أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد يكتب النبلاء السودان في العصر النبوي و الراشدي و الأموي و العباسي(10)

*سوق الوراقين في بغداد*
نحن الآن في ســـوقِ الوراقين. هذا الســـوق تُشاهد فيه (الفوضى المنظمة) وتغمُرُك طاقةُ المكان، كلُ شيءٍ فيه يبدو متحركًا، كلُ من فيه دؤوب الحركة، تسمع فيه ما لم تسمعه من قبلُ من فصيحِ الكلام والحِكم و الأمثال و الأشعار. كنتُ شاهدًا على حوارٍ جرى بين رجلٍ وامرأة، خاطب الرجلُ المرأة طالبًا منها التنحي للوراء قائلًا لها: (الرجال أولًا! فقالت له: شرَّفنا اللهُ بالتقديم في قوله تعالى: (يهب لمن يشاءُ اناثًا ويهب لمن يشاء الذكور) الشورى 49،ة.. قال لها الرجل: نعم، قدّم النساءَ على الذكور ولكنه قال (إناثًا) نكرة وأخّر الرجالَ، لكنه عرّفها وقال ( الذكور) والتعريفُ بالتأخير أشرفُ من النكرة بالتقديم) ولا ادري بمن أُعجب، من المرأةِ لسرعة بديهتها في استحضار الآية، أم من الرجلِ في استنباط اللمسة البيانية من الآية واتخذها حجة مقنعة!سوقُ الوراقين ملتقى الأدباء والشعراء والمؤرخين والفلكيين والفلاسفة والأطباء، والصعاليك والمجانين والجواري والشرفاء والعبيد، والزُهَّاد، والمتصوفة، والسكارى، والباعة المتجولين، لكنه منتظم، كلٌ يعرفُ دورَه ويلزم حدودَه. إنها الفوضى المنظمة، وهيبةُ الدولة حاضرةٌ متمثلة في الشرطة العباسية بزيهم الأسود المهيب وعصييهم وكلابهم يجوبون السوقَ وسط الناس.
قلت ليوسف: يوسف أيها الصديق، إذهب وزدونا بأخبار ابي دلامة، وسوف أنتظرك هنا قرب هذه الصرافة، صرافة (سليمان الصيرفي) قال يوسف عبارته المشهورة (يا ستار أستر!!) ثم اختفى وسط الزحام لإنجاز المهمة. لاحظتُ على يوسفَ نشاطًا ورغبةً، وهذا شيءٌ غريب أن يتحمسَ لمقابلة الناس وهو ليس من هذا النوع، فهو متحفظ، يُفضلُ العزلةَ على مخالطة الناس، يقول إنه يتجنب أذاهم، ذكرتُ له اكثرَ من مرة الحديث النبوي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من المؤمن الذي لا يخالطُ الناسَ ولا يصبر على أذاهم”.. هذا الحديث يشير إلى أن مخالطةَ الناسِ والصبرَ على ما يسببه ذلك من أذى، خيرٌ من العزلةِ وعدم مخالطة الناس. ولكنه كان يقول لي، هذا الحديث يؤكد لي أن الأذى من الناس حقيقة موجودة.
سوقُ الوراقين في بغداد فيه مختلِف العلوم؛(التراث الإسلامي، والأدبي والتراجم والسِّيَر، وكتب الكيمياء، والفلك، والطب والجبر والفلسفة، والتاريخ..الخ) لو كان هذا موضوعنا لكتبت لكم عن هذا السوق بقدر ما فيه من مداد. جاء يوسفُ بعد غيبة قلت له: (من طوّل الغيبات جاب الغنائم) ثم سألتُه: ماذا عن ابي دلامة؟ قال: المهرّج الذي داهن الخلفاءَ وأخذ أموالهم؟ لم يكن أبو دلامة يتحرج من ذم نفسه إذا وقع في مأزقٍ يضطره إلى ذلك، فقد دخل مرة على الخليفة المهدي وعنده أكابرُ رجال الدولة والأسرة العباسية، فقال له المهدي: “أنا أعطي الله عهدًا لئن لم تهجُ واحدًا ممّن في البيت لأقطعنّ لسانك، فنظر أبو دلامة إلى الحضور فقال في نفسه: (ما هذه الورطة؟ إنَّ الأميرَ يطلبُ مني أن أهجوَ واحدًا من الحاضرين، وكلهم من آل العباس، الاسرة الحاكمة، وإلا فإن الأميرَ سوف يقطع لساني!!) فنظر إليه القومُ وغمزه كلُّ واحدٍ منهم بمعنى (أرجوك ليس أنا، فاهجو غيري) قال أبو دلامة فعلمتُ أنّي قد وقعتُ، وكيف المخرج؟ فلم أرَ أحدًا أحقّ بالهجاء مني، من هجائي نفسي، فقلتُ:
ألا أبـلـغ إليـك أبـا دلامـة
فليس من الكرام ولا كرامة..
إذا لبس العـمامـة كان قرداً..
وخنزيراً إذا نزع العمامة..
جـمعت دمامة وجمعت لؤماً..
كـذاك اللـؤم تتبعه الدمامة..
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا..
فلا تـفرح فـقد دنت القيامة..
فضحك القومُ ولم يبقَ منهم أحدٌ إلّا وأجازه. كان أبو دلامة ذكيًا في اختيار الأوقات التي يطلب فيها حاجتَه من الخلفاء العباسيين. وكان السفاح الخليفة العباسي الأول يحبُ أبا دلامة ولا يرفض له طلبًا.
*ماتت أمُ دلامة*
دخل أبو دلامة على الخليفة العباسي المهدي، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ماتت زوجتي أمُ دلامة، وبقيتُ وحدي، فقال: إنا لله، أعطوه ألف درهم يشتري بها جارية لتعوضه زوجته. وكان في نفس الوقت ارسل زوجته (أم دلامة ) إلى الخيزران زوجة الأمير، وقالت لها يا سيدتي مات أبو دلامة وبقيتُ ضائعة، فأمرتْ لها بألف درهم، فدخل المهدي على الخيزران، وهو حزين، فقالت: ما بالُ أمير المؤمنين قال: ماتت أمُّ دلامة، فقالت: إنما مات أبو دلامة وجاءت ام دلامة واخبرتني فأمرت لها بألف درهم! فقال: قاتل اللهُ أبا دلامة وأم دلامة، قد خدعانا والله..
إن مشاكسات وطرائف أبي دُلامة كثيرة لافتة، لقد دعاه أميرُ الكوفة (روح بن حاتم المهلّبي) ذات مرة إلى النزول في حلبة القتال أمام أحد الفرسان، فرفض أبو دُلامة لأنه لم يكن يدري ما القتال وما الطعان ولا الضراب وخاف وارتعد، لكن الأميرَ أصرّ، فلما رأى أبو دُلامة إصرار الأمير قال: “إني جائعٌ فأطعمني، فدفع إليه خبزاً ولحماً، وتقدّم نحو الرجل فتقدم الرجل لمبارزته فقال له أبو دلامة: إصبر يا هذا أيّ محاربٍ تراني؟ ثمّ قال أتعرفني؟ قال الفارس لا أعرفك، فقال أبو دلامة: وهل انا عرفك؟ فقال المحارب لا تعرفني قال: فما في الدنيا أحمقُ منّي ومنك، ودعاه للغداء، فتغدّيا جميعاً وافترقا فسأله القائد عمّا فعل، فحكى له القصة فحدّث وضحِك ودعا له.
إسم أبي دُلامة (زند بن الجون الأسدي) هو شاعرٌ ساخرٌ، من الشعراء السودان، عاش في العصر العباسي، وُلد في الكوفة العراق وتوفي سنة 777 رحم الله أبا دلامة.
الحلقةُ القادمة، حلقةُ الوداع، نختتمها بأميرٍ عباسي سوداني، وندخل المطاعمَ في شارعِ الرصافة لنأكلَ الخشكناجة والفالوذج واللوزينج والمطيرة ثم إلى الجسر ونظرة أخيرة إلى بغداد. فابقوا معنا يوسف وانا..
10 يونيو 2025م


