عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان عاد الحبيب المنتظر…

عاد الحبيب المنتظر، وعادت معه الروح إلى جسد الشرطة السودانية، وعاد الأمل ينبض في شرايين الوطن الجريح. عادت كلية الشرطة، ذلك الصرح العتيق الذي ظل لعقودٍ مدرسةً للرجال وللقانون، ومنارةً للانضباط، ومصنعًا للقادة الذين ما توانوا يومًا عن أداء الواجب، مهما اشتدت الخطوب.
لقد أُغلقت أبواب الكلية قسرًا حينما تسللت المليشيا إلى قلب الخرطوم، فدنّست الميادين التي عرفت عزف الأقدام تحت أشعة الشمس، وانتهكت القاعات التي شهدت دروس القانون والعدالة والولاء، وحوّلتها إلى زنازين ومعتقلات. كانت لحظةً عصيبة في ذاكرة الوطن، كأنما أصابت الكلية لعنةٌ من دخان الحرب وغبار الخيانة.
لكن الخرطوم… هذه المدينة التي لا تموت، عادت ونفضت عنها رماد الحريق، وعادت معها الكلية، وعادت معها ذكريات “التعلُمجية”، ملوك الشمس الباترة، وصحبة.. البذل و العطاء.. الشرف والانضباط، أولئك الذين تمرّسوا في ميادين التضحية والانضباط. ذهب زمن المليشيا كما يذهب الوباء، وانمحت ذكراهم كما يُمحى الطيش من دفاتر العقلاء، وبقيت كلية الشرطة – برموزها، وشرفها، وتاريخها – باقيةً أبد الدهر.
إن فرحتنا بعودة الكلية لا تقتصر على فتح أبوابها من جديد، بل تتجاوز ذلك إلى الأمل في نهضةٍ شاملة، تعيد تشكيل بنيتها التعليمية والتدريبية بما يليق بالمرحلة الجديدة. واليوم، وقد عادت الكلية إلى أحضان الوطن، فإن مرحلة ما بعد الحرب تفرض علينا أن نكون أكثر جرأة، وأكثر وعيًا، وأكثر إصرارًا على التغيير والتجويد. وهذا ما وعدت به قيادة الشرطة في اجتماعها الأخير، حين أكدت على ضرورة إحداث نقلة نوعية تواكب التحديات، وتستشرف المستقبل بخطى واثقة.
نعم، نحن ننتظر كلية شرطة جديدة، تُبنى على تراكم الخبرات، وتنفتح على العالم، وتستعيد موقعها الريادي في تخريج الكوادر المؤهلة علمًا وسلوكًا.
وفي هذا السياق، ومن موقعي هذا، وبإيمان راسخ برسالة هذه الكلية، وتقديرًا لدورها في بناء الإنسان الشرطي، أعلن بكل وضوح وصدق: إنني على أتم الاستعداد لوضع خبرتي وتجربتي الشرطية، التي راكمتها داخل السودان وخارجه، وفي كبريات الشركات الوطنية، رهن إشارة إدارة كلية الشرطة، دون حاجة لإعادة للخدمة، أو مرتب، أو مخصصات. ذلك لوجه الله تعالى، ووفاءً لهذا الوطن، وتقديرًا لمؤسسة الشرطة التي أفخر أنني كنت يومًا أحد أبنائها.
عاد الحبيب المنتظر، فلنحسن استقباله، ولنكن جميعًا على قدر المسؤولية، ولنكتب معًا فصلًا جديدًا في تاريخ هذه الكلية العزيزة… فصلًا نقيًا ناصعًا، يليق بأرواح الشهداء، وبصبر الرجال، وبأمل الأجيال القادمة.
٢٤ يونيو ٢٠٢٥م


