د. عبدالرحيم حاج الامين يكتب الدعوي الجنائية بين وحدة القيادة وتحديات التطبيق

أثر توحيد سلطتي الإشراف على التحري والاتهام في يد النيابة العامة
شهد النظام الإجرائي في السودان تحولًا نوعيًا مع صدور قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، ثم تعزَّز هذا التحول بصورة أكثر وضوحًا بموجب قانون النيابة العامة لسنة 2017م، حيث أُنيطت بالنيابة العامة القيادة القانونية الكاملة للدعوى الجنائية، إشرافًا على التحري، وتوجيهًا له، ومباشرةً للاتهام.
هذا التحول لم يكن مجرد إعادة توزيع للاختصاصات، بل عبّر عن فلسفة إجرائية جديدة قوامها مركزية القرار الجنائي في يد جهة قانونية مدنية تتولى توجيه الدعوى منذ لحظة نشأتها وحتى عرضها أمام القضاء. غير أن أي نموذج مؤسسي لا يُقاس بنصوصه فحسب، بل بمدى فاعليته في التطبيق العملي، وهو ما يقتضي تقييمًا متوازنًا لإيجابياته وتحدياته.
*أولاً: الإيجابيات*
1. وحدة السياسة الجنائية
توحيد الإشراف والاتهام في جهة واحدة يعزز الاتساق في القرارات الإجرائية، ويحدّ من التضارب بين جهة التحري وجهة الاتهام. فالملف الجنائي يُدار وفق رؤية قانونية واحدة، مما يدعم استقرار التكييف القانوني ويقلل احتمالات التناقض.
2.تعزيز سيادة القانون
إسناد القيادة القانونية للنيابة – بوصفها جهة مدنية قانونية – يضفي على الدعوى طابعًا قانونيًا منضبطًا، ويحدّ من هيمنة المنظور التنفيذي البحت، بما يعزز الرقابة المبكرة على مشروعية الإجراءات وصحة جمع الأدلة.
3.الرقابة المباشرة على التحري
الإشراف المبكر على إجراءات التحري يُفترض أن يشكل ضمانة ضد التعسف أو الانحراف، ويؤدي إلى ضبط الإجراءات منذ بدايتها، مما ينعكس إيجابًا على قوة الملف أمام القضاء.
4.سرعة اتخاذ القرار
حين تكون الجهة المشرفة هي ذاتها صاحبة قرار الاتهام، تقلّ الحلقات البيروقراطية بين المؤسسات، ويُفترض أن يؤدي ذلك إلى تسريع الفصل في الدعوى، وتقليل زمن بقاء البلاغ في مرحلته الأولية.
5.وضوح المسؤولية المؤسسية
أصبح من السهل تحديد الجهة صاحبة الاختصاص الأصيل في الدعوى الجنائية، الأمر الذي يعزز مبدأ المساءلة المؤسسية ويمنع تداخل المسؤوليات.
*ثانيًا: السلبيات والتحديات*
1.إضعاف الفصل الوظيفي
جمع سلطتي توجيه التحري وبناء الاتهام في يد جهة واحدة يثير إشكالًا يتعلق بالحياد الموضوعي؛ إذ قد تتأثر عملية تقييم الأدلة لاحقًا بالرؤية التي وُجّه بها التحري ابتداءً، مما يُضعف فكرة الفصل الوظيفي بين البحث عن الحقيقة وتبنّي الاتهام.
2.فجوة الإمكانات والاختصاص
اتساع صلاحيات النيابة لم يصاحبه – في كثير من الأحيان – دعم كافٍ في الكادر البشري أو الانتشار الجغرافي أو البنية المؤسسية، فظهرت فجوة بين الاختصاص النظري والقدرة العملية على التنفيذ، الأمر الذي انعكس على سرعة الإنجاز وجودته.
3.إشكالية الخبرة الميدانية
التحري الجنائي ليس مجرد تطبيق نصوص، بل هو خبرة تراكمية ومهارة عملية. فالشرطة تمتلك أدوات فنية متخصصة: مسرح الجريمة، الأدلة الجنائية، الفحص الفني، قواعد بيانات الأنماط الإجرامية، وفنون التحريات وأساليبها. والمتحري الناجح – في الواقع العملي – شخصية نادرة حتى داخل الجهاز الشرطي نفسه، لأن التحري مهنة تتجاوز حدود التعليم النظري.
في المقابل، فإن تجربة النيابة في القيادة الميدانية المباشرة للتحريات حديثة نسبيًا، مما أوجد صعوبات في التنسيق وأحيانًا ارتباكًا في توزيع الأدوار.
4.تضخم النيابات المتخصصة وتداخل المصالح المؤسسية.
من أبرز الإشكالات التي أفرزها التطبيق العملي للنظام توسّع إنشاء النيابات المتخصصة المرتبطة بجهات تنفيذية بعينها (كالأراضي، الجمارك، الزكاة، الضرائب وغيرها)، بحيث لم يعد مكتب البلاغات موحّدًا في بنيته التقليدية، بل تعددت مراكزه وتنوعت تبعياته.
هذا التوسع – وإن كان مبرره الظاهري تعزيز التخصص – أدى عمليًا إلى تفتيت وحدة العمل الجنائي، وإلى نشوء واقع مؤسسي تتداخل فيه الأدوار بين القيادة القانونية للدعوى وبين المصالح الإدارية أو المالية للجهات المرتبطة بتلك النيابات.
كما برز نظام الحوافز المرتبط بالأداء في بعض هذه القطاعات، مما أوجد شبهة تضارب محتمل بين مقتضيات العدالة المجردة، وبين الأهداف التنظيمية أو الإيرادية لتلك الجهات. وفي مثل هذا السياق، قد تتأثر الأولويات الإجرائية بمعايير غير قانونية بحتة، وهو ما ينعكس سلبًا على مبدأ الحياد واستقلال القرار الاتهامي.
ومتى خضعت النيابة المتخصصة – إداريًا أو عمليًا – لتأثير الجهة التي ترتبط بها، فإن ذلك يضعف من صورتها كسلطة اتهام تمثل المجتمع بأسره، ويُدخل العدالة الجنائية في دائرة التأثر بالاعتبارات القطاعية، بدل أن تظل محكومة فقط بمقتضيات القانون والموضوعية.
5.توتر العلاقة مع هيئة الدفاع
برزت فجوة مهنية بين النيابة وبعض المحامين، تجلّت في شعور بعدم التقدير المؤسسي لدور الدفاع كشريك في تحقيق العدالة. كما لوحظ في بعض الحالات ضعف الحيوية القانونية في قرارات الاستئناف، مما أدى إلى عزوف الخصوم عن معالجة النزاع في مرحلة النيابة، والسعي مباشرة إلى المحاكمة، وهو ما أسهم في تكدس القضايا أمام القضاء.
كما يُلاحظ في بعض البلاغات ذات الأثر المجتمعي غياب الحضور الفاعل للنيابة في تمثيل الاتهام أمام درجات التقاضي المختلفة، سواء من حيث المرافعات أو متابعة الطعون، الأمر الذي ينعكس على صورة العدالة الجنائية برمتها.
6.بطء إجرائي عملي
في التطبيق، تُحال أحيانًا مسائل واضحة من الشرطة إلى النيابة لطلب التوجيه، مما يزيد العبء الإجرائي ويطيل أمد الإجراءات، ويؤثر سلبًا على ثقة المواطن في سرعة العدالة.
7.إشكال الإدراك العام
رغم انتقال القيادة القانونية إلى النيابة، لا يزال الرأي العام يُحمّل الشرطة مسؤولية الإخفاقات، مما يعكس ضعفًا في التثقيف المؤسسي حول توزيع السلطات وحدود المسؤولية.
8.تراجع آليات المراجعة الداخلية
في النظام السابق، كانت يومية التحري تمر بمستويات مراجعة متعددة داخل الجهاز الشرطي (ضابط الجنايات، رؤساء الشعب والفروع، ورئيس القسم في البلاغات الكبيرة)، مما وفّر رقابة فنية تراكمية. أما في الواقع الحالي، فقد اختُزلت بعض هذه المراحل، وأصبحت العلاقة في كثير من الأحيان مباشرة بين وكيل النيابة والمتحري، وهو ما أثّر على عمق الفحص الفني وتعدد زوايا التقييم.
*ثالثًا: بين النص والتطبيق*
النموذج التشريعي القائم يمثل – من حيث الفلسفة – توجهًا متقدمًا يقوم على مركزية القيادة القانونية للدعوى، مع بقاء التنفيذ الفني للتحري بيد الشرطة.
غير أن نجاح هذا النموذج يتوقف على عناصر جوهرية، أبرزها:-
1/ وضوح الحدود بين القيادة القانونية والتنفيذ الفني.
2/ بناء قدرات مؤسسية متوازنة
تعزيز التدريب المشترك بين النيابة والشرطة.
3/إعادة بناء الثقة المهنية مع هيئة الدفاع
ترسيخ ثقافة التكامل بدلًا من التنافس
خلاصة!
يمثل النظام الحالي خطوة مهمة نحو توحيد السياسة الجنائية وتعزيز سيادة القانون عبر مركزية القيادة القانونية للدعوى الجنائية. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص، بل في كيفية تنزيلها على أرض الواقع.
فالعدالة الجنائية لا تُقاس بمن يملك السلطة، بل بكيفية ممارستها:
بميزانٍ يجمع بين السلطة والضمان،
والاختصاص والقدرة،والقيادة والتكامل المؤسسي. إن تحقيق الغاية الأسمى – حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات – يتطلب إعادة ضبط العلاقة بين النيابة والشرطة والمحامين ضمن إطار من المهنية والاحترام المتبادل، بحيث تصبح الدعوى الجنائية مشروعًا مؤسسيًا مشتركًا، لا ساحةً لتنازع الأدوار.
ماهو الحل؟ هذا ما يقع علي عائق ذوي الخبرة لترقية العمل الجنائي.
الله غالب.
د. عبدالرحيم حاج الأمين


