أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب كل شيء بقدر

يوسفُ أيها الصديق، تذهب معي في هذه الرحلة؟ إلى أين؟ إلى الفضاءِ لنطيرَ مع الطيور الطائرة، وإلى البحارِ والأنهار لنسبحَ مع الأسماكِ السابحة وإلى الصحارى لنزحفَ مع الزواحف الزاحفة؟ قال يوسف: ولماذا كل هذا التعب وهذه المغامرة؟ قلتُ له: لنرى كم بيضة تبيضها الأسماك وكم بيضة تبيضها الزواحف، وكم بيضة تبيضها الدجاجة والحمامة. قال يوسف: وماذا نستفيد من ذلك؟ انا لا يهمني غيرُ بيضِ الدجاج، بيض مقلى وبيض مسلوق وبيض بالطماطم آكله وأحمد الله وأشكره، قلت له: هذا فقط مايهمك؟ قال: إنَّ اللهَ- سبحانه وتعالى- يقول: (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا) فماذا تريدني أن افعل؟ قلت له: اريدك أن تعرفَ ما الحكمة في هذا التفاوت الكبير بين (البيوضات) في إنتاج البيض. هل سألتَ نفسَك يومًا، لماذا تبيض الحمامةُ بيضتين فقط في (الفترة) بينما تبيض الدجاجةُ من 5 الى 6 بيضات في ا(لفترة)؟ فكّر يُوسُفُ قليلا، ثم قال: لأننا نأكل بيضَ الدجاج ولا نأكل بيض الحمام. قلت له: وهل الدجاجة تعرف أننا نأكل بيضها، فزادت في إنتاجَه؟ الله خلق لنا الدجاجةَ وخلقها تبيض هذا العدد من البيض لنتغذى به وللحفاظ على النوع، ولأن ست بيضات كثيرة عليها في التربية والتغذية والحماية، كما أنها مشغولةٌ بوضع كل يوم بيضة لذلك رفع اللهُ عنها مؤونة تربية فراريجها، فهي لا تبني لهم عشًا ولا تجلب لهم طعامًا، تخرج الفراريجُ من البيضة وتتولى أمر تغذيةِ نفسها، وسخر اللهُ لها البشرَ ليبنونَ لها الحظائرَ والبيوتَ لحمايتها ، قال يوسف: ومن الناحية الأخرى، نجد الحمامةَ- التي لا نأكل بيضها- تبيضُ بيضتين فقط في الفترة، وقد ألهمها اللهُ تعالى بناءَ عشٍّ لهم في أماكنَ عاليةٍ لتقليل المخاطر، وكلَّفها بجلب الطعام لفراخها، ورعايتِهم رعايةً متقنة، لهذه الأسباب، خفف اللهُ عليها فلم يزدها اكثرَ من بيضتين. ومن رحمة الله تعالى أن جعلَ أنثى البطريق تبيضُ بيضةً واحدة فقط، لأن رعايةَ بيضِ البطريق مرهقٌ لأبعد الحدود، ذكر البطريق يحمل هذه البيضةَ الواحدة على قدميه لفترة تتراوح بين 65 إلى 75 يوماً تقريبًا، خلال هذه المدة، يصوم الذكرُ تماماً عن الطعامِ ويحمي البيضةَ من تجمد القطب الجنوبي حتى تفقس، بينما تكون الأنثى قد عادت للبحر للبحث عن الغذاء. أُنظروا كيف قدَّر الله ان تكونَ بيضةٌ واحدة فقط، فلو كانت معها بيضةٌ أخرى، لتعطلَ ذكرُ البطريق عن المشي، ثم لهلك هو وبيضتُه وينقرض نسلُه تماما.
قلتُ ليوسف: ما رأيُك أن نحلِّقَ قليلًا لنرى ما ذا فعل اللهُ بالنسر.. لكل شيءٍ سيِّدٌ، وسيِّدُ الطيورِ النسر. الحديث عن النسر يحتاج إلى مقالاتٍ لا حد لها، لكن ما يهمنا الآن هو التكاثر. النسر يضعُ بيضةً واحدةً، تقريباً في الشتاء، ويتناوب الأبوان على حضانتَها لمدة تتجاوز 50 يومًا. قشرةُ بيضة النسر سميكةٌ وقويةٌ جدًا، وهنا تتجلى الحكمةُ الإلهيةُ، فقد خلقها اللهُ سميكةً حتى لا تنكسر تحت وزن الآباء الثقيل الذي يصل الى 11 كيلوجرام. جعل اللهُ للنسرِ بيضةً واحدةً كتحديد لنسله، لأن النسرَ صيادٌ ماهر لا تكاد تفلتُ منه فريسةٌ، وفريستُه هي الأسماك والأرانب والثعابين، وكل الحيوانات- حتى الإنسان- ، فماذا لو كان عددها كثيرٌ، وكانت منتشرةً؟ إذن لأكلَ النسرُ معظم المخلوقات واختل النظام البيئي. النسر محميٌ بعلُّوه، (استعصم بالبعد عنَّا)
طلب مني يوسفُ أن ننزلَ من الجوِّ العالي إلى عمق المحيط، لنرى عالمَ الأسماك والتكاثر. قلتُ له: كيف ذلك وأنا لا أعرف فنَّ العوم في الموج الأزرق، وما عندي تجربةٌ في اليمِّ ولا عندي زورق ، اخشى اني اغرق أغرق أغرق..
السمك يأكلُ بعضَه ونحن نأكله ويموت موتًا طبيعيًا، وبالرغم من كل ذلك لم ينقرض، السمك لم ينقرض لأنه يبيض بكميات ضخمة، هل تعلم أن معظمَ الأسماك تضع ملايين الى ترليونات البيض لضمان بقاء النسل. سمك الشرم- على سبيل المثال- يبيض ما بين 6 إلى عشرة ألف بيضة في كل ثلاثة أسابيع، لو لا أن الحوتَ الأزرق- الواحد منه- يأكل منها ستةَ أطنان يوميًا، لغطت مياه المحيط، ولولا أن سمكَ الشرم ينتج هذه الكمية الهائلة، لمات الحوت الازرق جوعًا، ولأن اللهَ يعلم ان السمكَ لا قوةَ له كي يحضن هذا الكم الهائل من البيض ويرعاه، فقد رفع عنه مهمةَ الحضانة والرعاية تماما، لولا أن اللهَ جعل الأسماك تنتج هذه الكميات الهائلة من البيض، لاختفت الأسماكُ عن الوجود في أقلَّ فترةٍ زمنية ممكنة، نظرًا لماتتعرض له من صيد البشر لها ومن افتراس بعضِها البعض وما تتعرض له من موت طبيعي. كان بودنا ان نزور الصحراء لنعرف شيئًا عن بيض الزواحف، لكن يوسف يخشى الثعابين والأفاعي، والعناكب. لاشك أن في الصحراء ما يُدهش فيما يخص البيوضات والبيض… نختتم مقالنا بالنمل، أقصد بالآية رقم 88 في سورة النمل التي يشير فيها الله تعالى إلى الإتقان في خلقه، يقول:﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.. ما ذكرناه مجرد بيض وبيوضات لا تمثل واحدًا من ترليون من إبداع الله وإعجازه وتقديره الدقيق ومعادلاته المدهشة المتناغمة في إدارة هذا الكونِ العجيب. هذا هو الله مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هو الله الخالق المسيطر ولا يخشى غيرَه إلا غافلٌ جاهلٌ به لا يعرفه، وقد أمرنا اللهُ في محكم تنزيله ألا نخشى غيره (فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) هذا هو الله اعرفوه وآمنوا به واذكروه لتطمئنَّ قلوبُكم، فقد سمعته يقول : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
كان هذا يوسف وأنا، فابقوا معنا إن كان في العمر بقية..
والله أعلى وأعلم..
10 فبراير 2026م


