البحث عن الحقيقة الغائبة (مقاربة إنسانية بين مادونا وفقه أبي حنيفة ) بقلم :كابتن محمد حسن الطاهر

_حين يلتقي صوت الفن مع صوت الفقه في دروب الإدراك الإنساني_
في عالم تتسارع فيه الصور وتتشظى فيه المعاني، يصبح “الغياب” أكثر من مجرد فقدان مادي، بل
– حالة معرفية وروحية.
– فـ”الغياب” هو انعدام الحضور، لا بمعناه الفيزيائي فقط، بل كفقدان للمعنى، للوضوح، للتماسك.
انه تلك اللحظة التي يغيب فيها الشيء عن وعينا، رغم وجوده أمام أعيننا.
*الحقيقة الغائبة :
الحقيقة ليست دائماً ما نراه، بل ما نُدركه. وهنا تتمايز مستوياتها بين :
التشابه (similarity) :
– حين يبدو الشيء كأنه الحقيقة، لكنه ليس مطابقاً لها.
التطابق (coherence) :
– حين تتطابق الصورة مع الأصل، والفكرة مع الواقع.
التسامي
(transcendence)*
– حين تتجاوز الحقيقة حدود الإدراك الحسي، وتصبح قيمة عليا، لا تُدرك إلا بالبصيرة.
*الحكم على الشيء جزء من تصوره*بين الفقه والمنطق :
من القواعد الفقهية قاعدة :
– الحكم على الشيء فرع عن تصوره”.
*التصور* هو الإدراك الأولي للشيء، صورته الذهنية، قبل أن نحكم عليه بالقبول أو الرفض، بالصحة أو الخطأ.
فمن لا يتصور الشيء تصوراً صحيحاً، لا يمكنه أن يصدر حكماً عادلاً عليه.
*مربع المنطق:
لفهم العلاقة بين التصور والحكم، نستعين بـ”مربع المنطق”، الذي يربط بين أربعة أنماط من الأحكام:
الكلي الإيجابي :
– كل إنسان فانٍ.
الجزئي الإيجابي :
– بعض الناس عادلون.
الكلي السلبي :
– لا أحد معصوم من الخطأ.
الجزئي السلبي :
– بعض الناس ليسوا صادقين.
هذه الأنماط تكشف كيف أن الحكم يتأثر :
– بمدى شمول التصور أو جزئيته،
– وبطبيعة الموقف: إثباتاً أو نفياً.
*الانسانية حين يلتقي الفن بالفقه*
تقول مادونا في أغنيتها الشهيرة _Frozen
– *”You only see what your eyes want to see”*
وترجمتها :
(أنت لا ترى إلا ما تريد عيناك أن تراه).
وهذا القول، رغم بساطته، يعكس فهماً عميقاً لنسبية الإدراك، وللغياب المعرفي الذي يعيشه الإنسان حين يُقيّد بزاوية نظر واحدة.
أما *فقه أبي حنيفة* ، فهو فقه أهل الرأي، الذين
– جعلوا *التصور العقلي* أساساً للاجتهاد،
– وراعوا *الواقع الإنساني* في أحكامهم.
لم يكن فقههم جامداً، بل كان إنسانياً، مرناً، يعترف بالحاجة والضرورة، ويوازن بين النص والمصلحة.
*المشترك الإنساني بين الحاجة والضرورة*
في الفقه،
– *الحاجة* هي ما يُفتقر إليه لتيسير الحياة، أما
– *الضرورة* فهي ما لا يُستغنى عنه لحفظ النفس والدين والعقل.
وفي الفن،
– الحاجة إلى التعبير،
– والضرورة إلى المعنى.
كلاهما، الفقه والفن، يسعيان إلى تلبية نداء الإنسان: أن يُفهم، أن يُرى، أن يُنصف.
*خاتمة:
نحو رؤية أكثر إنسانية :
الحقيقة الغائبة ليست دائماً مفقودة، بل قد تكون محجوبة
– خلف حجاب التصورات الخاطئة،
– أو خلف أعين لا ترى إلا ما تريد.
إن مادونا، بصوتها، وأبا حنيفة، بعقله، يلتقيان في نقطة واحدة:
أن نعيد النظر، لا بما نراه، بل بكيف نراه.
أن نعيد تعريف الغياب، لا كفقد، بل كدعوة للحضور.
وأن نبحث عن الحقيقة، لا في صخب الشعارات، بل في صمت الضمير.


