أعمدة الرأي

عميد شرطة (م)  عمر محمد عثمان  يكتب حكومة أضغاث أحلام

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حكومة أضغاث أحلام

 

أحياناً تقف أمام المشهد السياسي في السودان وتتساءل: هل يرى بعض السياسيين ما يحدث فعلاً على الأرض، أم أنهم يعيشون في عالم موازٍ؟ الحديث عن تشكيل حكومة بالشراكة مع مليشيا الدعم السريع يبدو كأننا نعيد نفس الأخطاء التي أوصلتنا إلى هذا الوضع الكارثي. كيف يمكن أن تفكر أي قوة سياسية في التحالف مع مليشيا متمردة تآكل نفوذها، وانهارت شعبيتها، وباتت عبئاً على نفسها قبل أن تكون عبئاً على السودان؟

 

الدعم السريع، الذي كان يدّعي القوة والسيطرة، أصبح اليوم في حالة هروب مستمرة. الأرض تتقلص من تحت أقدامه، والناس تفرّ من المناطق التي يدخلها، رافضين وجوده بكل أشكاله. حتى داخلياً، بدأت تصدعاته تظهر بوضوح، انشقاقات هنا وخلافات هناك. لا أحد يثق بمليشيا تقتل شعبها وتدمر بلادها، فكيف يفكر البعض في إعطائها شرعية سياسية؟

 

الفكرة نفسها تبدو بعيدة عن أي منطق. السودان لا يحتاج إلى حكومة تبنى على صفقات مصلحية أو شراكات مع كيانات فاقدة للشرعية. الشعب السوداني واضح في رسالته: لا مكان للمليشيات في مستقبل البلاد. التضحيات التي قُدمت ليست مجرد أرقام، إنها دماء وأرواح ضحت من أجل وطن خالٍ من هذه العبثية.

 

لنعترف: التاريخ ليس في صالح مثل هذه الحكومات. كل تجربة في السودان أو خارجه اعتمدت على شراكات هشة كهذه انتهت إلى فشل ذريع. لا يمكن أن نبني وطناً على رمال متحركة. السودان بحاجة إلى حكومة تنبع من إرادة شعبه، تستند إلى مؤسسات وطنية حقيقية، وعلى رأسها الجيش السوداني، الذي يظل العمود الفقري لوحدة البلاد واستقرارها.

 

ما يحدث الآن من محاولات لتجميل الدعم السريع وإعادته إلى المشهد عبر حكومة شراكة هو إهانة لتاريخ هذا الشعب وصموده. السودان أكبر من هذه الصفقات الصغيرة، وأقوى من أن تحكمه مليشيا فقدت كل مقومات البقاء. إذا كان هناك من يريد أن يحلم، فليحلم بما ينفع هذا البلد، لا بأضغاث أحلام لا تزيدنا إلا خيبةً ودماراً.

 

عميد شرطة (م)

عمر محمد عثمان

 

٢٠ يناير ٢٠٢٥م

زر الذهاب إلى الأعلى