أعمدة الرأي

تحية للسيد والى الخرطوم : الديمقراطية في زمن البيروقراطية ( الشرعية تبنى بالثقة وليست بالتحكم ) بقلم: كابتن محمد حسن الطاهر 

 

في زمنٍ تتشابك فيه خيوط السلطة، وتتعقّد فيه آليات اتخاذ القرار، تبدو الديمقراطية وكأنها تحاول التنفّس داخل غرفة ضيقة تزدحم بالملفات والأختام واللوائح.

 

لم تعد المشكلة في غياب المشاركة الشعبية، بل في قدرة البيروقراطية الحديثة على امتصاص كل محاولة للتغيير وتحويلها إلى إجراء روتيني فاقد للروح.

 

هنا يبرز السؤال:

كيف يمكن للديمقراطية أن تزدهر في عالمٍ لم يعد فيه مكان للقرارات الفردية الجريئة؟

 

فى نهاية زمن القائد الملهم الذي يغيّر مجرى التاريخ. حيث المؤسسات الضخمة، والأنظمة الإدارية المتشابكة، واللوائح التي لا تنتهي، كلها تجعل الفرد — مهما بلغت كفاءته — جزءًا صغيرًا من آلة عملاقة.

 

هذا التحوّل يخلق شعورًا عامًا بأن التغيير الحقيقي لم يعد ممكنًا عبر الأشخاص، بل عبر البُنى، وهو ما يضعف الحماسة الشعبية ويزيد من اعتماد الناس على الرموز الشكلية بدل الفعلية.

 

في هذا السياق، تلعب الانحيازات المعرفية (Cognitive Bias) دورًا خطيرًا.

فالمواطن، حين يواجه نظامًا معقدًا، يميل إلى تبسيط الواقع عبر تصنيفات جاهزة:

– هذا فاسد، ذاك مصلح،

– هذه المؤسسة جيدة، وتلك سيئة.

لكن هذه الأحكام السريعة تمنع رؤية الصورة الكاملة، وتُبقي الفرد أسيرًا لردود فعل عاطفية بدل التحليل العقلاني.

 

ومع ظهور المعارضة المُوجَّهة (Controlled Opposition) فى بعض الدول :

– يصبح المشهد أكثر التباسًا؛ إذ تُصنع معارضة شكلية تُفرغ الغضب الشعبي من محتواه، وتُعطي وهمًا بوجود توازن سياسي بينما تُدار اللعبة من خلف الستار.

 

هذا التناقض بين ما يراه المواطن وما يشعر به يولّد التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance).

– فهو يريد أن يؤمن بأن صوته مؤثر، لكنه يرى في الواقع أن القرارات تُتخذ بعيدًا عنه.

– يريد أن يثق في المؤسسات، لكنه يصطدم ببيروقراطية تُعطّل كل شيء.

 

هذا التنافر

– يدفع البعض إلى الانسحاب

– ويدفع آخرين إلى التمسك بمعتقداتهم رغم الأدلة الجديدة، بدل إعادة تقييم معتقداتهم تجاه الأشخاص في ضوء المعلومات المستجدة — وهي مهارة أصبحت ضرورة في زمن تتغير فيه الحقائق بسرعة.

 

وتتداخل هذه الظواهر مع نظرية الهوية الاجتماعية مقابل تقدير الذات (Social Identity Theory vs Self-Esteem).

– فالفرد يجد في انتمائه السياسي أو الاجتماعي مصدرًا للهوية، وأحيانًا للتفوق الرمزي.

لكن حين تهتز هذه الهوية بسبب فساد أو فشل أو خيبة :

– يتراجع تقدير الذات، فيلجأ الشخص إلى الدفاع عن الجماعة حتى لو كانت مخطئة، فقط لحماية صورته الداخلية.

وهكذا تتحول السياسة إلى قبائل، لا إلى أفكار مما يستوجب وجود درجة من الإدراك الجدلى

 

ومن هنا نجد أن نظرية الإدراك الجدلي (Dialectical Perception Theory)

– تقدّم مدخلًا مهمًا لفهم هذا العصر.

فهي تدعو إلى رؤية الواقع بوصفه عملية مستمرة من التفاعل بين المتناقضات:

– السلطة والمجتمع،

– الفرد والمؤسسة،

– الحرية والانضباط.

 

الديمقراطية الحقيقية لا تلغي هذه التناقضات، بل تُديرها بذكاء، وتحوّل الصراع إلى طاقة بنّاءة بدل أن يكون معول هدم.

 

في النهاية نجد أن الديمقراطية في زمن البيروقراطية تحتاج إلى :

– وعي نقدي

– مواطن قادر على تجاوز الانحيازات،

– ومؤسسات شفافة لا تخشى المراجعة،

– ونخب سياسية تدرك أن الشرعية تُبنى على الثقة لا على التحكم.

 

فحين يتوازن

– العقل مع النظام،

– والحرية مع المسؤولية،

حينها فقط يمكن للديمقراطية أن تستعيد أنفاسها، حتى وسط أكثر الظروف استثنائية واكثر الهياكل الإدارية تعقيدًا ..

 

فإذا حسنت النوايا تبعها التوفيق فاكثروا من الخير فى شهر المغفرة فالله اكثر

زر الذهاب إلى الأعلى