أعمدة الرأي

مدارات للناس  هاشم عمر  يكتب سنن البرامكة

 

يشكّل مجتمع البرامكة في دارفور أحد أبرز المكوّنات الشعبية التي حافظت على حضورها وتأثيرها في الحياة الاجتماعية بالإقليم، بوصفه مؤسسة أهلية ذات طابع ثقافي واجتماعي متوارث. وعلى الرغم من أن الاسم يستدعي تاريخ البرامكة في العصر العباسي، فإن التجربة الدارفورية اكتسبت خصوصيتها، وأصبحت رمزًا للكرم والانضباط وروح الجماعة.

 

يُعد مجلس البرامكة من أهم ملامح هذا المجتمع، فهو مجلس منظم تحكمه بروتوكولات دقيقة تشمل طريقة الجلوس، أسلوب الحديث، ضوابط اللبس، وآداب تقديم الشاي الذي يُعد المشروب الرسمي للمجلس. ويضم المجلس فئات متعددة من الملكات والشيخات والحكامات والخفيرات والحريفين والحريفات، في صورة تعكس تنوع المجتمع الدارفوري وتماسكه.

 

ويُعرف عن المجلس وجود نظام مخالفات يصل إلى 28 مخالفة كبرى وصغرى، تُطبّق لضمان الانضباط واحترام الأعراف، ما يمنح المجلس هيبته ويجعل قراراته نافذة داخل المجتمع.

 

من أبرز أدوار البرامكة دورهم في رفع الضيق عن المحتاجين. فقد عُقدت مجالس عديدة خصيصًا لمساعدة أفراد يمرون بأزمات مالية أو اجتماعية، كما حدث مع إحدى البرمكيات التي امتهنت التجارة وتعرضت لضائقة مالية، فهبّ المجلس بكامل هيئته لدعمها.

هذا السلوك يعكس فلسفة البرامكة القائمة على حماية الأفراد، وتعزيز روح الجماعة، وترسيخ قيم التراحم والتعاضد، وهي قيم يحتاجها السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.

لا يُقبل الفرد في مجتمع البرامكة إلا إذا تحلّى بصفات أخلاقية محددة، أبرزها الصدق، الأمانة، العفة، الكرم، ونبذ الفرقة والشتات.

هذه الشروط تجعل الانتماء للبرامكة شرفًا ومسؤولية، وتضمن بقاء المجتمع متماسكًا ومؤثرًا.

 

البرمكي في شمال ووسط السودان

خارج دارفور، اكتسب لقب “البرمكي” معنى اجتماعيًا آخر، إذ يُطلق على الشخص الأنيق المهندم والكريم، ما يعكس انتشار المفهوم وتحوّله إلى رمز للذوق والكرم في المخيال الشعبي السوداني.

 

خلّد التراث الشعبي قيم البرامكة في أغنيات مثل:

*يا الأحييت سنن البرامكة

عاجبني طول إيده سامكة

قول النعيم درّاج المتابكة*

وهي أغنية تؤكد حضور قيم الجود والشهامة في الوجدان السوداني.

 

نحو دور أكبر في ترميم النسيج الاجتماعي

في ظل الظروف التي يمر بها السودان، يصبح إحياء قيم البرامكة ضرورة وطنية. فالإعلام الشعبي من شعر وغناء وحكايات قادر على تعزيز ثقافة السلم، وإعادة الثقة بين المكونات الاجتماعية، وترسيخ روح التعاضد والتكافل.

إن إعادة الاعتبار لهذه القيم يمكن أن تسهم في رتق النسيج الاجتماعي وإحياء روح الجماعة التي يحتاجها السودان اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى