دكتور الطيب عبدالجليل يكتب اشكالية تنفيذ الحكم الانتهائي للدعوى الإدارية قيودات النمرة: م ع/ ط إ/ 27/ 2020م لضباط الشرطة المحالين للتقاعد في المعاش بقرارات إدارية العام 2020م (2)

إشكالية عدم تنفيذ الحكم النهائي لضباط الشرطة السودانية المحالين للتقاعد في العام 2020م، واقع عملي لعنوان صارخ لسوء سلوك الدولة تجاه مواطنيها، ونموذج فاضح لاختلال علاقة الدولة بمواطنيها، وبيان عملي لإخلال الدولة الجسيم بالتزاماتها الدستورية والقانونية المقررة في الوثيقة الدستورية الانتقالية لسنة 2019م وتعديلاتها لسنة 2025م. فالمعلوم بداهةً في فلسفة التشريع الدستوري والقانوني، أن تنفيذ الأحكام – سواء كانت قضائية أو شبه قضائية – يُعد واجباً دستورياً والتزاماً مؤسسياً اخلاقياً لا يجوز التهاون فيه، إذ إن الإلزام بتنفيذ الاحكام، يمثل جوهر فكرة سيادة القانون، وعماد الثقة في العدالة.
وما يعنينا في سياق هذه المقالة، هو التنفيذ القضائي تحديداً، الحكم النهائي والبات الصادر من قاضي المحكمة العليا المختص بنظر الطعون الإدارية في الدائرة الإدارية في المحكمة العليا، والقاضي بأعادة 199 ضابط من أصل 377 ضابط، والذي لم يجد سبيله إلى التنفيذ رغم اكتسابه الحجية القطعية. وتغريده عرضية خارج النص قليلاً، المتأمل في مسار الدراسات القانونية في السودان – سواء في الجامعات أو في المعاهد المتخصصة أو في الدراسات العليا – يلاحظ هيمنة المصريات وتأثيراتها الكبيرة على مدونات أدبيات القانون في السودان، تأثراً بنمط النسق المصري والبحرأوسطي شمال أفريقيا في المغرب العربي، نقلاً واستنساخاً لأدبيات القانون فيها، دون تأسيس مرجعية تحليلية سودانية، تعبّر عن واقع حاضر المجتمع والدولة في السودان لتستشرف آفاق المستقبل، بتغذية العقل الجمعي، لترسيخ ثقافة العدالة كقيمة مجتمعية ومؤسسية.
وبرهان واقعي، نشير لقضية عدم تنفيذ الحكم النهائي لضباط الشرطة الـ 199 ضابط، بحجة الدفع بإستحالة التنفيذ. فهي تمثل نموذجاً عملياً كاشفاً لضعف ثقافة القانون في السودان، لغياب الإحساس المؤسسي لمعنى الخضوع لسلطان القانون واحترام القضاء. فالتنفيذ للاحكام في الفقه والفكر القانوني، هو الامتحان الحقيقي للعدالة، إذ لا تُقاس العدالة بما يُكتب في الأحكام، بل بما يُنفذ منها. وبالتالي، الأحكام بشقيها القضائي وشبه القضائي، ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق الحقوق وردّ المظالم، وإعادة التوازن القانوني بين الأفراد من جهة، أو بين المواطن والدولة من جهة اخرى. وبحسب بعض الفقه والرأي، يسمي أصدار الاحكام وتنفيذها، بالعدالة التصحيحية التعويضية. ومن ثم، مرحلة التنفيذ للأحكام هي المعيار الكاشف لجدوى النظام القانوني نفسه؛ إذ أن غياب التنفيذ دون مبررات معقوله ومقبوله ومعتمدة وموثقة من القضاء على سند صحيح من الواقع والقانون، يُحوّل الأحكام إلى نصوص أدبية فاقدة للحياة، ويصيب مبدأ سيادة القانون بالعجز العملي.
وللربط الموضوعي والتحليلي، نتناول تننفيذ الاحكام القضائية واستحالة التنفيذ، بيان سردي لهما:
(أولاً) الإطار الفلسفي لفكرة التنفيذ القضائي:
———————-
يقوم التنفيذ القضائي – في جوهره – على مبدأ خضوع الدولة للقانون، وخضوع جميع سلطاتها التنفيذية والتشريعية لرقابة القضاء وأحكامه. فالقضاء لا يستمد سلطته من سلطة بشريه عليا، بل يستمده من الدستور ذاته الذي يمنحه الحق في الفصل في المنازعات وإصدار الأحكام الملزمة. وبذلك، يصبح تنفيذ الحكم القضائي التزاماً دستورياً قبل أن يكون إجراءً قانونياً.
وفي الفلسفة والفكر القانوني الحديث، يُنظر إلى التنفيذ باعتباره المرحلة التي تنتقل فيها العدالة من النص التشريعي إلى الواقع، ومن الفكرة إلى الفعل. فالقانون من دون تنفيذ، هو وعدٌ مؤجل بالعدالة، والدولة التي تتقاعس عن التنفيذ، هي دولة تفرّط في أهم عناصر وجودها الشرعي، ألا وهي الثقة العامة في مؤسساتها. ولذلك، فكرة التنفيذ للأحكام القضائية في الاطار الفلسفي لفكرة تنفيذ الاحكام القضائية، يرتكز على الآتي:
1. العدالة كغاية للتنفيذ:
———————-
في الفكر القانوني والفلسفة السياسية، العدالة لا تتحقق بالحكم، بل بتنفيذه. وبالتالي، الحكم القضائي لا يُجسّد العدالة، إلا متى صار الحكم نافذاً في الواقع. ولذلك، يرتكز التنفيذ القضائي على فكرة فلسفية أعمق، وهي تحقيق التوازن بين الحق والواجب، فحقّ الفرد في التقاضي، يقابله واجب الدولة في ضمان نفاذ الحكم. فالحكم هو الذي يحدد الحق، لكن التنفيذ هو إعادة التوازن فعلياً في الواقع. وبناء عليه، التنفيذ عدالة تصحيحية تعويضية، تُعنى بردّ الحقوق إلى أصحابها، حينما يُصاب التوازن بالخلل وبمطل ردّ الحق، أي إعادة التوازن بعد الظلم والجور. وهذه الأخيرة – العدالة التصحيحية التعويضية – هي الأساس الفلسفي لفكرة القضاء والتنفيذ القضائي في الفكر القانوني الحديث. لأن العدالة لا تتحقق بالقول أو بالقرار، بل بالفعل الذي يُعيد المساواة بين الأطراف. وفي هذا الإطار، يمكن القول، أن التنفيذ القضائي تجسيد أخلاقي للعدالة، لأن الحكم يعبّر عن العدالة النظرية، وبينما التنفيذ يحقق العدالة العملية.
2. الدولة كضامن للعقد الاجتماعي:
———————-
في النظرية العقدية للعقد الاجتماعي – الدستور- الدولة نشأت لتكون الضامن الأخير للحقوق.
وإذا كانت السلطة القضائية تمثل تجسيدًا لإرادة العدالة، فإن تنفيذ أحكامها هو الترجمة العملية للعقد الاجتماعي. وبالتالي، تماطل أو امتناع الدولة أو أي من سلطاتها عن التنفيذ، يعني نكوص الدولة عن تعهدها الأساسي أمام المواطنين، أي انهيار أحد أعمدة الشرعية السياسية ذاتها.
3. التنفيذ اختبار لفصل السلطات:
———————-
فلسفيًا، سلطة القضاء لا تُقاس بقدرتها على إصدار الأحكام، بل بقدرة مؤسسات الدولة على احترامها.
فالتنفيذ هو المنطقة الحرجة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، حيث يظهر مدى صدق مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها. وحين تمتنع أو تماطل السلطة التنفيذية عن تنفيذ حكم تصدره محكمة مختصة، فهي – أي الدولة – تمارساً اغتصاباً وظيفيًا لوظيفة القضاء، ما يعني خللاً مؤسسياً في النظام الديمقراطي ذاته.
( ثانياً) البعد الدستوري في التزام الدولة بتنفيذ الأحكام:
———————-
الوثيقة الدستورية الانتقالية لسنة 2019م (تعديل 2025م)، نصّت بوضوح على أن سيادة حكم القانون، أحد المبادئ المؤسسة للنظام الدستوري الانتقالي في السودان. وأن القضاء سلطة مستقلة، لا سلطان عليها في قراراتها وأحكامها. كما أن الوثيقة الدستورية في العديد من احكامها، ألزمت الدولة، بحماية الحقوق، وضمان تنفيذ الأحكام النهائية الصادرة عن أجهزتها القضائية.
ومن ثم، أي امتناع أو مماطلة من السلطة التنفيذية في تنفيذ حكم قضائي انتهائي وباتّ، يُعد خرقاً صريحاً للدستور، وانحرافاً في استعمال واستخدام السلطة، بل يعدُّ اعتداءً على مبدأ الفصل بين السلطات. وهو ما يجعل الدولة في موضع المتهم الصريح، بانتهاك مبدأ المشروعية ذاته الذي يُفترض أن تحميه.
وتفصيل موجز، فكرة التنفيذ للأحكام القضائية في البُعد الدستوري، يرتكز على الآتي:
1. منظور سيادة حكم القانون:
———————-
في النظم الدستورية، الالتزام بتنفيذ الأحكام القضائية، ليس مجرد إجراء إداري، بل واجب دستوري أصيل.
فالدساتير الحديثة – ومن بينها الدستور السوداني الانتقالي (2005م) – نصت ضمن مواد عديده متفرقة، أن لكل شخص الحق في التقاضي وفقاً للقانون، ويكون للجميع الحق في حماية القانون وإنفاذه. وهذا يعني أن الحق في التقاضي يتضمن ضمناً الحق في التنفيذ، إذ لا معنى للحكم دون نفاذه.
2. الفصل بين السلطات كمبدأ ضامن للتنفيذ:
———————-
أي أن الدستور يوزع الاختصاصات، لكنه يفرض التعاون بين السلطات. فالسلطة القضائية هي المعنية بإصدار الاحكام فصلاً في المنازعات والخصومات، والسلطة التنفيذية معنية بالتنفيذ. وعندما ترفض السلطة التنفيذية التنفيذ، فإنها تخرق مبدأ المشروعية الذي تستمد منه وجودها ذاته. ولذلك، المماطلة والتماطل والامتناع عن التنفيذ، اعتداء على استقلال القضاء ومساس بسيادة حكم القانون.
3 . الرقابة القضائية على التنفيذ:
———————-
القضاء الدستوري في فرنسا ومصر والعديد من الدول مقارنة مع السودان، رسّخ فكرة أن الرقابة القضائية، تمتد إلى مرحلة التنفيذ. فلا يكفي أن تصدر المحكمة حكماً؛ بل لها أن تراقب مدى التزام جهة الإدارة بتنفيذه، وتعتبر الامتناع أو المماطلة والتماطل، قرار إداري سلبي امتناعي مخالف للدستور والقانون.
(ثالثاً) الأثر المؤسسي والاجتماعي لعدم التنفيذ:
———————-
عدم تنفيذ الأحكام النهائية، لا يضر فقط بالمحكوم لهم، بل يهدم ثقة المجتمع كله في العدالة. فحينما يفقد المواطن إيمانه بجدوى اللجوء إلى القضاء، تنهار فكرة العقد الاجتماعي بينه وبين الدولة، ويتحول القانون إلى مجرد أداة شكلية بلا مضمون. وفي النظم القانونية الراسخة، يُعدّ التماطل أو المماطلة والامتناع عن التنفيذ، إخلالاً جسيماً بالواجب الوظيفي، ويرتب مسئولية جنائية أو تأديبية على الجهة أو الموظف الممتنع. والمتابع للعديد من الاحكام الدستورية والقضائية في السودان، يلاحظ، ضعف بنية دولة القانون في السودان، وتداخل السلطات، وغياب المساءلة الفعّالة، ما جعل من بعض القضايا والاحكام فيها، وتنفيذ الأحكام، قضية مزاجية، ترتبط بالإرادة السياسية، لا بالمبدأ الدستوري.
وبايجاز تفصيلي، فكرة التنفيذ للأحكام القضائية في الأثر المؤسسي والاجتماعي، يرتكز على الآتي:
1. الأثر المؤسسي:
———————-
يترتب على استحالة التنفيذ أثرٌ مؤسسي مزدوج، يتحدد بحسب طبيعة الاستحالة وغاياتها. فإذا كانت استحالة التنفيذ حقيقية ومعلَّلة، فإنها تعبّر عن مسئولية مؤسسية رشيدة تراعي التوازن بين متطلبات العدالة ومقتضيات الاستقرار العام. أما إذا كانت استحالة التنفيذ مفتعلة أو غير مبرَّرة، فإنها تمثل انحرافاً خطيراً في السلوك المؤسسي لأجهزة الدولة، يُفضي إلى إنكار العدالة وإعادة إنتاج أزمة الثقة بين القضاء والإدارة.
وتوضيحاً، الآثار المؤسسية السلبية لاستحالة التنفيذ، تجلياتها في الصور الآتية:
(1) تفكك الثقة المؤسسية: الامتناع عن التنفيذ أو التسويف فيه مطل ومماطله وتماطل، يُضعف الثقة العامة في مؤسسات العدالة، ويحوّل القضاء من سلطة فاعلة إلى سلطة رمزية بلا فعالية، فاقدة للأثر والاحترام.
(2) إضعاف المشروعية التنفيذية: الجهة التنفيذية التي ترفض تنفيذ الأحكام القضائية أو تماطل فيه، بأن لا تنفذ حكم القضاء، تفقد مشروعيتها القانونية، لأن المشروعية، تُستمد من الخضوع للقانون – أي تُفقد نفسها المشروعية القانونية – لأن المشروعية المؤسسية، تُستمد من الخضوع للقانون، لا من التسلط عليه.
(3) تآكل مبدأ المشروعية المؤسسية: امتناع الإدارة عن تنفيذ حكم قضائي أو مماطلتها في التنفيذ، يجعلها ممتنعة ومماطلة لتنفيذ الحكم القضائي، وأرتكبت تعسف دستوري في استعمال السلطة. ما يُعدّ فعل عملها، امتناع، ولا يُعدّ استحالة تنفيذ، وتعسف صارخ في استعمال السلطة، ويقوّض مبدأ سيادة حكم القانون. وبذلك، تتحول جهة الإدارة من خاضعة للقانون إلى سلطة فوق القانون.
وبناء عليه، الأثر المؤسسي الدستوري لاستحالة التنفيذ، يتمثل في طبيعة المبررات التي تُقدَّم لتفسيرها. فإذا كانت استحالة التنفيذ حقيقية ومُعلَّلة، فإنها تعبّر عن مسئولية مؤسسية رشيدة، تُوازن بين متطلبات العدالة ومقتضيات الاستقرار العام، في إطار احترام الدستور ومبدأ سيادة القانون. أما إذا كانت استحالة التنفيذ مفتعلة أو غير مبرَّرة، فإنها تُجسّد انحرافاً مؤسسياً خطيراً، ينحدر بالمسئولية من مستوى الرُشد إلى حالة الإنكار المؤسسي للعدالة، بما يؤدي إلى تقويض الثقة المتبادلة بين القضاء والإدارة، وإعادة إنتاج أزمة المشروعية في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
2. الأثر الاجتماعي:
———————-
(1) نقض العقد الاجتماعي: المواطن الذي يرى أن أحكام القضاء لا تُنفذ، يفقد ثقته في الدولة، بوصفها حامية الحقوق المنصوص عليها في العقد الاجتماعي (الدستور).
(2) تفشي العدالة الخاصة: حين تفشل العدالة المؤسسية، يظهر الميل نحو الحلول الذاتية والقبلية، ما يؤدي إلى تفكك البنية القانونية للمجتمع.
(3) تآكل الشعور بالمواطنة: ترتبط المواطنة ارتباطاً مباشراً، بالإحساس المعنوي والمادي، بفاعلية الدولة في حماية الحقوق وإنفاذ العدالة.
(رابعاً) الإطار الفلسفي والقانوني لفكرة استحالة التنفيذ.
———————-
استحالة تنفيذ الأحكام القضائية Impossibility of Enforcement or Execution of Judgments، من أعمق المسائل الفلسفية في فقه الدستور – العقد الاجتماعي – والقانون الدستوري والقانون المدني والقانون الإداري. لأن استحالة التنفيذ يتقاطع بين منطق عقل العدالة، وواقع السلطة، وبين الحق في التنفيذ، والقدرة على التنفيذ. وتعريف اصطلاحي قانوني؛ استحالة التنفيذ هي الحالة التي يتعذر فيها تنفيذ الحكم القضائي، تنفيذاً فعلياً ومباشراً، بسبب استحالة مادية أو قانونية مطلقة، تجعل التنفيذ غير ممكن في الواقع، رغم ثبوت الحق فيه قانوناً. وبمعنى آخر، تعريف شامل، استحالة التنفيذ في المفهوم التشريعي والقضائي، هي تعذر مادي أو قانوني مطلق في تنفيذ حكم قضائي نهائي، لا يدّ للسلطة فيه، ويُثبت بدليل قاطع، ويُقبل استثناءً لا أصلاً، حفاظاً على مبدأ المشروعية وسيادة القانون.
ومن التعريف: استحالة التنفيذ، تعني وجود مانع مادي أو قانوني، يجعل تنفيذ الحكم مستحيلاً، دون أن يُنسب التقصير إلى جهة التنفيذ. واستحالة التنفيذ، مستمدة من القاعدة الفلسفية في نظرية الالتزامات القائلة: المستحيل لا يُلزم به القانون Impossibilium nulla obligatio est. أي There is no obligation to do the impossible. أو بصيغة أخرى No one is bound to perform the impossible. وهي قاعدة قانونية رومانية كلاسيكية (من فقه القانون الروماني)، تُستخدم في الفقه الحديث للدلالة على أن الالتزام يسقط، إذا أصبح التنفيذ مستحيلاً، بسبب ظرف خارج عن إرادة المدين أو السلطة العامة. وتُعدّ القاعدة أساساً لما يُعرف في الفقه المدني والفقه الدستوري بنظرية استحالة التنفيذ Doctrine of Impossibility of Performance.
وتفصيل ايجازي، فكرة استحالة التنفيذ في الاطار الفلسفي والقانون، يرتكز على الآتي:
1. التمييز المفاهيمي لإستحالة التنفيذ:
———————-
استحالة التنفيذ، ثلاثة أنواع:
(1) الاستحالة المادية Material Impossibility of Execution: وتعني أن التنفيذ أصبح غير ممكن، بسبب زوال محل الحكم، أو تغير تغيير واقعي جذري، كأن يحكم بإعادة عين مملوكة، ثم تهلك أو تُزال نهائياً. ومثال له: حكم بإعادة بناء منشأة، أزيلت نهائياً، أو صودرت نهائياً لمصلحة عامة. هنا، حالة تعذر التنفيذ فعلياً، بسبب انتفاء أو زوال محل التنفيذ، أو تغير الواقع المادي الذي كان قائماً وقت صدور الحكم، بحيث يصبح تنفيذ الحكم بالكيفية التي صدر بها، تنفيذ غير ممكن من الناحية الواقعية أو المادية، دون أن يكون لذلك التعذر سبب قانوني أو إداري مفتعل. فحين يصبح التنفيذ فعلاً غير ممكن، بحكم الواقع – كزوال محل النزاع أو استحالة الإعادة للوضع السابق – تكون استحالة التنفيذ، استحالة مادية:
وتعريف فقهي دقيق، الاستحالة المادية هي العجز الواقعي المطلق عن تنفيذ الحكم، بسبب زوال موضوعه، أو بسبب تغيّر ظروفه المادية، بصورة لا يمكن معها تحقيق غرض الحكم بأي وسيلة معقولة. وبالتالي، الاستحالة المادية، ليست نفياً للعدالة، بل تحويلاً لمسارها، من التنفيذ العيني إلى العدالة التعويضية، أي من إعادة الشيء إلى ما كان، إلى جبر الضرر بقدر الإمكان.
(2) الاستحالة القانونية Legal Impossibility of Execution: وحالته تكون عندما يتعارض التنفيذ مع نص قانوني أو حكم قضائي لاحق أعلى درجة، أو مع مبدأ دستوري مستجد (أي جديد). ومثال له: صدور قانون لاحق يمنع تنفيذ حكم سابق لعدم دستوريته أو لتغيير النظام القانوني. وبمعنى آخر، الاستحالة القانونية، هي حالة تعذر تنفيذ الحكم، لا بسبب مادي أو واقعي، بل بسبب مانع قانوني لاحق على صدور الحكم، يجعل التنفيذ، مخالفاً لنص تشريعي نافذ، أو مخالفاً لقرار ذي قوة إلزامية عامة. بحيث يصبح التنفيذ، متعارضاً مع قاعدة قانونية لاحقة، أو متعارضاً مع مبدأ دستوري واجب الاحترام.
وتعريف فقهي دقيق جامع؛ الاستحالة القانونية، هي امتناع التنفيذ، بسبب قيام مانع قانوني لاحق، يجعل تنفيذ الحكم غير جائز قانوناً، رغم إمكانه مادياً، كصدور قانون، أو صدور قرار عام يُغير المركز القانوني للحق المقضي به. فحين يتعارض التنفيذ مع نص دستوري أو مع مصلحة عليا مشروعة مقررة بنص صريح، تكون استحالة التنفيذ استحالة قانونية.
(3) الاستحالة الإدارية أو المالية Administrative or Financial Impossibility of Execution: وهي التي كثيراً ما تدفع بها الإدارات العامة أحياناً، لتبرير الامتناع عن التنفيذ بدعوى العجز المالي أو ازدحام الإجراءات الورقية أو عدم وجود شواغر اضافية في الوظيفة العمومية. وهذه الحالة في استحاله التنفيذ، لا تُعدّ استحالة حقيقية في الفكر القانوني، بل مخالفة لمبدأ المشروعية، لأن الدولة لا تُعفى من تنفيذ الأحكام، بسبب ضعفها الإداري أو المالي. فهي حالة تعذر التنفيذ وتتعلل بالاعذار، لأسباب تتعلق بقدرات الإدارة، أو الإمكانيات المالية أو التنظيمية للدولة، أو الجهة المحكوم عليها، دون أن يكون هناك مانع قانوني، أو مانع مادي مطلق يمنع التنفيذ.
وتعريف فقهي دقيق: الاستحالة الإدارية أو المالية، هي تعذر التنفيذ الفوري أو الكامل للحكم، بسبب عقبات تنظيمية أو مالية وقتية، دون أن يفقد التنفيذ مشروعيته القانونية، أو يفقد إمكانيته الواقعية مستقبلاً. وبعبارة أخرى، هي استحالة نسبية أو مؤقتة وليست مطلقة، ويمكن تجاوزها بالتدبير الإداري، أو بترتيب زمني أو مالي تعويضي مناسب.
2. المفهوم الفلسفي والقانوني لاستحالة التنفيذ:
———————-
من الناحية الفلسفية والفكرية، مفهوم استحالة التنفيذ، تعكس الصراع بين المثالية القانونية والواقعية السياسية.
فالقانون يفترض وجوب التنفيذ المطلق للأحكام، بوصفه – أي القانون – تجسيداً للعدالة. وبينما الواقع أحياناً، يفرض قيوداً عملية على التنفيذ، ما يدفع بعض فقهاء القانون والرأي للبحث في حدود هذه الاستحالة، ومتى تكون مبررة. وبالتلي، استحالة التنفيذ مأخوذة من أن كل نظام قانوني، يُختبر بقدرته على إنفاذ نفسه، لأن القانون الذي لا يُنفّذ، يفقد طبيعته كقانون. ومأخوذة من أن الاحكام، حينما تصبح حبراً على ورق، تنقلب السلطة القضائية إلى وهم، وتنهار فكرة الدولة الدستورية. ولذلك، الفلسفة القانونية تنظر لاستحالة التنفيذ من زاويتين متكاملتين:
(1) الزاوية الموضوعية: فهي ترى أن التنفيذ هو الحلقة الأخيرة في تحقيق العدالة، وأي استحالة فيه تمثل تحدياً للعدالة ذاتها. فالعدالة الناقصة (أي غير المنفذة) هي عدالة منقوصة في قيمتها الأخلاقية والقانونية.
(2) الزاوية الإجرائية: ترى أن الاستحالة لا تُقبل، إلا بشروط صارمة، لأنها تمس جوهر الحقوق. وواقع عملي تطبيقي، القانون والفقه القضائي الإداري الفرنسي، منذ سنة 1873م (قضية بلانكو Blanco)، يعتبر المصلحة العامة، لا تعفي جهة الإدارة من التنفيذ، بل تفرض عليها إيجاد وسائل بديلة (ادارية ومالية).
وبوجه عام، الفلسفة القانونية لاستحالة التنفيذ، تضع حدودًا دقيقة معيارية، أن الاستحالة لا تكون مشروعة، إلا إذا كانت نابعة من الضرورة، لا من الامتناع. أي استحالة التنفيذ، لا تُقبل إلا إذا كانت موضوعية، وليست إرادية من صنع يدّ المحكوم عليه.
(رابعاً) الدلالة القانونية والفقهية لاستحالة التنفيذ:
———————-
(1) دلالة العدالة المنفّذة: يمثل التنفيذ جوهر العدالة في صورتها العملية، إذ لا قيمة للحكم القضائي ما لم يُنفذ. فالعدالة لا تُقاس بما يرد في النصوص التشريعية، بل بما يُترجم منها إلى واقع ملموس محسوس من خلال التنفيذ. وعليه، استحالة التنفيذ لا تعني انعدامه، بل تمثل صورة من العدالة الاستثنائية التي تُعيد المحكمة صياغتها في شكل تنفيذ عادل بديل. وتقوم القاعدة هنا على الانتقال من التنفيذ المادي المباشر إلى التنفيذ العادل الممكن، بحيث لا تُلغى العدالة عند استحالة التنفيذ، وإنما تُجسّد ضمن حدود الإمكان الواقعي.
(2) دلالة سيادة القانون: كل امتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية، يُعدّ مساساً بسيادة القانون، وخرقاً لمبدأ المشروعية الدستورية. ومن ثمّ، يكون البديل الدستوري في حالة استحالة التنفيذ، هو التنفيذ الرمزي أو التنفيذ الإجرائي Symbolic / Procedural Execution. ويُقصد بالتنفيذ الرمزي أو الاجرائي، أن تُبادر الدولة، حتى عند استحالة التنفيذ المادي، إلى إصدار عمل أو قرار تنفيذي رمزي، يُقرّ بالحكم، ويُظهر احترامه. ومثال ذلك: إذا صدر حكم بإعادة موظف مفصول إلى عمله، ثم أُلغيت الجهة التي كان يعمل بها، تلتزم الدولة – بوصفها الضامن لوحداتها الادارية – بإصدار صك قرار يُقرّ، بحق الموظف، وتعويضه إجرائياً، بتعيينه في وظيفة مماثلة في مؤسسة عامة أخرى، أو تعويضه مالياً بما يتناسب مع مركزه القانوني، وما فاته من كسب وضمان اجتماعي (معاش شهري). والأساس الدستوري لبديل استحالة التنفيذ، هو صون مبدأ سيادة القانون وضمان هيبة القضاء أمام الجمهور. وفي حين تتمثل غايته- البديل لاستحالة التنفيذ – تأكيد خضوع الدولة للقانون شكلاً ومضموناً.
(3) دلالة الثقة العامة: يُعد التنفيذ معيار الثقة بين المواطن والدولة؛ فامتناع الدولة عن التنفيذ، يُضعف شرعيتها الأخلاقية. ومن ثم، بديل استحالة التنفيذ هنا، يتمثل في التعويض الاجتماعي، وردّ للإعتبار المعنوي أو الاجتماعي Social Reparation / Restitution morale. ويُقصد به، تعويض العدالة من خلال ردّ اعتباري معنوي أو اجتماعي، كإصدار اعتذار رسمي للمحكوم له، أو إلغاء القرار الإداري المسيء، أو نشر حكم يردّ الاعتبار للمحكوم له. ويستند بديل استحالة التنفيذ إلى فلسفة مفادها؛ أن الثقة العامة تُستعاد عندما تُظهر الدولة إرادة صادقة في الإنصاف، وحتى عند عجز الدولة عن التنفيذ المادي. وتتمثل غاية بديل استحالة التنفيذ، في حفظ الشرعية الأخلاقية للدولة أمام مواطنيها.
(4) دلالة الفصل بين السلطات: يُجسد التنفيذ مبدأ التعاون بين السلطات لا التنازع بينها، إذ إن الامتناع عن التنفيذ يمثل شكلاً من أشكال الهيمنة التنفيذية على القضاء. وعليه، البديل في حال استحالة التنفيذ، هو التنفيذ بالتعاون المؤسسي Institutional Substitution. ومضمونه، أنه إذا عجزت الجهة الأصلية عن التنفيذ، جاز إحالة التنفيذ إلى جهة أخرى داخل الدولة – كوزارة أو هيئة مستقلة – وفق مبدأ التعاون بين السلطات (cooperation des pouvoirs / cooperation of powers). ومن أمثلته: تنفيذ حكم مالي ضد وزارة المالية عبر بنك السودان أو ديوان المراجعة القومي. ويستند هذا البديل إلى الأساس الدستوري القائم على التعاون، لا التنازع بين السلطات. وتتمثل غايته في تحقيق العدالة، دون الإخلال بالتوازن المؤسسي، أو فرض هيمنة لأي سلطة على أخرى.
(خامساً) الأبعاد الدستورية لاستحالة التنفيذ:
———————-
ومفاد البعد الدستوري لاستحالة التنفيذ، أن الحق في الانتصاف الفعّال Effective Remedy مبدأ دستوري ودولي راسخ، يضمن لكل فرد وسيلة فعّالة للإنصاف أمام القضاء، بما يشمل التنفيذ الفعلي للأحكام. وقد نصّ على ذلك العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966م والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948م، حيث ألزما الدولة بحماية الحقوق وتنفيذ الأحكام القضائية.
وبالتالي، البديل لاستحالة التنفيذ في البُعد الدستوري، هو الإنصاف الدستوري والرقابة التعويضية Constitutional / Equitable Remedies. ويُقصد بالبُعد الدستوري لاستحالة التنفيذ، أن تظل للمحكمة الدستورية أو المحكمة الإدارية سلطة إصدار تدابير إنصاف بديلة، مثل: أوامر التسوية الودية الإلزامية، وإحالة المسألة إلى السلطة التشريعية أو التنفيذية لإصلاح الخلل القانوني، أو منح تعويض مؤسسي للمحكوم له عن الأضرار الناجمة عن عدم التنفيذ. ويستند هذا البديل إلى المادة (2/3) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي تنص على أن تتعهد كل دولة طرف بكفالة وسائل انتصاف فعّالة لأي شخص انتُهكت حقوقه، حتى في حال صدور الانتهاك من سلطات رسمية. وغايته؛ ضمان بقاء الحق في الانتصاف قائماً، رغم استحالة التنفيذ المادي، وترسيخ مبدأ المشروعية الذي يوجب خضوع جهة الإدارة للقانون. فامتناع جهة الادارة عن التنفيذ، يُعدّ انتهاكاً مباشراً للدستور، وإخلالاً بمسئوليتها الدستورية. لأن الحكم الذي لا يُنفذ، هو قضاء بلا سلطة. ولأن الدولة، تُسأل عن كل ضرر ينشأ عن امتناعها عن التنفيذ، بوصفه مساساً بسيادة حكم القانون، ومساس باستقلال القضاء.
وبناءً عليه، الأبعاد الدستورية لاستحالة التنفيذ، تمثل الحدّ الفاصل بين المشروعية والضرورة؛ إذ لا يجيز الدستور تعليق تنفيذ الأحكام، إلا عند قيام ضرورة دستورية حقيقية، كحالة الطوارئ أو انهيار النظام العام والأمن العام. شريطة أن يصدر قرار تعليق تنفيذ الاحكام، مسبباً ومحدود المدة، وأن يكون خاضعاً للمراجعة القضائية ضمانًا لعدم التعسف في استعمال السلطة. ومن حيث المسئولية السياسية والقانونية، إذا ادّعت الجهة التنفيذية استحالة التنفيذ، فإن عبء الإثبات يقع عليها أمام القضاء، وعليها فقط، أن تُثبت وجود الأسباب الواقعية أو القانونية أو الاجرائية والمالية المانعة للتنفيذ، التي تعيق وتجعل التنفيذ مستحيلاً فعلاً. فإذا عجزت عن ذلك، عُدّ الدفع باستحالة التنفيذ، امتناع ومطل، وعدّ تعسفًا في استعمال السلطة، وخرقًا لمبدأ سيادة حكم القانون. وفي هذا السياق، يُفرّق الفقه الدستوري بين الاستحالة بوصفها ظرفاً موضوعياً، والامتناع بوصفه سلوكاً سلطوياً.
وعلى العموم، الأصل في الأحكام القضائية هو التنفيذ، فلا تكتمل العدالة، إلا بتحقق نفاذ الحكم. أما استحالة التنفيذ، فتبقى استثناءً ضيقاً، لا يُقبل إلا بشروط صارمة، ووفق قرار قضائي مسبب. ففلسفة تنفيذ الحكم، تقوم على أن العدالة لا تُستكمل إلا بالفعل التنفيذي، الذي يُترجم منطوق الحكم إلى واقع. وأن الحكم الذي لا يُنفذ، هو عدالة منقوصة تفقد معناها العملي. ولا تُقبل دعوى استحالة التنفيذ، إلا حين فقط، يكون التنفيذ ماديّاً مستحيلاً بصورة مطلقة، لا متعذّراً أو مكلفاً ادارياً ومالياً فحسب. ويستقر المبدأ الدستوري على أن الدولة، لا تُعفى من التنفيذ لأنها تملك السلطة، بل لأنها دولة قانون، يفرض عليها الدستور احترام أحكام القضاء والخضوع لسلطانه. ومن ثمّ، الحكم القضائي في جوهره، يجسّد وحدة العدالة والنفاذ والشرعية الدستورية. بينما تمثل استحالة التنفيذ، اختباراً حقيقياً لصدق الدولة في احترام الدستور. ذلك، لأن معيار الدولة الدستورية، لا يُقاس بقدرتها على سنّ تشريعات القوانين، بل بقدرتها على تنفيذ أحكام قضائها ضد نفسها. وكلما تذرعت الدولة باستحالة التنفيذ دون سند حقيقي من الواقع والقانون، ابتعدت الدولة عن منطق الدولة الدستورية، واقتربت من منطق السلطة التقديرية المنفلتة، التي تُقوّض سيادة القانون، وتُضعف الثقة العامة في العدالة. وعليه، قضية ضباط الشرطة الـ 377 المحالين للتقاعد بالمعاش بقرارات ادارية لسنة 2020م، ليست مسألة تخص فئة محددة، بل هي امتحانٌ حقيقي لمدى إيمان الدولة السودانية بمبدأ سيادة القانون، ومدى قدرتها على الانتقال من منطق السلطة إلى منطق العدالة. وللحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
20 اكتوبر 2025م


