أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد يكتب رجال ونساء لم تسمع بهم على الأرجح (10) الأخيرة (بلعام باعوراء)

قال يوسفُ: لا أدري أأقول لك من هو أم ما هو؟ قلت له: معك حق، لأن (من) تُستخدم- غالبًا- للعاقل وتُستخدم (ما)- غالبًا- لغير العاقل. قال يوسف: الآن من هو؟ أم ما هو؟ قلت: هو الذي نزل فيه قرآن. الاية 175 من الأعراف: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) قال يوسف: والله هذا يبدو من نص الاية أنه (من هو؟ وما هو) لانه انسان ولكنه غير عاقل!!! ولكن قل لي ما قصته؟ قلت: كان يعيشُ في أرض الشام رجلٌ يُدعى (بلعام) وهو من قوم موسى (عليه السلام) وكان حَبْراً من الأحبار، ومن المقرّبين لموسى وعنده الاسم الأعظم لله تعالى، الذي إذا دُعيَ به، إستجاب له بالحال واللحظة، لذلك علَت مكانتُه في قومه، فقصدهُ المرضى وأصحابُ الحوائج والفقراء، فكان يدعوا لهم فيُستجاب دعاؤه. وهكذا علا صيتُه في قوم كنعان، الذين هاجروا من العراق إلى الشام.. قال يوسف: حتى هنا الأمر تمام التمام، ثم ماذا؟ قلت: ثم أن نبيَّ اللهِ موسى- عليه السلام- أرسلَ( بلعام ) إلى الشام ليدعو قومَ كنعان إلى الله تعالى، اي اصبح مثل وصي موسى- عليه السلام- إلى أرض كنعان. ولما وصلَ بلعام الشام ليدعو قوم كنعان، أغرَوْه بالمالِ والمنصب وقالوا له: أنت عندك اسمُ الله الأعظم، فادعوا اللهَ على موسى ليخلصنا منه ومن بني اسرائيل، وهنا عندما عُرِض عليه المالُ والمنصبُ، اغواه الشيطانُ وانحرفَ عن جادة الإيمان، لأن الرجالَ تُغْوَى- عادة- بالمال والنساء والمناصب. قال يوسف: اللهمَّ لا تزغ قلوبَنا بعد إذ هديتنا، ، ثم قال: واصل. قلت: فعلًا، إنحرف بلعام، وقرر أن يصعدَ الجبلَ ليدعوَ على موسى- عليه السلام- وعلى قومه من بني إسرائيل. قاطعني يوسف: على قوم من يدعو؟ قلت: على قوم موسى طبعا، ثم قال يوسف: واصل. قلت له: أين وقفتُ؟ قال: ذهب بلعام بحماره يصعد الجبل ليدعو على موسى وقومه، قلت: لكن حماره لم يستجب الصعود، فأخذ يضربهُ بقوة، وهنا انطق اللهُ- جل جلاله- الحمارَ فقال الحمار: انا لا أوافقك بالذهاب إلى معصيةِ الله تعالى، فكيف تدعوا على نبي الله موسى وقومِه؟ فأخذ بلعام يضربه ويضربه حتى مات. قال يوسف: مات بلعام؟ قلتُ: مات الحمار ياخي، لو مات بلعام لانتهت القصة. قال يوسف: مسكين الحمار! قلت: مسكين بلعام، لأن حمارَه سيدخل الجنة، (قيل إن هناك ثلاثةَ حيوانات ستدخلُ الجنةَ يوم القيامة، وهي: كلبُ أصحاب الكهف وناقةُ صالح وحِمارُ بلعام ابن باعوراء) قال يوسف: يستحق الجنة، لأنه فضّل الموتَ على معصية الله تعالى، ورفض أن يطيعَ بلعامَ بالصعود إلى الجبلِ ليدعوَ على نبي الله موسى وقومه بني إسرائيل، ثم قال يوسف: إن شاء الله يكون رجع بلعام وغير رأيه. قلت: لم يفعل ذلك ولكنه صعد إلى اعلى الجبل، واخذ يدعو على قوم موسى- عليه السلام- فردّ اللهُ تعالى دعاءه، فأصبح كلما يدعو على قوم موسى- عليه السلام- ينعكس دعاؤه على قومِ كنعان، وكلما يدعو إلى قوم كنعانَ بالتوفيق، يذهبُ التوفيقُ إلى قومِ موسى، (عليه السلام، وصار ينطق بغير اختياره وبقيَ كذلك حتى اندلع لسانُه، أي خَرَجَ مِنْ فَمِهِ وَاسْتَرْخَى، وقال: ذهبتْ دنياي وآخرتي، ولم يبقَ سوى الحيلة والمكر. قال يوسف: ماذا تقصد؟ لم أفهم!! قلت: بعد أن اصبح دعاؤه على موسى- عليه السلام- مردودًا على قوم كنعان، قرر بلعامُ أن يغويَ قومَ موسى عن طريق الحيلة. قال يوسف: سبحان المعبود، لم يتعظ ومُصرٌ على المعصية، ولكن ماذا فعل هذا المجرم؟ قلت: أمرَ قومَ كنعان بأن يزيّنوا النساءَ ويُجمّلوهنَّ، ويخرجوهنّ إلى معسكر موسى- عليه السلام- وأن يحمّلوهنَّ بضاعةً ليبيعونّنها لهم في معسكراتهم، وأن يأمروهنَّ بألّا يمتنعن إذا ما طلبهنَّ أحدٌ من رجال موسى- عليه السلام- لأنه إذا زنا أحدٌ من جنود النبي موسى- عليه السلام- فقد انتهى أمرُهم وكُفَّ شرُهم عن الكنعانيين، فهُم سيُعاقَبُون من اللهِ- عزَّ وجلّ- وهكذا ألهى قومَ بني إسرائيل بالنساء. وأمر امرأةً تُسمى (بكشى بنت صور) ان تُغريَ رجلًا من زعماءِ بني إسرائيل يُدعى (بزمري بن شلوم) وكان رأسَ سبطٍ من أسباطِ بني إسرائيل الإثنى عشر، فأعجبَ بها وافتتن. قال يوسف: هذا الكلامُ غير واضح، ماذا تقصد بعبارة (كان رأسَ سبطٍ من أسباط بني أسرائيل؟) قلت: باختصار، السبط من اليهود كالقبيلة من العرب، حيث سُميَ أولادُ إسماعيل قبائل، وأولاد إسحاق أسباطا، واضح؟ قال يوسف: يعني هذا الرجل كان زعيمَ قبيلةٍ من قبائل بني إسرائيل؟ قلت: تمامًا كما قلتَ، قال: إذًا واصل. قلت: اواصل ماذا؟ أنت دائمًا تُنسينى ماذا كنتُ أقول. قال: أنت قلتَ إنَّ هذا الزعيم اغوته امرأةٌ بأمرِ من بلعام. قلت: نعم، فاخذها إلى خيمته فقال له موسى: هي حرامٌ عليك فلا تقربها، لكنه لم يُطعْ نبيَّه فدخل بها، فغضب اللهُ تعالى على بني إسرائيل، فعاقبهم بالطاعون، فماتَ منهم سبعون الفاً، قال يوسف: يا ستار استر!! (اللهم نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم) ثم ماذا؟ قلت: ثم جاء (صحاحُ ابنِ إيراد) أنا سوف أحمل عنك عبء السؤال هذه المرة، وأقول لك: من صحاحُ هذا؟ هو قائدٌ بطل من أبطال بني إسرائيل، كان في سفرٍ، فلما رجع رأى قومَه وقد فتك بهم الطاعونُ، وتساءل عن السبب وعرف القصة، ودخل على خيمة ذلك الزعيم الفاجر ووجد معه امرأةً فقتلهم جميعًا، وقال: اللهم هذا ما فعلتُه بمَن عصاك، فأرنا فعلَك في عدونا واكشف عنّا ما ابتليتنا بسببه. فكشف الله تعالى عنهم عذابَ الطاعون بعد أن قتل منهم سبعينَ الفا.. قال يوسف: لاحول ولا قوةَ الا بالله، إنا لله وإنا اليه راجعون، ولكن ماذا حدث لبلعام بن باعوراء؟ قلت: إرتدَّ وفضّل الدنيا على الآخرة.. فهو أول مَن افتى باستخدام النساء لغواية الشباب، وهذا اصبح منهجًا من مناهج بني اسرائيل، لغواية الشباب المؤمن وإفسادهم إلى يومنا هذا، وظل بلعامُ منبوذاً ونزل إلى الحضيض وأصبح من أصحاب النار. ضحك يوسف وقال: علماً بأنَّ حماره من أصحاب الجنة، سبحان المعبود!! قلت ليوسف: ما هي الفوائدُ الموجودة في هذه القصة؟ قال: الحذرَ- كلَ الحذر- من كيد الشيطان، أُنظر إلى بلعام هذا، كان رجلًا مؤمنًا مقرّبًا من نبيٍّ لتقواه وإيمانه، وأصبح يملك اسمَ اللهِ الأعظم الذي اذا دُعي به استجاب، ويتحول هذا الرجلُ المؤمنُ بغواية الشيطان إلى رجلٍ لعينٍ ينطقُ عن لسان الشيطان الرجيم، وجعله يدعو على نبيِّ زمانه. ونتعلم من هذه القصة بألَّا نأمنَ مكرَ اللهِ، لأن اللهَ قد يُمهلُ الإنسانَ ويعطيه من العلم، فالعلم من أعظم ما يُتَكٓبَّرُ به، ولأجل ذلك، قال الله تعالى لنبييه صلى الله عليه وسلم في سورة الشعراء آية 215: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) وقد يكون العلمُ دليلاً على الاستدراج لا الكرامة، فالعقابُ قد يأتي بغتة. يشير هذا إلى أن المؤمن الحقيقي يبقى في حالة خوفٍ من الله- سبحانه وتعالى- حتى مع الطاعات، فهو لا يشعر بالأمان التام من مكر الله أو الاستدراج. ومن الفوائد أن نتعلمَ ألَّا نكونَ ضعفاءَ امام الاغراء بالمال، وهذا نجده كثيرا أيامنا هذه، نشاهد الرجلَ ينتمي إلى حزبٍ أو جهةٍ، أو حتى إلى الدولة، يدافع عنها بكل قوة معلنًا أنه منهم ويعتزُ ويفتخر بالانتماءِ إليهم ويعلن أنه لم ولن يتخلى عنهم لأن المسألةَ مسألةُ مبدأ وعرف وقيم وأخلاق،ثم بين عشيةٍ وضحاها نراه نكثَ وتحوَّل مائة وثمانين درجةً ويصبح عدوًا مبين، ثم يلعنهم ويصفهم بأقذر الصفات، وليس في صدره ذرةٌ من حرج!! إنَّه المال والمنصب، سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال. لذلك التعوذُ من الشيطان وكثرةُ الذكر وسؤال اللهِ- دائمًا- أن يثبتنا على الإيمان وان يحمينا من الفتن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قصةُ بلعام بن باعوراء من القصص القرآني وذكرها كثير من المفسرين، ومنهم عبدُالله بن عباس رضي الله عنها…
كانت هذه أخر قصة في سلسلة (رجال ونساء لم تسمع بهم على الأرجح..) وحتى سلسلة أخرى، أبقوا معنا، يُوسف وأنا، إن كان في العمرِ بقية..
والله أعلى وأعلم..
18 نوفمبر 2025م


