أعمدة الرأي

إسيديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأسيد  يكتب المتمردون الجُدُد

 

أنا فلانٌ بنُ فلانٍ، فمن أنتَ لا أمٌ لك؟.. كان هذا هو السؤالُ الافتتاحي في العصرِ الجاهلي بين الافراد عندما يتقابلون لأول مرة بغرض التعارف. أما في العهد الراشدي، كان أولُ ما يُبدأُ به الكلامُ تحيةَ الإسلام، (السلام عليكم).. وفي العصر الأموي يسألونك: عربيٌ أنتَ أم من الموالي؟ وفي العهد العباسي: حرٌ أنتَ أم مملوكٌ؟.. أما في وقتنا الحالي: برشلونيٌ أنتَ أم مدريدي؟.. ولكن- قريبًا جدًا- سوف يكون السؤال: بشرٌ أنتَ أم روبوت؟.. اليوم الذي لا نعرف فيه أن الشخص الذي أمامنا، ويتعامل معنا ونتعامل معه، هل هو بشرٌ أم روبوت. هذا يومٌ ليس ببعيد.. الآن، ما هو دليلُكم على انَّ كاتبَ هذا المقال إنسانٌ وليس ( شات جي بي تي)؟ هذه التقنية التي تكتب لك كتابًا، من أروع ما يكون، فقط زوِّدها بالمحتوى، ولو في جملة واحدة، تكتبُ لك الايميلات بأحسن أسلوبٍ، و تترجمُ لك بكل اللغات، وتُجيبُ على كل الأسئلة، وبكل دقة. ليت الأمرَ يتوقف عند هذا الحد، المحامي والطبيب والمحاسب، والمهندس والطيار، والسائق، وحكم الكرة، والشغالة، ورجل الأمن، والصحفي.. كل أولئك سوف يَشْغلُ الروبوت وظائفَهم، و سيجدون انفسهم على قارعة الطريق بين ليلة وضحاها! ولكن حتى الان- والحمد لله- لم ندخل في حيز سؤال ( هل انت بشر ام روبوت؟) وهذا لا يعني أنه لاتوجد روبوتات حاليا. هي موجودةٌ وسطَنا، وتتعامل معنا ونتعامل معها، من حيث ندري أو لا ندري، لذلك نلاحظ الحماية المعلوماتية المشددة في المعاملات الالكترونية، تبدأ باسم المستخدم، ثم الرقم السري،ثم الأرقام المرئية، ثم تاتيك رسالة على هاتفك لإدخال الكود، ثم افتحِ التطبيقَ، ثم أدخلِ الرقمَ الواضح أمامك، وبصمة الوجه، وغيرذلك. كلُ هذه الأجراءات المشددة للتأكد من أنّ الذي يستخدم جهازك ،هو أنت وليس روبوت. والمضحكُ حقًا، أنّ الذي يتحقق من هذه المعلومات، هو الذكاءُ الاصطناعي نفسه. وليت الأمرَ يتوقف عند هذا الحد، فإن علماءَ الذكاء الاصطناعي يؤكدون أنَّ هذه التقنية من روبوتات، قابلةٌ لتطوير نفسها بنفسها، حتى تصل مرحلةً لا تستجيب فيها للأوامر، فتتمرد وتشكل خطرًا كبيرًا على البشرية، وحين تتمرد ما ذا تتوقع ممن ليس لديه عاطفة؟ مجردٌ من العواطف والمشاعر، هذا الذكي لا يعرف التعاطفَ مع الآخرين، ولا يعرف التعاملَ مع المواقف الاجتماعية، هذا المصنوع المجرد من الإنسانية، لو سيطر على زمام الأمور، ما ذا تتوقعون منه؟ لو سيطر على المستشفيات، لا شك ان الداخل مفقود، وعلى انطمة الملاحة الجوية والبحرية، فلا سلعة تدخل و لا سلعة تخرج من غذاءٍ ولا دواءٍ ولا مستلزمات، ولا أي شيء، ولا مغادرون ولا قادمون، بالدارجي:(الجّوُة جُوُة والبَّرة برة!!) حتى من هم في الجو يظلون عالقون بين السماء والارض. لو سيطر على أنظمة البنوك، لا صرف ولا إيداع. لو سيطر على أنظمة شركات المياه والكهرباء، لا ماء ولا نور. وليت الأمرَ توقف عند هذا الحد، فإنَّ شر البلية ما يُضْحك، إذ يطلُ علينا من يطمئننا ( الله لا طمأنه) يقول لنا: (لن تسيطر الروبوتات على العالم أبدًا، فلا داعي للقلق)، مشيرًا إلى أن الروبوتات موجودة فقط لمساعدة وخدمة البشر ولن تحل بديلًا لهم!! (الله لا طمأنك ودمر أهلك وقطع نسلك) قولوا آمين. هل تعلمون من هو الذي يطمئننا؟ إنه الروبوت ( أميكا) الذي يُوصفُ بانه الأكثرَ تقدما في العالم. ثم أحذروا تلبيس إبليس، فقد جاءني الملعون ليخوفني فقال لي: أنت الان بكلامك هذا عنهم أصبحت عدوًا لهم، ولن يتركوك في حالك، خاصة عندما يحلون محل البشر. فقلت له: هل هم سيحلون محلنا؟ قال لي: نعم ألم تقرأ قول الله: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) قال لي أقرأ آخر الآية (لا يكونوا أمثالكم) من غيرهم أنهم الروبوتات، ألم يقل علماؤكم إنَّ العبرةَ في القران بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ ثم بعد أن هزأ إبليسُ لي بهذا الكلام، بدأ في الاغراء، أنه صديق الروبوتات ويعرفهم، وسوف يتوسط لي فلن يضرونني بشيء، فقط أُريدُ منك أن تتبعنى، وسوف تجد ما يسرك، قالت لي النفسُ الشريرة الامارة بالسوء: نعم هذه فرصة، أتبعه فإنَّ ابليسَ لديه كل الحلول، ولكن الله ايقظ في داخلي النفسَ المطمئنة الآمرة بالخير، فقالت: من هو إبليس هذا، إن اطعته لن ينفعك وإن عصيته لن يضرك، فهو لا يملك شيئًا غير الكذب والضلال، إستعذ بالله ولا تصدقه، أما سمعت قول الله تعالى: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) * الأعراف * فاستعذتُ منه بالله العلي القدير، فتبخر الملعونُ في لحظات.. القرآن- سيداتي سادتي- هو المخرج في حالة وقوع الازمات والفتن، كيف؟

قد سبقنا عليٌ- رضي الله عنه- بهذا السؤال، حين سأل الرسولَ- صلى الله عليه وسلم- عن المخرج، فلنسمع الحديث: (عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ستكون فتن”، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: “كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْم ما بينكم، وهو الفصل، ليس بالهزل، الي آخر الحديث) ماحيلة الروبوتات مع قرءان ( سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ ).. والله لا الذكاء الاصطناعي ولا من صنعه يفعلون شيئًا في ملكوت الله إلا بعلمه وبإذنه ( ما شاء الله كان ولم يشأ لم يكن) هؤلاء ( لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).. أذكروا الله، سوف يُذْهبُ الخوفَ عنكم، وتطمئنَّ قلوبُكم، فقد سمعت الله يقول:

الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ .. الرعد28

بلى، وعزتك وجلالك، أطمأنَّ قلبي، فنمت ملء جفوني..

والله أعلى واعلم..

19 نوفمبر 2024مد*

زر الذهاب إلى الأعلى