فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب تعيين وإعادة تعيين قضاة متقاعدين للعمل بعقود خاصة ومنح تفويض بسلطات أعلى لقاضي دون ترقية وتعيين مواطنين بمعيار ثقة رئيس القضاء بعقود شخصيه وقرارات إدارية يصدرها رئيس القضاء (3)

بداية مدخل للمقالة، لمواصلة تناول أبعاد إشكالية سلطة رئيس القضاء فى التعيين الخاص المنصوص عليها في قانون السلطة القضائية 1986م تعديل 2005م تعديلات 2015م بإعادة تعيين قضاة متقاعدين بالمعاش متعاقدين بعقود خاصة للعمل قضاة في السلطة القضائية، وتعيين محاميين واساتذة كليات القانون من أعضاء هيئة التدريس بإحدى الجامعات المعترف بها أو تعيين مستشاريين قانونيين من وزارة العدل بعقود خاصة قضاة في السلطة القضائية. وبما في ذلك، تعيين منّ يثق فيه رئيس القضاء من المواطنين ذوى الخبرة والكفاءة، بتعيينه قاضياً خاصاً للمحكمة العامة أو من الدرجة الأولى أو الثانية، ومزاولة العمل القضائى فى أى محكمة جزئية تُحدد له من رئيس القضاء. وعدم جواز الطعن فى قرارات التعيين من رئيس القضاء، المنصوص عليها في المادة 27 من ذات قانون السلطة القضائية. وسلطة رئيس القضاء المنصوص عليها في المادة 17 من ذات قانون السلطة القضائية، بمنح تفويض بسلطات قضائية أعلى لبعض القضاة دون ترقية.
ومواصلة الحديث عن أبعاد اشكالات التعيين وإعادة التعيين ومنح التفويضات من رئيس القضاء، والتي تناولتها المقالتين الأولى والثانية من زاوية دستورية وفقاً للعرف الدستوري الدولي، المتمثل في المعايير الدولية لإدارة القضاء في العالم. وكذلك النصوص التشريعية لدساتير السودان المتعاقبة منذ وثيقة إعلان تقرير المصير والحكم الذاتي للسودان من الحكومة المصرية والحكومة البريطانية 12 نوفمبر 1953م، وحتى الوثيقة الدستورية الانتقالية 2019م تعديل 2025م. ومن زاوية قانونية، المنظم تشريعاً وفقاً لقانون المفوضية القومية للخدمة القضائية 2005م وقانون المحكمة الدستورية 2005م وقانون القضاء الاداري 2005م تعديل 2017م، حسبما ورد في المقالة الأولى. ومن زاوية فلسفة العدالة واستقلال القضاء، ومن زاوية نظرية دولة القانون والعدالة الدستورية، بحسبما ورد في المقالة الثانية.
ولفائدة المهتمين والمختصين، تأتي هذه المقالة محاولة موجزة لتوصيف وإعادة تعريف ما يمكن تسميته بـالارتداد التصادم في التحليل السياسي الدستوري – القانوني، وذلك من خلال تناول ارتدادات التعيين وإعادة التعيين التصادمية بعقود خاصة، والتعيين لأي مواطن بثقة رئيس القضاء، ومنح تفويض سلطات أعلى دون ترقية لقضاة أدنى درجة. ويُنظر إلى هذه الظاهرة في سياق التوتر التصادمي بين الدولة والحكومة والقانون عند ممارسة السلطة داخل ركن الدولة الدستورية الحديثة.
ذلك أنّ العلاقة الجدلية بين الدستور والسياسة والقانون ليست علاقة تكامل بسيط، بل هي علاقة جدلية قائمة على التوتر بين المثال Law as it ought to be، أي القانون كما يجب أن يكون، والتوتر بين الواقع Law as it is، أي القانون كما هو قائم فعلاً، ومن جهة أخرى بين النص الدستوري والتشريع من ناحية، والسلطة الممارسة فعليًا من ناحية أخرى. كما تتوسطها جدلية الشرعية المعلنة – شرعية الدستور والقانون – والشرعية الفعلية – شرعية الممارسة والسلطة.
بهذا المعنى، يشكّل مفهوم (التوتر) أحد المفاتيح الأساسية لفهم العلاقة الجدلية بين السياسة في بنية الدستور والقانون. فالتوتر يكشف الفجوة بين المثال القانوني المتمثل في النصوص الدستورية، وبين الواقع السياسي-الاجتماعي الذي يفرض منطقه عبر الممارسة. ويمكن النظر إليه – أي التوتر – من زاويتين متكاملتين:
(أولاً): التوتر الواسع:
———————-
وهو التوتر البنيوي الدائم الملازم لكل نظام دستوري، حيث يتعايش النص الدستوري المثالي مع واقع سياسي متغيّر ومتقلب. ويتجلى هذا التوتر في كثرة تعديل الدساتير، أو فرض دساتير انتقالية، أو غياب الاستقرار المؤسسي لأجهزة مؤسسات الحكومة – كتعطيل وتغييب المحكمة الدستورية وعدم تشكيل السلطة التشريعية، وتغول السلطة التنفيذية على التشريع بمارسة سلطة التشريع. بهذا المعنى، يمثّل التوتر الواسع بنية عامة للصراع بين القانون والسياسة وبين الشرعية الدستورية والشرعية الواقعية.
(ثانيًا): التوتر الضيق:
———————-
وهو التوتر الظرفي الذي يظهر في مواقف محددة من خلال تضارب مباشر بين نص دستوري معين وبين ممارسة سلطوية أو قرار سياسي. ويتجلى ذلك في إصدار قوانين مخالفة للدستور، أو في تعارض الأحكام القضائية حول قضية واحدة، أو في نزاعات الصلاحيات بين السلطات. ويمثّل التوتر الضيق إشكالاً عمليًا محددًا يمكن رصده في وقائع أو أحكام بعينها.
إنّ التمييز والجمع بين التوتر الواسع والتوتر الضيق، أمر ضروري لفهم طبيعة الأزمة الدستورية؛ فالتوتر الواسع يوضح البنية العامة للعلاقة بين القانون والسياسة، بينما التوتر الضيق يتيح تحليل القضايا التفصيلية والأحكام القضائية المتعارضة. والجمع بينهما يقدّم رؤية مزدوجة: بنيوية من جهة، وتطبيقية من جهة أخرى.
في السياق ذاته، فإنّ تعيين وإعادة تعيين قضاة متقاعدين بعقود خاصة، وتعيين مواطنين بثقة رئيس القضاء، ومنح تفويض سلطات أعلى دون ترقية، تكشف جميعها حالة ارتداد بين الدولة والحكومة والقانون في ما يتعلق بالسلطة القضائية. إذ يمثّل القضاء في البنية الدستورية الحديثة سلطة مستقلة تؤدي وظيفة قضائية-عدلية وتحكيمية خارج منطق الإدارة والسياسة والحكم التنفيذي. إلا أنّ موقع القضاء، لا يبقى ثابتًا في جميع السياقات، بل يتأثر بحالات الارتداد المتبادل بين الدولة والحكومة والقانون، ويمكن تفكيك هذا الارتداد في ثلاثة مستويات رئيسية:
(الأول): ارتداد الدولة إلى القوة وتأثيره على القضاء:
———————-
عند ارتداد الدولة إلى القوة في سياقات الاستثناء والطوارئ والصراع والحرب الداخلية، يُعاد ترتيب السلطة على قاعدة حفظ البقاء السياسي للدولة لا على قاعدة الشرعية الدستورية. وفي هذا السياق تتقدم السيادة على المشروعية، وتتقدم القوة على الحق، ويتراجع القضاء أمام السلطة التنفيذية أو العسكرية.
ويُنتج هذا النمط من الارتداد ثلاث ظواهر رئيسية:
(أولًا): تعليق الحقوق وضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة.
(ثانيًا): تغوّل الحكومة على المجال القضائي.
(ثالثًا): إعادة تحديد وظيفة القضاء بوصفه أداة ضبط للنظام العام، بدلًا من كونه أداة قضائية عدلية تحكميمية لحماية الحقوق والحريات.
ويمثل ذلك ما يُعرف في أدبيات العلوم السياسية التحليلية، بالنموذج القراراني للقضاء Decisionist Judiciary Model، والذي هو نموذج قضائي متأثر بالقرارانية السياسية – الـ Decisionism الشميتية – احالة للمفكر الفلسفي كارل شميت Carl Schmitt 1888 – 1985م، ومرئيته الفكرية الفلسفية، يركز على العلاقة بين السلطة والقانون والعدالة، فهو ينتقد النزعة الشكلية الخالصة، ويركّز على دور القرار السياسي في حالات الاستثناء، معتبرًا أن (السيّد هو من يقرر في حالة الاستثناء). ويكشف هذا التصور عن التوتر البنيوي بين القانون والسياسة في الدولة الحديثة، مؤكّدًا أن السلطة القانونية، لا يمكن فصلها عن القدرة على اتخاذ القرار في أوقات الأزمات. وبذلك انموذج القرارانية يقوم على تقديم القرار والسيادة ومقتضيات الأمن السياسي على المبادئ الدستورية والحقوق والضمانات. وفي هذا النموذج تُعاد صياغة وظيفة القضاء بوصفه أداة لضبط النظام العام وحفظ بقاء الدولة في لحظات الطوارئ والأزمات، بدلًا من كونه ضامنًا للحقوق والحريات والفصل بين السلطات. حيث يقدّم القضاء السيادة على الدستور، والقرار على الحق، والأمن على الحرية. وهي مفاضلات تنسف الأساس المعياري الذي تقوم عليه الشرعية الدستورية الحديثة، إذ إن مبادئ العدالة الدستورية تلزم بحماية الحقوق الأساسية والكرامة الإنسانية وسيادة القانون حتى في أزمنة الطوارئ والأزمات، بل إن معيار الشرعية يُختبر في تلك اللحظات تحديدًا. وفي ظل هذا الارتداد، يفقد القضاء قدرته على حماية الحقوق والحريات وكبح التعسف السلطوي، فتعود الدولة إلى منطق القوة بدلًا من منطق القانون.
(الثاني): ارتداد الحكومة إلى السياسة وتأثيره على القضاء:
———————-
عندما ترتد الحكومة إلى السياسة الصرفة، يصبح القرار العام محكومًا بالاعتبارات السياسية، لا محكوماً بالمعايير القانونية والمؤسسية. في هذه الحالة؛ تُختزل الدولة في الحكومة، وتُختزل الشرعية في الأغلبية، وتُختزل العدالة في الإرادة التنفيذية. وهذا يُنتج نمطان هندسيان في علاقة الحكومة بالقضاء:
(1) الاستيعاب:
———————
محاولة إخضاع القضاء لأدوات السياسة (التعيين، العزل، والتمويل، والسيطرة المؤسسية على القضاء من السلطتين التشريعية والتنفيذية)، وحالة الواقع في السودان، تغييب السلطة التشريعية، بمعنى سيطرة السلطة التنفيذية على القضاء.
(2) التحييد:
——————–
دفع القضاء إلى الصمت أو الانكفاء بذريعة (عدم التدخل في السياسة)، متناسياً القضاء دوره واختصاصة الدستوري لحماية الحقوق والحريات والرقابة القضائية على أعمال السلطة التنفيذية.
وكلتا الحالتين تُفقد القضاء وظيفته التحكيمية العدلية القضائية في تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع.
(الثالث): ارتداد القانون إلى الشكلانية وتأثيره على القضاء:
———————-
لا يرتد القانون دائمًا إلى القوة أو السياسة، بل أحيانًا يرتد إلى الشكلانية القانونية، حيث يصبح: إنتاج النصوص التشريعية واستدعاؤها غاية بحد ذاته، دون ارتباط بالقيم أو الحقوق أو العدالة. ففي هذا المستوى، يُدفع القضاء إلى الآتي:
(1) تطبيق النصوص التشريعية دون تأويل حقوقي:
———————-
إذ بمقتضاه، تتحول وظيفة القانون من تحقيق الحماية الدستورية للحقوق والحريات إلى مجرد تنفيذ حرفي لنصوص تشريعية شكلية. ويؤدي هذا التحول إلى تعطيل التأويل الحقوقي والدستوري الذي يضمن توافق التشريع مع المبادئ الفوقية العليا الدستورية، فتقدَّم الشرعية الشكلية للنص على الشرعية المعيارية للدستور، ويتراجع الدور القضائي من وظيفة ضمان الحقوق والحريات إلى وظيفة المصادقة على التنفيذ.
(2) تعليق المبادئ الدستورية لصالح نصوص تشريعية أدنى مرتبة:
———————-
يقصد به تعليق العمل بالمبادئ الدستورية لصالح نصوص تشريعية أدنى مرتبة، أو حتى لصالح قرارات تصدر عن السلطة التنفيذية. ويظهر هذا النمط غالبًا في سياقات الحرب والانفلات الأمني والاضطرابات السياسية الحرجة، حيث يُعاد ترتيب هرم القواعد القانونية بصورة استثنائية تجعل النص التشريعي الأدنى – سواء كان تشريعًا أو لائحة أو قرارًا تنفيذيًا – يسمو فعليًا على المبادئ الدستورية المعيارية التي تقرر الشرعية والحقوق والفصل بين السلطات. وتبرز هذه الظاهرة حاليا في السودان، على سبيل المثال، في تأسيس وإنشاء ما يُعرف (بالخلايا الأمنية الهجين من الاستخبارات العسكرية والشرطة وجهاز المخابرات)، التي تُسند إليها اختصاصات متعلقة بالضبط الإداري والتحري والتحقيق الشبه قضائي خارج الأطر المؤسساتية التقليدية. ويمثّل ذلك تحوّلًا بنيويًا في توزيع الاختصاص، إذ يُبعد الشرطة والنيابة العامة عن وظيفتهما الأصلية في ممارسة سلطة الضبط الإداري العام والتحري والتحقيق الأولي، كما يُقلّص من الدور والوظيفة الرقابية للقضاء على الدعاوى الجنائية، سواء من حيث الرقابة الشكلية أو الموضوعية.
هذا التعليق العملي للمبادئ الدستورية، لا يكون معلنًا بالضرورة، وقد لا يصدر تحت مسمى إعلان حالة الطوارئ أو حالات القانون الاستثنائي، لكنه يؤدي عمليًا إلى إعادة تعريف الحدود الفاصلة بين القانون والسياسة. فبدلاً من أن يفرض الدستور منطقه على السلطة التنفيذية، تمارس السلطة التنفيذية دورًا مؤسسيًا يعيد صياغة العلاقة لمصلحة مقتضياتها الأمنية والسياسية، بما يجعل الشرعية الفعلية القائمة، تتقدم على الشرعية الدستورية، ولو مؤقتًا أو ظرفيًا.
وبهذا المعنى، يُعد تعليق المبادئ الدستورية لصالح النص التشريعي الأدنى، أحد أشكال الارتداد من القانون إلى السياسة، حيث يتراجع منطق القاعدة القانونية العليا لصالح منطق السلطة التنفيذية ومقتضياتها الأمنية. ولا يكون هذا التعليق مجرد مسألة قانونية تقنية، بل يعكس اختلالًا في البنية الدستورية ذاتها، لكونه ينقل مركز الثقل في صناعة الشرعية من النص الدستوري إلى القرار التنفيذي.
(3) فقدان القضاء وظيفته في حماية الكرامة والحقوق:
———————-
يمثّل هذا المستوى أحد أخطر أشكال الارتداد، لكونه لا يقع بفعل القوة أو عبر تجاوز القانون، بل عبر القانون ذاته. ففي هذا السياق، يفقد القضاء وظيفته الأصلية في حماية الحقوق والكرامة الإنسانية وضمان سيادة الدستور، ويتحول تدريجيًا إلى جهة تصديق أو تمرير للشرعية الشكلية دون ممارسة الرقابة الفعلية على السلطة. وبذلك، يتراجع القضاء من كونه سلطة دستورية مستقلة تضطلع بوظيفة حماية الحقوق والحريات، إلى مؤسسة إجرائية تعمل ضمن منطق السلطة التنفيذية ومتطلباتها، لا ضمن منطق الدستور ومقتضياته الحقوقية. وبلا شك فقدان القضاء وظيفته، ارتداد خطير، لأنه لا يأتي بالقوة، بل يأتي بالقانون ذاته.
4. وظيفة القضاء في مواجهة الارتدادات الثلاثة:
———————-
من منظورٍ دستوري– عدلي، لا تُختزل وظيفة القضاء في المهام الإدارية أو السياسية، بل تتحدد بوصفها وظيفة تحكيمية – حقوقية، تتمثل في؛ الفصل في النزاعات، وحراسة الدستور، وضبط السلطة، وحماية الحقوق والحريات الأساسية، وتجسيد مبدأ سيادة القانون. ومن ثمّ، القضاء هو الحاجز الأخير ضد الارتداد نحو منطق القوة، شريطة توفر جملة من الشروط البنيوية، أهمها؛ الاستقلال المؤسسي، والضمانات الوظيفية، والولاية القضائية الكاملة، والثقافة القضائية الحقوقية، ودستور مُلزِم غير مُعطَّل.
وعلى المستوى النقدي، يبرز السؤال المركزي؛ هل يستطيع القضاء مواجهة الارتداد؟
وتكشف المقارنة أنّ الإجابة تتفاوت بحسب نموذج الدولة؛ ففي النماذج الليبرالية الدستورية؛ تكون قدرة القضاء عالية على كبح الارتداد. وفي النماذج السلطوية؛ تنعدم القدرة أو تتحول إلى قدرة شكلية. وفي النماذج الانتقالية؛ تصبح القدرة مشروطة بالتوازنات السياسية. أما في النماذج المنقسمة أو الحربية، فينحدر القضاء إلى مستوى (عدالة الحدّ الأدنى) التي لا تتجاوز حماية الضروريات الأساسية.
ويستخلص من ذلك مفهوميًا أن القضاء لا يمكن إدراجه ضمن الحكومة، لأنه لا يمثل جزءًا من وظيفة الحكم التنفيذي أو السياسي، بل يشكّل عنصرًا من نظام الدولة بوصفها كيانًا قانونيًا– دستوريًا أعلى من الحكومة. وعليه، فالقضاء هو: سلطة داخل الدولة، ولكن خارج الحكومة، وفوق السياسة، ولكن تحت الدستور.
وبذلك من حيث التحليل السياسي الدستوري والقانوني، واستخدام منهجية الارتداد بمفهومية الواسع والضيق. التجربة السودانية في تعيين قضاة متقاعدين بعقود خاصة، وتعيين مواطنيين بثقة رئيس القضاء، ومنح تفويض بسلطات أعلى لقاضي دون ترقية، يتُنتج نموذجًا قضائيًا فريدًا في طبيعته، فهي لا تُنشئ فقط درجات تقاضي ومحاكم متعددة الاختصاص، بل تُدخل بُعدًا جديدًا على بنية العدالة نفسها: فهي تنشئ عدالة إدارية تُمارس من خلال القضاء عبر آليات التعاقد الوظيفي والتعيين بثقة رئيس القضاء بقرارات إدارية خارج الهيكل القضائي الدستوري التقليدي، واصدار الاحكام بسلطات أعلى ممنوحة بتفويض دون ترقية. فبدلًا من أن يكون القضاء مؤسسة دستورية موحدة ذات مدخل واحد للتعيين ومسار واحد للترقي والولاية، فإن النظام السوداني الحالي، يصنع ثلاث بيئات قضائية موازية، تتعايش داخل الجهاز القضائي ذاته:
(1) قضاء دستوري رسمي:
———————-
يمثله السلك القضائي المكوَّن عبر إجراءات دستورية وقانونية كاملة في التعيين والترقي والأداء والاختصاص.
(2) قضاء إداري داخلي:
———————-
يُمارس عبر تعيين مواطنيين بثقة رئيس القضاء وتفويضات سلطة رئيس القضاء، ومنح سلطات قضائية عليا لقضاة دون ترقي، أو عبر الإسناد الداخلي للولايات القضائية بصورة غير متكافئة مع السلم الاداري القضائي، ما يجعل وجود القاضي بسلطات أعلى أو قاضي معين بثقة رئيس القضاء رهين بإرادة رئيس القضاء.
(3) قضاء وظيفي تعاقدي:
———————-
يُنشأ عبر التعاقد مع أشخاص خارج النظام القضائي، يعملون بوصفهم قضاة متعاقدين من خارج سلّم التعيين الدستوري، دون ولاية مستقرة أو ضمانات وظيفية أو مسار للترقي القضائي، ما يجعل ولاءهم الوظيفي مرتبطًا بالسلطة المتعاقدة أكثر من ارتباطه بالدولة، أي تبعيتهم وولائهم لرئيس القضاء شخصياً.
هذه البنية المؤسسية للقضاء، تُحوِّل القضاء في السودان من قضاء موحّد قائم على ولاية الدولة العامة، إلى قضاء متشعّب متعدد الولاءات الوظيفية، وتُحدث انتقالًا من فكرة أن القضاء (سلطة دستورية)، بتحويله إلى فكرة أنه (أداة إدارية داخلية)، يمكن إدارتها بالعقود والتعيين بثقة رئيس القضاء والتفويضات بقرارات ادارية يصدرها رئيس القضاء. وبلا شك، هذا التحول يمس جوهر العدالة في السودان، لأن القضاء في الأصل ليس وظيفة تعاقدية، بل ولاية سيادية من الدولة على النزاع والخصومة، لا يجوز تجزئتها أو إعادة توزيعها عبر سلطة إدارية داخلية، يباشرها رئيس القضاء.
ومن منظور مقارن، هذا النموذج لا يكاد يوجد في القضاء الحديث، إلا في الدول التي لا تتبنى استقلالًا صارمًا للسلطة القضائية، ومنها بعض الدول ذات الأنظمة السلطوية أو العائلية أو الأنظمة الانتقالية غير المستقرة، حيث يظهر القضاء التعاقدي عندما تكون الدولة عاجزة عن بناء مؤسسة قضائية مكتملة البنية، أو عندما تنتقل السلطة القضائية من مفهوم الدولة إلى مفهوم الإدارة.
فالقضاء المقارن المستقر، كالأنظمة الأوروبية واللاتينية والأنجلوسكسونية، يحصر الولاية القضائية في سلطة واحدة، ويمنع بصورة قاطعة وجود قضاء وظيفي متعاقد أو خارج التنظيم التشريعي الدستوري والقانوني، لأن ذلك، يُعد تفكيكًا لسيادة القضاء وإخلالًا بوحدة العدالة.
ومن حيث التحليل المقارن، تقترب البنية القضائية في السودان من نماذج دول الخليج العربي (الإمارات، عُمان، قطر)، إذ يظهر القضاء كجهاز إداري تابع للسلطة التنفيذية أكثر من كونه سلطة دستورية مستقلة، وعملياً تُصدر الأحكام القضائية بديباجة باسم رأس الدولة – أمير أو ملك أو سلطان. ومع ذلك، ثمة اختلاف جوهري، إذ تنص دساتير دول الخليج على استقلال القضاء، بينما تُظهر الممارسة العملية الفعلية الواقعية تبعية إدارية أو تنظيمية للسلطة التنفيذية بصفتها رأس السلطة القضائية، ما يعكس فجوة مستمرة بين النص الدستوري والواقع التطبيقي. ويعكس هذا كله نمطًاً من ارتداد الدولة إلى القوة، حيث تتقدم السيادة في السلطة التنفيذية على المشروعية، وتتقدم القوة على الحق، ويصبح القضاء عاجزًا عن حماية الحقوق والحريات، لتصبح الدولة في لحظات الطوارئ والأزمات أكثر اعتمادًا على منطق القوة بدلًا من منطق القانون. والتعيين بعقودات شخصية لقضاة متقاعدين ومحاميين ومستشاريين قانونيين من وزارة العدل والتعيين للمواطنيين بثقة رئيس القضاء وتفويض سلطات أعلى لقاضي دون ترقية.
ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
12 يناير 2026م


