً..
مشهد ثالث:
كانت هناك ناقة سمينة معقولة امام باب المسجد، وكان في المسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في ناحية، وحمزة بن عبدالمطلب جالسًا، ونفرًا من المهاجرين والأنصار، فيهم نُعيمان في ناحية أخرى، فقالوا لنعيمان: ويحك! إن ناقة الأعرابي ناوية (سمينة) أنحرها لنا نحن قرمنا الي اللحم، فقال لهم نعيمان: سوف أنحرها لكم، ولكن لا تخبروا الرسول بذلك، قالوا له لن نخبره. فقام نعيمان فنحرها، ثم هرب، فمرّ بالمقداد بن عمرو، وكان المقداد قد حفر حفرة، لغرض يخصه، فقال له النعيمان: يا مقداد خبئني في هذه الحفرة، وغطني باي شيء، ولا تدل عليّ أحداً، فإني قد فعلت فعله كبيرة، ففعل المقداد ذلك وخبأه في الحفرة، فلما خرج الأعرابي، صاحبُ الناقة، من المسجد رأى ناقته مذبوحة فصرخ: ناقتي ، ناقتي!! فخرج رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: من فعل هذا؟ قالوا: نعيمان. فقال صلى الله عليه وسلم: وأين توجه؟ فتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه حمزة وأصحابه، حتى أتى على المقداد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد::هل رأيت نعيمان؟ فصمت المقداد.. فقال صلى الله عليه وسلم: لتخبرني أين هو. فقال المقداد: ما لي به علم وأشار بيده إلى مكانه. فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. وقال: أي عدو نفسه! ما حملك على ما صنعت؟ فقال: والذي بعثك بالحق لأمرني به حمزة وأصحابُه، وقالوا كذا وكذا، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأرضى الأعرابي بدفع قيمة الناقة، وقال: شأنكم بها. فأكلوها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أفعال النعمان ضحك حتى تبدو نواجذه.
الفوائد من هذه المواقف
فائدة أولى:
لا بأس بالمزاح ما لم يكن سفهًا، والله تعالى وعد في اللمم بالتجاوز والعفو فقال:( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ) النجم32
فائدة ثانية:
تسامح الرسول وتفهمه للمواقف، وتعامله معها بروح الاب والقائد، لم يسب النعيمان ولم يعاقبه، فقط قال له (أي عدو نفسه) لا أكثر ولا أقل.
فائدة ثالثة:
عندما سأل الرسول المقداد عن مكان النعيمان، فقال المقداد ما لي به علم وأشار بيده إلى مكانه، بهذه الحيلة، يكون المقداد دلّ الرسول على مكان النعيمان، ولم يترك دليلًا للنعيمان على أنه أبلغ عنه، وهذه من الحيل المباحة.( تسألني ، هل هناك حيل مباحة؟) الإجابة ، نعم، توجد حيل مباحة في الشرع، وهذا موضوع آخر، ان يسر لي الله.
فائدة رابعة:
ورد في مشهد نحر النعميان للناقة كلمة ( قرمنا للحم) هذا المفردة يستعملها الناس في السودان عندما يشتهون اللحم، فيقولون: ( قرمنا للحم ) وهي عربية فصحى وكنا نعتقد انها دارجة بحتة، أما خرمان (بفتح الخاء وتسكين الراء) فهي لفظ فارسي يعني المُشْتَهِي لما يفتقد.
تفرق العرب في الشهوات فيقولون ، جائع في الخبز وقرم الي اللحم وعطشان الي الماء وعيمان الي اللبن، وقرد الي التمر، وجعم الي الفاكهة.
والله أعلى وأعلم
15 أكتوبر 2024م

