أعمدة الرأي

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب في حضرة القانون والوطن

 

 

قراءة في مبادرة: “توازن السلطات بين الشرطة والنيابة في قانون الإجراءات الجنائية”

 

حينما تتعانق الغيرة الوطنية الصادقة مع الرؤية القانونية المستنيرة، يُولد الحوار من رحم الانتماء، ويغدو النقاش جسراً نحو البناء، لا منصة للتجاذب أو التفكك. ومن هذا المنبع الأصيل انطلقت مبادرة “توازن السلطات بين الشرطة والنيابة في قانون الإجراءات الجنائية”، تحمل في مضمونها وعنوانها قضيةً شائكة لكنها نبيلة، وتطرح إشكالاً دقيقاً لكنه جوهري في صلب العدالة الجنائية.

 

هي مبادرة لا تنبع فقط من حرص على مؤسسة بعينها، بل من ولاء أعمق لفكرة الدولة المتوازنة، حيث تتكامل سلطاتها لا تتنازع، وتتوزع مهامها لا تتقاطع، وتُصان فيها الحقوق دون أن يُمسّ بجلال الواجب.

 

أُشيد بهذه المبادرة المباركة، التي انتصرت للقانون، وجعلت منه المرجع والفيصل، لا الأهواء ولا التصورات المسبقة. وأثمِّن عاليًا الطرح الراقي والهادف الذي التزم بالضوابط القانونية والنقاشات المهنية، بعيدًا عن التعميمات المرسلة أو الانفعالات العابرة. لقد جاء موضوع التوازن بين الشرطة والنيابة ليطرح أسئلة كبرى تتعلق بوظائف الدولة، ومفاتيح العدالة، ومواطن التقاطع والتكامل بين جهتين سياديتين في صلب عملهما.

 

وقد كان لافتًا — ومُبهرًا بحق — ما قدّمه السادة الضباط المشاركون من مداخلات مكتوبة وشفهية، جاءت بلغةٍ رفيعة، لا تخلو من العمق العلمي والوضوح المنهجي، تَكلَّموا فيها بلسان العالم العارف، والفقِيه القانوني المتمرس، فدلّت كتاباتهم وأقوالهم على سعة إطلاع، ودقة تحليل، وقدرة على التناول الرصين الذي يوازن بين النص والواقع، وبين القانون والممارسة.

 

أما المجموعة المشرفة على هذه الحلقة الحوارية، فقد أدّت دورها باقتدار ومسؤولية، وأثبتت أن التنظيم ليس مسألة تقنية فحسب، بل هو صورة من صور احترام العقول والوقت والرسالة.

فقد تولّت بوعي:

 

متابعة سير النقاش وضبطه ضمن الإطار العلمي والمهني.

 

رصد المشاركات بعين دقيقة لا يغيب عنها التفصيل ولا تغفل عن الجوهر.

 

إعداد تقرير ختامي شامل، يُلخّص الأفكار، ويُبرز التوصيات، ويحفظ للفعالية قيمتها المرجعية.

 

تحديد الزمن وتقنين المداخلات بما يتيح للآراء أن تُقال دون أن تبتلع إحداها الأخرى.

 

 

وما أجمل تلك اللوحة التي رُسمت من خلال حرية النقاش المسؤول، حين امتزجت الآراء القانونية بالتجارب الميدانية، واجتمعت في القاعة قاماتٌ علمية وقيادية، لا يجمعها سوى الغيرة الواعية على المؤسسة، والحب النبيل للمهنة، والرغبة الصادقة في التطوير.

 

لقد كان التنظيم أنيقًا، مُتقَنًا، محسوبًا في تفاصيله، ينم عن عقولٍ تحترم الفكرة، وتُعلي من شأن الكلمة. وبدت مضابط الحوار كأنها وثيقة وعي وضمير، لا مجرد تسجيل لحلقة، بل توثيق لمرحلة، وشهادة على أن أبناء هذا الوطن قادرون على الإصلاح من داخل البيت، بالحوار لا بالصراخ، وبالاقتراح لا بالتحريض.

 

في زمن تتلاطم فيه الأصوات، وتختلط فيه النيات، تبقى مثل هذه المبادرات شاهداً على أن الغيرة القانونية الصادقة، حين تُضبط بالعقل، وتُدار بالعلم، وتُصاغ بالمهنية، تكون أعظم أدوات الإصلاح وأصفى أشكال الانتماء.

 

فلتحيَ هذه المبادرة، ولتُكرَّم عقولها ومُقترحوها، ولتكن دافعًا لمزيد من الحلقات التي يُقال فيها الحق بلسان القانون، ويُحمى فيها الوطن بالعقل، وتُبنى فيها المؤسسات بالحكمة.

زر الذهاب إلى الأعلى