الرسوم الجامعية تلك ذبحة آخري بقلم محمد خلف

أكتب اليوم انتقاماً لصديقي، لكن مِن مَن؟ أو من ماذا بالضبط؟ لا أدري ، فصديقي لم يستطع إتمام دراسته لأنه أراد أن يدرس هندسة المعمار المولع بها منذ صغره، لكنه لم يستطع لأن مجموع تحصيله في الثانوي كان أقل من درجة الدخول لكلية الهندسة العمارية بفارق 0.03، نعم.. هذا الفارق الضئيل حرمه من تحقيق حلمه الذي ما زال يبكيه بعد مضي أكثر من عشرون عاماً ، و لم يكن لديه القدرة المالية لدخول جامعة خاصة انذاك ، أما الآن فلم يعد لديه الوقت لاستكمال حلمه، بعد توجهه لعمل خاص يديره بعيداً عن ما أحب أن يدرس. ولما حدثني عن سكنه الجديد الذي شرع في بنائه، وهو منزل العمر ، أوصيته أن يعتمد على مهندس معماري ليضع التصاميم ، فأجابني بخيبة أمل: (لقد أصبحت لا أحب المهندسين المعماريين).
وإذا ما نظرنا إلى المبالغ الفلكية التي طرحتها الجامعات بعد نتيجة القبول الأخيرة فيمكن القول أننا نعيش أسوأ حقبة زمنية على صعيد التعليم، وعلى الصعيد العلمي بالأخص ، لكونه الأخطر على المجتمع فهو أداة التطور والبناء ، وعلى الرغم من محاولات بعض الأسر إنقاذ نفسها من الحضيض الذي وصلت إليه بسبب الحرب إلا أن الأرقام الفلكية لمبالغ الكليات العلمية فاقت كل التوقعات هذا في القبول العام أما الخاص فحدث. كل هذا في بلد أصبحت فيه المؤسسات التعليمية هشة وغير مفيدة، غلب فيها تطوير الشكل على حساب المضمون، ومازال شبابنا غارقاً في دوامة هذا الانفصال بين الواقع الاجتماعي والتعليم لسنوات طويلة خلت من ضمنها ثلاثية الحرب هذه ، ينتظر الحلول التي ليست من صلاحياته التدخل بها رغم درايته الكاملة حولها.
يتجلّى تخلفنا الذي يعانى منه الشباب َ في عدّة مظاهر مثل فقر الوسائل التعليمية واعتماد التلقين َ للمناهج كما هي مطبوعة في الكتب تماماً، فلا وجود للمختبرات التجريبية إلّا شكليّاً ولا وجود لمنهج مهاري تفاعلي إلا بالحد الأدنى وضمن مبادرات فردية لا ترقى حتى الآن لمستوى الاستراتيجية المكتملة للدولة ، حتى أن انتقال التدريس للشكل التفاعلي لم يتجاوز استبدال السبّورة بجهاز (البروجكتر) ، وما زالت المختبرات في أغلب الجامعات تحتوي تجهيزات قديمة أسست يوم أسست الجامعة نفسها، بالإضافة إلى الأعداد الهائلة للطلاب في الكليات العلمية مما يجعل من الصعب حصولهم على المعرفة التجريبية بالنسبة لعدد التجهيزات القليل، فيكتفى غالباً كما نقل لي أحد مدرسي الجامعات بأن يدخل الطلاب “ليتفرجوا” على المعدات التي في المعمل مع التأكيد على عدم السماح لهم بلمس أي شيء ، وليست الفروع النظرية بأفضل حال من أخواتها العملية، إذ لا تقل معاناتها من حيث عدد الطلاب الكبير وغياب منهج البحث العلمي الضروري للسماح للطالب بوضع يده على المعرفة دون أن يتلقنها شفاهة كما يتلقن قصص الأجداد ، وهنا تبرز لدينا مشكلة اخرى وهي عدم تطوير المناهج وبقائها لسنين طويلة دون تعديل وكأن من يصنعونها يعيشون في عالم منفصل لا يتطور على مدار الساعة كعالمنا، وتبقى الكتب بذات المحتوى ولو تغيّر الشكل من الطباعة السوداء إلى الملوّنة، حتى أن جمود المناهج ذهب إلى أبعد من ذلك حيث بقيت المواد نفسها بمعلوماتها القديمة المكدّسة، وعلى الطالب أن يدرسها كلّها رغم عدم وجود حاجة علمية له بها.
و في ظل هذا التدني لمستوى التعليم أصبحت عبارة “التعليم من أجل الشهادة” مقولة الشباب الشهيرة، فرغم تطور الاتصالات الذي طرأ على البلاد خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلّا أن المؤسسات المعنية مازالت تحتفظ بتقاليدها بما يخص المناهج وأساليب التعليم المعتمدة منذ زمن يبدو لنا غابراً في ظل تسارع التطور العلمي الذي نشهده، وما زال الشباب يدور في دائرة التعليم الأكاديمي المتخلف ونتائجه المعروفة مسبقاً، فنرى الطلبة يحثوّن الخطى ويبذلون الجهود الدؤوبة للتخرج والحصول على معدلات عالية في محتوى تعليمي غير واثقين منه، ويعرفون تماماً عدم جدواه، من خلال المعلومات التي يحصلون عليها.
ينبغي الإقرار أولاً أن الإضاءة على المشكلات التي يعاني منها التعليم والمتعلم لا تمثل لدينا رأياً سلبياً متشائماً، ذلك لأن الحلول موجودة أمام أعيننا جميعاً، ولا تتسم بالتعقيد أو طلب ما ليس يدرك، فهي تتلخص بإجراءات واضحة تبدأ بمنح ميزانيات كبيرة لتطوير الجامعات ووسائل التعليم فيها ليس من جيوب الطلاب ، و تُصرف بشكل فعلي في سبيل إنشاء جيل متعلم يرتقي ببلاده إلى مصاف الدول المتقدمة ، أيضاً تمثل الاستعانة بالكوادر المتعلمة في الخارج في جامعات من الصف الأول، والتي لا يستهان بها في نقل التعليم إلى مستوى آخر، تلك الكوادر التي نراها رافضةً العودة إلى بلادها لأن سوق العمل والمجتمع العلمي برمته لا يتناسب مع كفاءاتها دوناً عن الرواتب البخسة التي يتقاضاها العاملين في المجال التعليمي مقارنة بالدول الأوروبية ودول شرق آسيا، ولا تقتصر الحلول على الجانب المادي فقط، بل تتمثل أيضاً بالسعي لزيادة المؤسسات التعليمية بما فيها الجامعات والمعاهد العالية لتكون قادرة على استيعاب أعداد الطلاب المتزايدة باطراد، وضبط تكاليف الدراسة الجامعية في القطاعين العام والخاص بما يتناسب مع قدرة الفرد الذي يعاني من الأزمات الاقتصادية على تحملها، وفرض نظام المنح الداخلية على الجامعات الخاصة مما يسمح للطلاب المؤهلين وغير القادرين على دفع المبالغ التي تتطلبها دراستهم بخوض المعترك التعليمي دون حاجتهم إلى تغيير توجههم العلمي بسبب قلة إمكانياتهم المادية كما فعل صديقي الذي أصبح يكره الهندسة حتى عندما أراد تشييد منزله.(اجاركم الله).


