أعمدة الرأي

الليلة التي استيقظ فيها “الشبح الشفاف” بقلم: سام حليم – شبكة ب ان ان الاخبارية  

 

بعض الأمسيات تترك أثراً أعمق من غيرها. كان حفل إطلاق رواية “شبح شفاف” للكاتب أسامة رقيعة في معرض الشارقة الدولي للكتاب واحدة من تلك اللحظات التي تجاوزت كونها حدثًا عاديًا؛ لحظة حملت مسحة من السحر الهادئ، كأن الزمن تباطأ ليفسح الطريق لقصة انتظرت طويلاً كي تلتقي بقرّائها.

 

منذ أن وطئت أقدام الضيوف القاعة، امتزج الهدوء بشيء من الترقب. حضر القرّاء وهم يتوقعون حفل توقيع تقليدي، لكن كثيرين منهم أدركوا سريعًا أنهم دخلوا إلى تجربة مشحونة بالعاطفة والذاكرة والتأمل. ها هو “شبح شفاف” يصل أخيراً إلى العالم، بعد سنوات من الأفكار والليالي البيضاء والأسئلة التي لم تشأ أن تغادر. كانت هذه الليلة بمثابة الخطوة الأولى في رحلته نحو أيدي القرّاء وقلوبهم.

 

💥صلة خاصة بين الكاتب وجمهوره

 

كان الهواء داخل القاعة يحمل سكونًا يوقظ الفضول. اقترب بعض القرّاء بحماس، وآخرون بتوقير، لكن جميعهم كانوا مشدودين بخيط خفي واحد. كانت الرواية تعد بخوض رحلة في الفضاء الهادئ بين الحياة والموت—مساحة تتقاطع فيها الذاكرة والقدر وظلال الأفكار غير المعلنة. وحتى قبل فتح الكتاب، شعر كثيرون بأنها تحمل معنى ما.

 

على طاولة التوقيع، استقبل أسامة رقيعة كل زائر بصدق واضح. لم يكن هناك أي حاجز بين الكاتب وقرّائه، فقد كان ينصت، ويبادل كل شخص حديثًا قصيرًا، ويبتسم بتلك الحرارة التي تذيب الرسمية في لحظة. لم يكن اللافت هو عملية التوقيع بحد ذاتها، بل ذلك الاتصال الإنساني الحقيقي الذي وُلد خلال ثوانٍ قليلة. بدت كل محادثة وكأنها تلاقي أفكار، لحظة فهم مشترك بأن الرواية تمسّ شيئاً أعمق من الكلمات.

 

وحيث تمتزج ذاكرات العالم وأحلامه، وجدت الرواية صدى واسعاً. تحدّث القرّاء عن قراءاتهم الخاصة للعنوان: رآه بعضهم رحلةً للروح، ورآه آخرون عبء الماضي الصامت، ورآه آخرون تمثيلاً لغرابة المسارات التي تشكّل من نكون. لقد عكس هذا التنوّع مدى قرب الرواية من وجدان القارئ العربي.

 

💥قصة تحوّلت إلى ذاكرة مشتركة

 

طوال المساء، ظلّ طابور القرّاء يمتدّ، ليس بالضجيج، بل بالصمت المتأمل. كل نسخة موقّعة غادرت المكان وهي تحمل أكثر من توقيع؛ حملت لحظة أو دعاءً أو شعورًا سيبقى مع صاحبها طويلاً. عبرت الطبعة الأولى من “شبح شفاف” إلى مئات الأيدي تلك الليلة، لتصبح جزءاً من ذاكرة مشتركة.

لم يكن ما جعل الليلة مميزة هو الحشود أو الكاميرات، بل تلك النظرات في عيون الناس، نظرات من شعروا بأنهم لمسوا شيئاً ذا معنى. لقد تحوّلت الرواية إلى باب نحو العوالم الداخلية، إلى مساحة تعيش فيها الشكوك والقدر وحقائق صغيرة صامتة تتوارى خلف تفاصيل الحياة اليومية.

ذكّرت هذه الأمسية الوسط الأدبي بأن القصص ما تزال تملك قوة استثنائية: قدرة على إبطاء إيقاع الحياة، وعلى ربط الناس ببعضهم، وعلى دفعهم إلى النظر داخل أنفسهم في عالم لا يتوقف عن الحركة. منح “شبح شفاف” لحظة نادرة من التأمل؛ دعوة لرؤية ما وراء الظاهر، والإنصات لما لا يُقال.

ومع اقتراب نهاية المساء، شعر الجميع بأن شيئاً مهمًا قد حدث. القصة التي عاشت طويلاً في مخيلة أسامة رقيعة وجدت أخيراً موطنها بين قرّاء متنوّعين. لم يكن الحفل مناسبة لعرض كتاب فقط، بل كان إفساحًا للروح الإبداعية كي تتنفس بين الناس، لتوقظ الأسئلة وتبقى في الذاكرة بعد أن انطفأت الأضواء.

 

في تلك الليلة الاستثنائية، لم يصل “شبح شفاف” فحسب،

بل استيقظ — بطريقة إنسانية عميقة — في قلوب من شهدوا ولادته.

زر الذهاب إلى الأعلى