مقالات الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد النبلاء السودان في العصر النبوي و الراشدي و الأموي (2)

 

(وحش الحبشي:)

وبين أشجارِ هذا الشجن شبحٌ يتحرك بخفةٍ ونشاط، أكاد لا أراه من شدة خضرة لونه مع لون الأشجار وظلالها، قال لي، بصوت حازم: من انت؟ قلت له، وبنفس اللهجة ونفس الأسلوب: أنا زائرٌ، فمن أنت؟ عرّفني بنفسه مباشرة، قال: أنا وحش الحبشي، ألا تعرفني؟ أنا قتلتُ خيرَ الناسِ في الجاهلية وشرَّ الناسِ في الإسلام.. قال يوسف همسا: (يا ستار أستر) ماذا يقصد؟ قلت له: يقصد عندما كان في الجاهلية قتل حمزةَ- رضي الله عنه- وبعد إسلامه قتل مسيلمةَ الكذاب، ثم قلت ليوسف: إسأله، لماذا وكيف قتل حمزةَ رضي الله عنه؟ قال يوسف: لا بأس سوف أسأله، هل تظن أنني خائف منه؟ ثم وجه كلامَه لوحشي: حدثنا عن قتلِك لحمزةَ، رضي الله عنه.. بدأ وحشيٌ في سرد القصة، وكأنه كان ينتظرُ منَّا هذا السؤال: إنَّ حمزةَ قتل (طعيمة) ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة (ثأرًا لعمي طعيمة) فأنت حر.. فلما خرج الناس إلى معركة أحد، خرجتُ معهم، فلمَّا أن اصطفوا للقتال، كمنتُ أنا لحمزة تحت صخرةٍ، فلما دنا مني رميتُه بحربتي حتى خرجت من بين وركيه. لم تعجبنا هذه القصة ولم نرتاح لوحشي.. قلتُ له: كيف ومتى أسلمت؟ إحكي لنا قصةَ اسلامك.. قال: أوفى سيدي بوعده، فاعتقني وبقيتُ في مكةَ بعد عتقي- وحين فتحها المسلمون- هربتُ إلى الطائف، وخرج وفدٌ من الطائف الى مكةَ لمقابلة الرسول- صلى الله عليه وسلم- فلما خرج وفد الطائف لِيَسلِمُوا ضاقت علي الأرض بما رحبت فقلتُ أهرب الي الشام أو اليمن أو بعض البلاد، فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجلٌ: ويحك! إنه والله ما يقتل أحداً من الناس دخل في دينه (يقصد محمد صلى الله عليه وسلم) فلما قال لي ذلك خرجتُ حتى قدمتُ على رسول الله المدينة، فلم ينتبه إلا وأنا قائمٌ على رأسه، أشهد شهادة الحق. فلما رآني الرسول، قال: وحشي!؟ قلت: نعم قال: أقعد فحدثني كيف قتلت حمزة. فحدثته كما حدثتكما. فلما فرغت من حديثي قال: ويحك! غيب وجهك عني، فلا أراك.. فكنتُ أتجنب رسولَ الله حيث كان، فلم يرني حتى قبضه الله ثم بعد ذلك قتلت مسيلمةَ. قلنا له كيف قتلت مسيلمةَ؟ قال: لما خرج المسلمون في حرب المرتدين انطلقت معهم مستغلًا الفرصة وتكفيرًا لقتلي حمزة بن عبد المطلب، وكنتُ ضمن الجيش الذي اتجه إلى مسيلمةَ الكذاب صاحبِ اليمامة، فلما بدأت المعركة واشتدت، أخذتُ حربتي لضرب مسيلمة، وتهيأ رجلٌ آخر من الأنصار كذلك، فهززتُ حربتي ورميتُها على مسيلمة فوقعت في عانته، ثم شدَّ عليه الأنصاري فضربه بالسيف، و ربك أعلم أيُّنا قتله. سألني يوسف عن رأيي في وحشي الحبشي وهو قاتل حمزة، قلت له وحشي كغيره من الصحابة، وإنما قتل حمزة قبل الإسلام، والإسلام يَجُبُّ ما قبله، ومن تاب تاب الله عليه، ولا إشكال في هذا، وأهل السنة يترضون عنه ويوالونه كسائر الصحابة. قال يوسف: سبحان المعبود! ( توفي وحشي الحبشي في عام 39 هجري ودُفن في مدينة حمس بسوريا)

*جليبيب الانصاري*

ونحن واقفون يمر من امامنا رجلٌ لم يُعرْنا أي اهتمام كأنه لم يرنا ملابسه بالية نظراته طائشة تحركاته عشوائية، كأنه يعيشُ في عالمٍ غير عالمنا هذا. بادرتُه بالسلام، قلت له: السلام عليكم، رد السلام دون أن يلتفتَ تجاهنا، تقدم خطواتٍ ثم رجع، وما أن وقف قُبالتنا حتى رأينا فيه وقارًا وشعرنا بالهيبة والمخافة، ثم قال: الناس يكتبون عن أسرار الرقم 7 ولم يتطرقون لسباعيتى! قال له يوسف: عفوًا، وما هي سباعيتك؟(سأله يوسف عن سباعيته ولم يسأله عن من هو تقديرًا واحترامًا فرض عليه) قال: أنا الذي قتل سبعةً في معركة أحد ثم قتلوني، قال لي يوسف: من هذا، هل عرفته؟ قلت: له طبعًا، انه جُلَيْبِبٌ، ولا أحدٌ غيرُه فعل ذلك.. هذ الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: هذا مني وأنا منه.ثم قلت لجليبيب- رضي الله عنه- هذه فرصة طيبة كي تحكي لنا قصةَ زواجك! قال لي يوسف مستغربًا: قصة زواجه!؟ إذًا انت تعرفه وتعرف انه متزوج بعد؟ في هذه الأثناء بدأ جليبيب يحكي قائلا: كنتُ أرغب في الزواج، ولكن لأنني اعلم أنني كاسدٌ لم أتجرأ على أن أبوحَ برغبتي هذه. وذات مرة عندما جئتُ إلى رسول الله، عرض عليَّ ان يزوجني، فقلتُ له: أنّا كاسدٌ يا رسولَ الله، فردّ عليَّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (غيرَ أنَّكَ عند اللهِ ليس بكاسِدٍ) قلت في نفسي: من يزوجني بنته وأنا رجلٌ من السودان، ومجهولُ الحسب والنسب، من فقراءِ الصحابة، قصير. قال فذهب الرسول لرجلٍ من الأنصار: يَا فُلَانُ زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، قال الرجل نعمة ونعمة عين(عبارة تدل على الموافقة والفخر) قال صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَسْتُ لِنَفْسِي أُرِيدُهَا». قال: لمن؟ قال: «لِجُلَيْبِيب». قال: يا رسولَ الله حتى أستأمر أمَّها، (قال يوسف هامسا: يا ستار استر لا يغير رأيه..) ذهب الرجل إلى ام الفتاة و قال لها: إن رسولَ الله يخطب ابنتك. قالت: نعم ونعمة عين زوج رسول الله ( يعنى شرف زوجه) قال: إنه ليس لنفسه يريدها. قالت: لمن يريدها؟ قال لجليبيب، قالت جليبيب!؟ لا والله لا أُزوجها جليبيبًا. قرر كلٌ من الأب والأم الرفضَ، وعندما قام والدها ليخبر الرسول بعدم الموافقة، هنا تدخلت الفتاةُ وسألت والديها: من خطبني اليكما؟ قالا رسول الله، فقالت: أفتردَّان على رسول الله أمره!؟ إدفعوني إلى رسول الله فإنَّه لن يُضيِّعني فذهب أبوها إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال له: شأنك بها (أي أنَّه تمت الموافقة) فزوَّجها رسول الله جليبيبًا، ودعا لها بقوله: «الَّلَهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا صَبًّا، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا كَدًّا». فكان الرزق يأتيها وهي لا تعلم من أين جاء.. يقول جليبيب ولم تمضِ مدَّةٌ يسيرة حتى نادى المنادي: حيِّ على الجهاد. فلبّيت النداء وخرجت للجهاد. أُستشهد جليببٌ في معركة (أحد) وبعد انتهاء المعركة أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَد؟» قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا. فقال مرة أخرى: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَد؟» قالوا: لا؟ فقال: «لَكِنِّي أَفْقِدُ أَخِي جلبيبا، فَاطْلُبُوهُ فِي الْقَتْلَى». فوجدوه إلى جنب سبعةٍ من المشركين قد قتلهم ثم قتلوه،فاخذه النبي على ذراعيه وقال، «هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» ثم حفروا له، وما له من سريرٍ إلَّا ساعِدَي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعه في قبره ثم واراه بالتراب.

*مهجع*

ثم رأينا داخلَ هذا الشجن، رجلًا له هيبةٌ ورزانة، أسودُ اللون ، على وجهه نور، يكسوه هدوءٌ وسكينة، ألقيتُ عليه تحيةَ الإسلام، ردَّ باحسنَ منها.ثم سألنا: من أي السودان انتم؟ قلنا له نحن من سودان السودان، لم يدقق معنا، لكنه قال: أنا مهجعٌ من سودان اليمن، ثم رفع كفيه الي السماء يدعو الله، قلت له: ماذا تدعو وانتم أهلُ بدر، ورسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- يقول لعمر رضي الله عنه: (وما يدريك أن الله أطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) فقال لي: أما سمعت صلى الله عليه وسلم، يقول: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ سألني يوسف: وكيف عرفتَ انت انه من اهل بدر؟ قلت له: أنا أعرف أن مهجعًا مولى عمر بن الخطاب أول من استشهد من المسلمين يومَ بدرٍ، أتاه سهمٌ غرب (غرب لا يعرف راميه) ويذكر أنَّ مهجعًا نزلت فيه وفي آخرين الآية:(وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) {الأنعام..}

والله أعلى وأعلم..

11 مارس 2025م

11 رمضان 1446هج

زر الذهاب إلى الأعلى