د.محمد مجذوب محمد صالح يكتب إثيوبيا الامبراطورية المريضة

يمكن القول: ان اثيوببا دولة ما قبل استعمارية في نواتها الاولي ولكنها كيان إمبراطوري حديث في بنيته وحدوده؛فالمعلوم ان اثيوبيا (الحبشة) كنواة سياسية مسيحية وجدت تاريخيا فى مرتفعات الهضبة؛ في ممالك (أكسوم، والممالك السليمانية).
اما إثيوبيا المعاصرة؛ (بحدودها الحالية) فقد تشكّلت في أواخر القرن التاسع عشر عبر توسعات الملك(منليك الثاني) جنوبًا وشرقًا وغربًا؛ فهي قد وجدت نواتها فى قوميات (الامهرا والتغراي). وقد تم شرعنة ذلك من خلال دعومات وتواطؤ أوروبي خاصة من دول مثل (بريطانيا وفرنسا)؛ لتكون حاجزا مسيحيا يقف امام الإسلام في القرن الإفريقي؛ وحتى لا يكون البحر الأحمر (الممر العالمي الأهم) بحيرة إسلامية خالصة.
دينيا تعتبر الكنيسة الإثيوبية أرثوذكسية شرقية، وهي كنسسة عاشت معزولة عن المسيحية الغرببة؛ فهي بهذا المعني ليست كنيسة مسيحية غرببة ؛ كالكنيسة الكاثوليكية او البروتستانتية بل هي كنيسة اقدم بكثير من المسيحيات الاوربية؛ وربما كانت هي مهد المسيحية الام ومكان مولد المسيح عليه السلام؛ بيد ان الغرب تعامل معها بوصفها حليفًا مسيحيًا مفيدًا، لا تابعًا عقديًا؛ جرى ذلك فى مراحل إثيوبيا الحديثة الثلاثة (إمبراطورية هايلي سلاسي– ماركسية منقستو هايلي مريام – ليبرالية مليس زيناوي).
ودلالة ذلك ان التأييد الغربي لإثيوبيا لا يستند على المعطي الدينيً الخالصً؛ بل ان العامل الحاسم لاحتواء الغرب لاثيوبيا هو العامل الاستراتيجي المثمثل في الجغرافيا السياسية (النيل، القرن الإفريقي، البحر الأحمر)؛ مما جعل المسيحية هنا يُستعمل كأداة تبرير أكثر منه سببًا جوهريًا في متانة العلاقة مع الغرب.
اما الشعوب المدمجة في الدولة الإثيوبية الحديثة فهي ذات امتداد اسلامي ضارب في القدم؛ إلا أنها كوجود حضاري وتاريخي قد تعرض لعمليات منظمة من سياسات الاستيعاب والدمج فى الكيان الإمبراطوري الطاريء؛ ف(الأورومو) وهم الاثنية الأكبر عددًا، تعرضت لتهميش لغوي وثقافي واسع وممنهج؛ وكذا قومية الأوغادين (الصوماليون) وقوميات العفر وبني شنغول ؛ فهذه المناطق والقوميات وفضلا عن أنها قد ضُمّت بالقوة وحُكمت بمنطق الهيمنة المركزية (الأمهرية–التغرانية)؛ فإنها قد تعرضت لعمليات الهندسة الاجتماعية المركبة؛ وهنا جرى تسييس الدين واللغة لإعادة هندستها الاجتماعية والثقافية.
اما الشعوب ذات الغلبة المسيحية (الأمهرا _التيغراي) فقد شكّلا العمود الفقري للدولة الإمبراطورية؛ وسيطرا تاريخيًا على الجيش، والكنيسة، والإدارة والاقتصاد والتعليم والثقافة والفنون … إلخ.
وهكذا وجدت إثيوبيا المعاصرة كدولة كإمبراطورية مضطربة داخليا ومتعددة القوميات، بُنيت عبر التوسع القسري، واستمرّت عبر تحالفات دولية براغماتية، لا عبر عقد اجتماعي وسياسي جامع.
هذا الواقع القسري جعل الصراع السياسي فيها صراعا بنيويا وجوديا لا صراعا سياسيا ظرفيا ؛ كما هو حال صراعات السودان مثلا؛ اما ما قام به (مليس زبناوي )؛ من تبني لنظام الفيدرالية الإثنية فى محاولة لعلاج أمراض واردتدات الدمج الامبراطوري القسري، فقد جاءت متناقضة ؛ بحسبان ان الدولة هنا قد سبقت تشكل المجتمع والأمة، ففككت نسيج المجتمع وشققته بدلا من أن تبنيه وتوحده.
اما محاولات ابي احمد فى النقوص على الفدرالية الاثنية والعودة إلى نظام الدولة المركزية ولكن هذه المرة على قاعدة قومية (الارومو)؛ لا كما فعل اسلافه مع قوميتي الامهرا والتقراي ؛ والبحث عن عقد اجتماعي في هذا الإطار مع حزب الازدهار؛ فانها محاولة محفوفة بالمخاطر؛ مع تفجر الصراعات وبروز نزعات الانفصال المضمونة بنص الدستور.
حقائق الواقع والتاريخ والجغرافيا ترشح إثيوبيا للتفكك كما حدث للاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا السابقة؛ ولكنه تحول سيقع بعد دم غزير وعزير؛ مهما حاول الغرب تأخير القدر المكتوب.


