أعمدة الرأي

عميد شرطة (م)  عمر محمد عثمان يكتب أستفتاء من نوع آخر 

بسم الله الرحمن الرحيم

أعلنت القوات المسلحة السودانية عن نشر كشوفات المتقدمين للإلتحاق بالكلية الحربية الدفعة (٧٠)، ممن اجتازوا الشروط الأساسية، وبلغ عددهم أكثر من ألف متقدم، وهو بالطبع ليس العدد الكلي، وإنما فقط من استوفوا الشروط المطلوبة.

 

ورغم عدم توافر إحصائية دقيقة عن العدد الكلي للمتقدمين، إلا أن التقديرات تشير إلى أنه ربما يتراوح ما بين ثمانية إلى عشرة آلاف متقدم، وهو رقم كبير يعكس حجم الإقبال على الانضمام للقوات المسلحة، رغم ما يحيط بعملية التقديم من صعوبات أمنية ومشقة في التنقل والإجراءات في ظل ظروف الحرب.

 

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى كأنه مجرد إجراء روتيني مرتبط بدورة التجنيد السنوية، لكن النظرة المتأنية تكشف أن ما يحدث في الحقيقة هو استفتاء شعبي غير معلن على مكانة القوات المسلحة في وجدان السودانيين، وعلى الخيارات الوطنية التي يختارها المجتمع في هذا المنعطف التاريخي.

 

قرار التقديم للكلية الحربية ليس قرارًا فرديًا في الغالب، بل يخضع لمشاورات بين الشاب ووالديه وبعض أقاربه وأصدقائه، لما يترتب عليه من التزامات ومسؤوليات جسيمة. وهذا يعني أن كل اسم في الكشوفات يمثل رغبة جماعية في الانحياز للجيش، وتصويتًا عمليًا لصالح الدولة ووحدتها في مواجهة التمرد والفوضى.

 

هذا الإقبال يعبر عن إيمان عميق بقدسية القوات المسلحة كمؤسسة وطنية جامعة وحامية للوطن والمواطن. أن يختار الشاب هذا الطريق، ومعه أسرته، رغم المخاطر التي قد تضعه في مواجهة الموت، فهذا في حد ذاته إعلان واضح أن الإرادة الشعبية متماسكة، وأن الانتماء للوطن أقوى من أي دعوات لليأس أو التخاذل.

 

الحرب، مهما طالت، لن تطفئ جذوة الانتماء ما دام هناك من يضع مستقبله وحياته في كفة، وواجبه تجاه بلده في الكفة الأخرى. إن الإقبال على الكلية الحربية الآن هو تصويت حي على قيم التضحية والفداء، ورسالة قوية بأن الجيش ما زال يحتفظ بمكانته في قلوب السودانيين، بل ربما ازداد رسوخًا كخط الدفاع الأخير عن بقاء الدولة.

 

وتبقى كلمات السلام الجمهوري أصدق تعبير عن هذا الموقف:

 

“نحن جند الله جند الوطن

إن دعا داعي الفداء لم نخن

نتحدى الموت عند المحن”

 

هذا الإقبال الكبير رسالة واضحة بأن المجتمع السوداني ما زال يثق في جيشه، وأن السودان ليس أرضًا سائبة، وأبناؤه مستعدون للتضحية في سبيله مهما كانت التكاليف. إنه بحق استفتاء من نوع آخر، استفتاء على بقاء الدولة، وعلى استمرار الجيش كحارس للوطن، وعلى أن الأمل في الغد ما زال حيًا ما دام هناك شباب يختارون أن يكونوا حماة السودان وسنده.

 

و خلاصة القول…

يا بلادي شعبك أقوى وأكبر، مما كان العدو يتصور

 

٤ أغسطس ٢٠٢٥م

زر الذهاب إلى الأعلى