فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب مكانة المحكمة الدستورية وإدارة القضاء والعدالة في السودان (13)

أدوات ومنهجيات المحاكم في التفسير والتأويل والتحليل لنصوص التشريعات بين قاضي المحكمة الدستورية ومستويات قاضي المحكمة العادية(3)
مفهوم ومعنى ودلالة وأدوات ومنهجيات تحليل النصوص التشريعية .
تحليل النصوص التشريعية، عملية معقدة ذات طابع فني وقانوني وإجرائي، تبدأ من التصور الأولي للمحلِّل – قاضياً كان أم محامياً أم مستشاراً للقانون – الذي يكونه المحلل لبنية النص التشريعي. ثم يتدرج المحلل من بعد ذلك إلى التعامل مع النص التشريعي في إطار منهجي منظم. ووفقاً للتصور الأولي للمحلل، تتحدد الأدوات والآليات التي يستعين بها لتفكيك بنية النص التشريعي، بقدر ما يُمكِن المحلل من فهم غاية ومقصد النص التشريعي فهماً صحيحاً. وبذلك تحليل النص التشريعي، لا يقتصر على مجرد القراءة الحرفية لبنية النص التشريعي اللغوي، بل هو مسار منهجي متعدد المراحل، ينطلق (أولاً) من اللفظ وما يحمله من معانٍ ظاهرية، ومن (ثانياً) السياق الذي يُحيط بالنص ويكسبه دلالات أوسع من الألفاظ ذاتها، وحيث السياق يشمل مختلف الظروف والعناصر المترابطة التي تمكّن المحلل من فهم النص التشريعي في محيطه الصحيح. ومن خلال الجمع بين مستويي – اللفظ والسياق – يصبح المحلِّل قادراً على استجلاء الغاية والمقصد التشريعي الكامن وراء النص.
ومفهوم تحليل النصوص التشريعية (Concept)، هو الإطار الذهني أو الفكرة الكلية التي يُراد من النص التشريعي تنظيمها. ومن حيث المفهوم، عندما المحل يقوم بعملية تحليل النص التشريعي، فهو لا يقف عند الألفاظ فقط، بل يبحث عن ما هي الغاية العامة للنص التشريعي؟ وأي مجال من مجالات الحياة ينظمه النص التشريعي (اقتصادي، اجتماعي، سياسي، حقوقي)؟ وما هو الموضوع الجوهري الذي يدور حوله النص التشريعي؟ فمثلاً نص لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، المفهوم من النص التشريعي: مبدأ الشرعية الجنائية في التجريم والعقاب. وبذلك، التحليل للنص التشريعي هو عملية تفكيك علمي ومنهجي للبنية اللغوية والفكرية والقيمية للنصوص القانونية، بقصد الكشف عن معانيها، وتحديد مقاصدها، وفهم علاقتها بالسياق الدستوري والاجتماعي والسياسي، ثم إعادة تركيبها في صورة قواعد قابلة للتطبيق القضائي والتشريعي.
والتحليل للنص التشريعي له معني (Meaning)، وهي الدلالة المباشرة والظاهرية للألفاظ القانونية الواردة في النص التشريعي، ويرتبط بالقواعد اللغوية، النحوية، والاصطلاحية، أي بمعنى: كيف يُفهم النص التشريعي عند قراءته قراءة لغوية أولية؟ ومثال لذلك: كلمة عقوبة التي ترد في النص التشريعي لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، معناها الظاهر هو الجزاء والعقوبة الجنائية الذي يفرضه القانون على الجريمة. وبالتالي، معنى النص التشريعي هو فعل إدراك النص لا ككتلة جامدة، بل كبنية حيّة متفاعلة مع الواقع. ويجمع بين المعنى الظاهر (منطوق الألفاظ)، والمعنى الباطن أو المقصدي (الغاية والوظيفة). ويتجاوز الفهم اللغوي إلى تأويل النص في ضوء القيم والعدالة.
وكما للنص التشريعي دلالة (Significance / Implication)، ودلالة النص التشريعي أوسع من المعنى، إذ تتعلق بما يحمله النص التشريعي من رسائل ضمنية أو مقاصد تشريعية، وتشمل:
(1) الدلالة اللغوية:
أي العلاقة بين اللفظ وما وُضع له في اللغة.
(2) الدلالة القانونية:
أي ما يقصده المشرّع في السياق القانوني.
(3) الدلالة الاجتماعية والسياسية:
أي ما يعكسه النص التشريعي من قيم وأعراف وتقاليد عليا، وتوازن السلطات، وحماية المصالح. ومثال توضيحي للدلاله من النص التشريعي للقاعدة من القانون لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، دلالته القانونية: حماية الأفراد من التعسف. ودلالته السياسية: تكريس مبدأ سيادة القانون. وبمعنى أشمل، دلالة التحليل للنص التشريعي تكمن في أنه جسر معرفي بين المشرّع والقاضي والمجتمع، ويمكّن من تحقيق التوازن بين النصوص القانونية المكتوبة ومتطلبات العدالة والواقع، ويكشف عن حدود النصوص التشريعية (ما تقوله، وما تسكت عنه، وما تحتمله من تعدد قراءات.
وتوضيح أكثر، نتناول بإيجاز الفارق بين مفهوم ومعنى ودلالة النص التشريعي. المفهوم يطرح سؤال جوهري ما هي الفكرة الكلية التي يعبر عنها النص التشريعي، ونطاقه الفهم العام المجرد. المعنى يطرح سؤال جوهري عن ماذا تقول ألفاظ النص التشريعي بشكل مباشر. ودلالة النص التشريعي، يطرح سؤال جوهري، ما هي الأبعاد التي يقصدها المشرع من النص التشريعي؟ وما هي الرسائل الرسائل الأعمق للنص التشريعي؟ وبمعنى أكثر إيجازاً، المفهوم هو الاطار الذهني، والمعنى هو الفهم المباشر للنص التشريعي، والدلاله هي البُعد المقصدي والقيمي الذي يحمله النص التشريعي.
وبإيجاز معرفي، يمكن القول، التحليل للنص التشريعي هو فن قراءة النص التشريعي، بشكل يجعله يخدم العدالة والناس، لا أن يبقى مجرد كلمات جامدة. وبمعنى إيجازي أوسع وشامل، التحليل التشريعي ليس مجرد جهد في تفكيك الألفاظ أو استجلاء معانيها، بل هو فن علمي وفكري، يسعى إلى تحرير النص التشريعي من جموده، ليصبح أداةً لتحقيق العدالة وخدمة الإنسان. فالنصوص التشريعية للقانون، مهما بلغت دقتها، تظل بلا روح، إن لم تُقرأ بعين العدالة ووجدان المجتمع. وبمعنى آخر مباشر، التحليل التشريعي هو الجسر الذي ينقل النص التشريعي من صمت الحروف إلى فعل العدالة، وتحويل الحرف الجامد إلى معنى يخدم الإنسان.
والأدوات (Tools) لتحليل النص التشريعي، هي مجموعة الوسائل الفكرية واللغوية والمنهجية التي يستخدمها المحلل لفهم النصوص التشريعية وتفسيرها وتأويلها وتطبيقها. أي هي الوسائل الفكرية والمعرفية التي يستخدمها المحلل لتفكيك النص التشريعي، وفهم معانيه، وتحديد دلالاته، وتوجيه تطبيقه.
ومن الزاوية المعرفية لأدوات التحليل للنص التشريعي، يُفهم التحليل التشريعي باعتباره فعلاً عقلياً وفكرياً، يتجاوز مجرد الوقوف عند ظاهر الألفاظ إلى استنطاق المعاني الكامنة خلف النص. فهو عملية تُنتج إدراكاً أعمق للنص التشريعي، وتُوسّع من دائرة الفهم للنص التشريعي، وتبني وعياً معرفياً بالقواعد والمقاصد، بحيث ينتقل المحلل للنص التشريعي من الدلالة اللغوية المباشرة إلى الدلالة الفكرية الأوسع والأكثر عمقاً. وفي هذا السياق، تتجلى أدوات التحليل التشريعي التي تتيح لنقلة المعرفية بصورة موجزة. وبتفصيل إيجازي نتناول الأدوات، ونشير لها من حيث الآتي:
(أولاً) الأدوات اللغوية (Linguistic Tools):
ومعناه البحث في دلالات الالفاظ وفق القواعد النحوية والبلاغية. مثال التمييز بين النص العام والنص الخاص. وفهم معني كلمة مثل الأشخاص، هل تشمل الأشخاص الطبيعيين فقط أم الأشخاص الاعتباريين؟ وقاعدة لا اجتهاد مع صراحة النص.
(ثانياً) الأدوات المنطقية (Logical Tools):
ومعناه عملية استخدام قواعد التفكير والاستدلال العقلي، لفهم النص التشريعي. وأمثلة لذلك، القياس (Analogy) تطبيق حكم على حالة غير منصوص عليها لوجود علة مشتركه. والمقابلة (Contradiction) إذا نص القانون على حكم في حالة يمكن استنتاج حكم مخالف في حالة أخرى. والاستنتاج (Deduction) من القاعدة العامة يُستخرج حكم خاص.
(ثالثاً) الأدوات التاريخية (Historical Tools):
ومعناه الرجوع إلى سياق التشريع وظروفه. وامثله له، مراجعة الأعمال التحضيرية (محاضر البرلمان أو النقاشات). والنظر في الظروف الاجتماعية والسياسية التي صدر فيه التشريع، مثال قوانين الطوارئ تُفسر في سياق الظروف الأمنية التي صدر خلالها.
(رابعاً) الأدوات النظامية أو البنيويه (Systematic Tools):
ومعناه عملية تفسير النص التشريعي في إطار المنظومة القانونية ككل. وأمثلة له؛ ربط نص تشريعي مدني مع نص تشريعي تجاري أو جنائي عند وجود تقاطع بينها. والاستعانة بمبادئ الدستور لتفسير نصوص تشريعات القوانين.
(خامساً) الأدوات المقاصدية أو الغائية (Teleological / Purposive Tools)
معناه عملية البحث في الغاية أو الهدف من التشريع. وأمثلة له؛ إذا نص تشريع القانون على حماية المستهلك، فالتفسير يجب أن يكون لمصلة المستهلك لا التاجر. وفي حالة غموض النص الضريبي، يُفسر النص لمصلحة المكلّف بالضريبة، لأنه (أي المكلّف) الأصل في النصوص المالية.
(سادساً) الأدوات القيمية والفلسفية (Value – based / Philosophical Tools):
ومعناه عملية إستدعاء المبادئ الكبرى والعدالة، حيث المبادئ الكبرى هي الأسس العامة التي يقوم عليها أي نظام قانوني أو قضائي، مثل المساواة، سيادة القانون، وحماية الحقوق. وأما العدالة، فهي الهدف النهائي للمبادئ الكبرى، أي جعل القانون وسيلة لإنصاف الناس وعدم ظلمهم. وبذلك تكون المبادئ الكبرى بمثابة الأساس، والعدالة هي الغاية. ومثال له؛ قاعدة لا ضرر ولا ضرار في الفقه الإسلامي عند غياب النص التشريعي الواضح. وإستناد القضاء إلى المبادئ الدستورية، كالمساواة والحرية لتفسير النصوص التشريعية.
وتبعاً لكل ما تقدم، الأدوات في التحليل التشريعي، ليست آلات جامدة، بل هي مناهج عقلية تُستخدم بتكامل؛ اللغة تحدد الإطار، المنطق يضبط الاستدلال، التاريخ يكشف النية، النظامية أو البنيوية تربط النصوص التشريعية، المقاصدية تحدد الغاية، والفلسفية والقيمية تستحضر العدال.
وتفصيل عملي، نتناول التحليل عند قاضي المحكمة الدستورية وقاضي المحكمة العادية في محكمة الموضوع الابتدائية ومحكمة الاستئناف ودوائر المحكمة العليا في النقض والمراجعة والفحص.
(أولاً) تحليل النصوص التشريعية عند قاضي المحكمة الدستورية:
ينطلق بوضع النص التشريعي في ميزان الدستور، ومن ثمّ يطرح سؤال هل يتوافق النص التشريعي مع المبادئ الدستورية الجوهرية، وهي مبدأ الفصل بين السلطات، حماية الحقوق، سيادة القانون. ومن ثمّ، يبدأ خطوات التحليل للنص التشريعي باتباع خطوات التحليل الآتية.
1. التشخيص البنيوي للنص التشريعي (Structural Analysis/ Structural Diagnosis):
بتفكيك النص التشريعي إلى عناصرة الأساسية: الفاعل، الإلزام، الاستثناءات، الجزاء والعقاب. ومن ثم، تحديد موقع النص التشريعي داخل المنظومة القانونية، بسؤال هل هو نص تشريعي منشئ للحق؟ أم مقيد له.
2. التحليل المعياري (Normative Analysis):
بمقارنة النص التشريعي مع نصوص الدستور مباشرة، ومن ثمّ البحث عن التعارض الصريح أو الضمني. وفحص مبدأ التناسب (Proportionality).
3. التحليل التاريخي والغائيHistorical / Teleological Analysis ):
بدراسة النص التشريعي في ضوء ظروفه التاريخية والسياق السياسي والاجتماعي الذي صدر فيه، وفي ضوء غايته ومقصده النهائي (Purpose – Oriented or Goal – Oriented Interpretation )، بالعودة إلى الأعمال التحضيرية، لفهم قصد المشرع، ومن ثمّ، تقييم ما إذا كانت الغاية التشريعية مشروعة ومشتقة من الدستور.
4. التحليل المقارن (Comparative Analysis):
دراسة كيفية تعامل محاكم دستورية أخرى مع نصوص تشريعية مشابهة، والاستعانة بالسوابق الدولية كمرجعية استرشادية.
5. التحليل الديناميكي Dynamic Analysis)):
بإسقاط النص التشريعي على الواقع السياسي والاجتماعي الحالي، وتوقع تأثير النص التشريعي المستقبلي على الحقوق والنظام الديمقراطي والنظام السياسي في الدولة.
(ثانياً) تحليل النصوص التشريعية عند قاضي المحكمة العادية:
منهجية تحليل النصوص التشريعية عن قاضي المحكمة العادية، إبتدءاً ينطلق من النص التشريعي بفرضية أن النص التشريعي يفترض فيه الصحة والنفاذ، ما لم يُلغّ أو يُقصّ عليه بعدم الدستورية. ومبدأ إقتراض صحة النص التشريعي قاعدة قانون في الاثبات (التدابير التشريعية والتنفيذية والقضائية يفترض فيها الصحة ما لم يثبت العكس). ومن ثمّ، يطرح القاضي سؤال؛ كيف يُطبق النص التشريعي على الواقعة المعروضة؟ ومن هذه الخطوة، يبدأ خطوات التحليل للنص التشريعي باتباع خطوات التحليل الآتية:
1. التحليل النصي البحت (Strictly textual analysis):
معناه عملية قراءة النص التشريعي قراءة حرفية، باستخدام القواميس اللغوية القانونية (لغة القانون)، ومن ثمّ، تحديد نطاق التطبيق من حيث الزمان والمكان والموضوع.
2. التحليل المنهجي (Systematic Analysis):
معناه عملية وضع النص التشريعي في سياق القانون الذي ورد فيه، والتوفيق بين النصوص التشريعية المتصله بالواقعة والموضوع قيد النظر لتفادي التناقض بين النصوص التشريعية.
3. التحليل التاريخي (Historical Analysis):
معناه عملية مراجعة القوانين السابقة أو السوابق القضائية التى استُبدل فيها النص التشريعي أو عدّلها.
4. تحليل السوابق القضائية (Precedent Analysis):
وعي عملية، الإلتزام باجتهادات المحكمة الدستورية، والمحاكم العليا، في تفسير النص التشريعي نفسه، أو نصوص مشابهة.
5. التفسير الضيق أو الواسع (Narrow or broad interpretation):
ومعناه اختيار التطبيق بحسب القواعد التشريعية للقانون؛ ومثال له، تفسير النصوص الجنائية تضييقاً لصالح المتهم، والنصوص المدنية توسعاً لحماية الحقوق.
وتفصيلاً نشير لعملية التحليل في مستويات درجات المحاكم العادية:
1. قاضي محكمة الموضوع الابتدائية (Trial Court):
يركّز التحليل على وقائع النزاع، وتطبيق النصوص التشريعية مباشرة على الحالة المعروضه، ويلتزم بالمعني الواضح للنص التشريعي ما لم يوجد غموض.
2. قاضي محكمة الاستئناف (Appeal Court):
يتسع التحليل عنده، ليشمل مراجعة سلامة تفسير النصوص التشريعية، وسلامة تقدير الأدله من قاضي المحكمة البداية (قاضي محكمة الموضوع الابتدائية).
3. قاضي دوائر المحكمة العليا في النقض والمراجعة والفحص Judge of the Supreme Court Chambers (Cassation, Review, and Examination:
التحليل في المحكمة العليا، يغدو أكثر تجريداً، إذ ينصب على مدى صحة وسلامة تطبيق القواعد التشريعية للقانون، وتفسيرها بما يضمن وحدة الاجتهاد القضائي، واستقرار القاعدة التشريعية للقانون.
وللحديث بقية، نتناول فيه إضاءات معرفية عن عقل وأدوات المحامي في التفسير والتأويل والتحليل للنصوص التشريعية أمام قاضي المحكمة الدستورية ومستويات قاضي المحكمة العادية، لإصدار الاحكام والقرارات القضائية
فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
06 سبتمبر 2025م


