أعمدة الرأي

أُسَيْديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسَيْد يكتب لغو الحرب

 

من السهل أن تبدأ الحرب، لكن من الصعب أن تُنهيها، ومن المستحيل أن تنساها. ولسهولة الحرب يمكنك ان تبدأها بكلمة، أول معركة في تاريخ البشرية والتي راح ضحيتها سدسُ سكان العالم،كان بدايتها كلام و هي المعركة التي وقعت بين قابيل وهابيل، سدس سكان العالم، لأنَّ في ذلك الوقت لم يكن يسكنُ الأرضَ- من البشر- غيرُ ستة أشخاص فقط هم: أبونا آدم وامنا حواء، وقابيل وتوأمته، وهابيل وتوأمته. إرتكب قابيلُ جريمةَ قتلِ أخيه هابيل، و هذه الجريمة النكراء، كان بدايتها كلام ( القصة بالتفاصيل ،موجودة في كتب التراث )

كل الحروب، في جوهرها وقبل أن تبدأ وتتحول إلى صراعات ومواجهات عسكرية، يكون بدايتها كلام، ثم يستمر اللغوُ عن الحرب بين الناس.

واستطرادًا، أقول: إنَّ كلَ شيءٍ بدايته كلام، أعظم واكبر نعمة- وهي نعمة الإسلام- بدايتها كلام (أشهد ألا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله) وجاء في الحديث الشريف: (ثلاثٌ جدَّهنَّ جد وهزلهنَّ جد، النكاح والطلاق والرجعة) هذه الأشياء الثلاثة- بالرغم من أهميتها وقدسيتها- بدايتُها كلامٌ، وليس مجرد كلام، إنَّما كلام لا رجعةَ فيه، فالواجب حفظ اللسان. ولو أعدنا الاحاديثَ المكتوبة، فيما تقدم، لطال ذلك ولكن نشير إلىه إشارةً لطيفة ثم نعود إلى ما قصدنا إليه.

إن كان الحديثُ في الدين يُثير الشبهات، فإنّ اللغوَ في الحرب يُثير الإختلافات المذمومة، وتقع بين المختلفين الخصومات والاتهامات. اللغو في اللغة العربية يشير إلى الكلام الذي لا فائدة منه، أو الكلام الذي لا يُعتد به، أو الساقط الذي لا قيمةَ له، فمعظم ما يُقال، في الحرب وعن الحرب، ما هو إلا مجرد لغو، كما أن وسائلَ الإعلام قد تبالغ في نقل الأخبار (آفة الاخبار رواتها) فينشرون معلومات مضللة، ويستخدمون لغةً تحريضيةً تُثير الكراهية بين المجتمعات. وأثر هذا الإعلام المضلل مشاهد في برامج التواصل الإجتماعي- التي نحن منها وفيها- يبدأ النقاش بكلام، ثم تتصاعد التوترات اللفظية، ويتبادل المتداخلون الإتهامات، وتتصاعد وتيرةُ اللغو، هذا اللغو- إذا لم يتم احتواؤه بحكمة- يمكن أن يتحولَ إلى خصومة وقطيعة، وفي بعض المجتمعات قد يكون سببًا في انقسامات وشقٍّ الصفوف

أول ضحايا الحرب هي الحقيقة، فهي تضيعُ بين الاعتداد بالرأي والتعصب للقبيلة وللحزب وللأشخاص، فتسمع الكلام المستفز والتصريحات المضللة والأخبار الكاذبة والإدعاءات الجوفاء والتبريرات المضحكة، مثل أن يقولون (للهاك شهيد، ) (للسرقة غنيمة،) (للاغتصاب سبي،) (وللكذب خدعة مباحة،) (للقتل قضية،) ويقولون (من غلب سلب)وكل هذا امتحانٌ، وعلى المؤمن- إذا امتُحِنَ- صبر واتعظ واستغفر، ولا ينشغل بذمِّ من انتقم منه، فالله حكمٌ مُقْسِطُ.

لا تنخدع بثرثرة من يسمونهم محللين سياسين وخبراء عسكريين ومفكرين استراتيجيين، ومتخصصين في الشؤون الدولية، فكل ما يسعى اليه هؤلاء هو استعبادُك عن طريق إدخال القلق والشكِّ في نفسك، لأنَّ حالات القلق والشك هي التي تستعبد الإنسان. وعندما يستعبدونك، تسهل عليهم قيادتك مع بقية الحشد، ومن يتبع الحشد، لا يمكن أن يذهب لأبعدَ من الحشد.

أنت الخبير وأنت المفكر وأنت المحلل وأنت الذي على حق، فلا تُصدِّق ما يقولون حتى يظنوا انهم هم على حق، حيث إنه اذا سكت أهلُ الحقِّ عن الحق، يظن أهلُ الباطل أنهم على حق. ولا تظن أن ما تمر به حالة استثنائية ،فتقول لماذا أنا؟، فالتاريخ لم يكن يومًا مثاليًا، فهو نسخةٌ معدلة من الحاضر الذي نعيشه بشخوص مختلفة وأحداث متباينةٍ، في حين أن لكل زمانٍ طابعه الخاص، فإنّ الإنسانَ واحدٌ من حيث النوازع الداخلية والعواطف، لاسيما عوطف حب السلطة والتملك.

أختلف مع الذين يعزون قيامَ الحروب إلى إخفاقات جهود السلام و إلى القادة المارقين و إلى غياب العدالة وانتشار الفقر، والإضطرابات، فهذا ليس صحيح، وإن كان صحيحًا، لما توقفت الحروب في هذه الأرض، فلم تخلو فترة من الفترات من قادةٍ مارقين، وغياب عدالة، وفقر، واضطرابات فهاهو الشاعر الجاهلي الأفوه الأودي يقول: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم..

ولا سراة إذا جُهالهم سادوا..

تُهدى الأمور بأهل الرأي ما صَلُحت.. وإن تولَّتْ فبالأشرار تنقاد.

قال هذه الابيات قبل 150 عامًا من البعثة المحمدية، فهل منذ تلك الفترة لم تتوقف الحروب؟ بالطبع لا، فقد عاش العالمُ فتراتٍ طويلةً في سلام بالرغم من سيطرة القادة المارقين على زمام الأمور، ولا زال الناسُ يقولون عن المارقين والجهلاء (شيمة الدهر اصطفاءُ اللئام والتحامل على الكرام، وهمته رفع الخامل الوضيع ووضع الفاضل الرفيع) هذه هي شيمةُ الدهر، فهل شيمته الحرب؟ نحن نخاف من الحرب أكثر من الحرب

الواقع ان الحربَ مكتوبةٌ علينا، فقد سمعت اللهَ تعالى يقول:( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ )سورة البقرة آية 216..

الحربُ مشروعةٌ للدفاع عن النفس والأرض والعرض، ومواجهة الظلم والعدوان وهناك من يقول: إذا اردتَ السلامَ فاستعد للحرب،

واللَّهُ أعلى وأعلم..

5 أغسطس 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى