أعمدة الرأي

اللواء شرطة (م) د. عمر عبد الماجد يكتب ماتت حياةُ النفوس

 

 

هكذا سماها – طيبَ الذِّكر – والدُها

الطيب حمد دبلوك

(حياة النفوس)

ثم تداول الناس الاسم، وسمّوها نفيسة،

فكانت – حقًا – نفيسة…

ونادرة.

كانت غاليةً على كل من عرفها،

وعلى غالب من سمع بسيرتها الطيبة.

كانت سمحة،

نقية،

تقية،

و(مشلَّخة).

 

كانت كريمةً وهاشّة،

دبلوماسيةً بلغة العصر،

وبِتَّ بلدٍ بموروثنا،

ومثقفةً بمطلوبات الوصف.

سبّاقة، طموحة،

تخطُّ القرآن الكريم،

وتقرض الشعر مدحًا ومحبةً في النبي محمد ﷺ.

وعبارتها الشهيرة:

(الشووق)

نفيسة – كما يقول مولانا مرتضى عبد الماجد – وككل الأمهات يُحسن الأبناء الظنَّ بأمهاتهم،

غير أنها كانت بنكهةٍ فريدة،

تستحيل على النظير،

وغير قابلةٍ للاستنساخ.

كانت مواكِبةً دون تَنَطُّع،

وكريمةً دون مَنّ،

ومجامِلةً بلا حدود،

ومتصدِّقةً في خفاء.

باذلةً للود،

تحتوي من يجالسها،

فلا يُملُّ مجلسُها؛

تحدّثت أو أنصتت.

قابلةً للاندماج بصدقٍ ومودّة دون تمييز،

تنساب وسط الناس،

وإن تباينت مشاربهم،

وسماتهم،

وثقافاتهم،

بل وأعمارهم.

ويهوي إليها الناس رغبةً ومحبة.

إبان وعكتها

(ويقينًا نحسبها كفّارةً لها)

كنت أطالع كل صباح ما يصلني من رسائل الزملاء، والمعارف، والأهل، والأصدقاء، ومحبّيها على كثرتهم،

وجُلُّ العبارات تدور بين:

قلقٍ يقول:

(طمنونا على الحاجة)

وترقّبٍ وأمل:

(إن شاء الله الحاجة متحسنة)

وتفاؤلٍ صادق:

(إن شاء الله مرقت من المستشفى)

ولدى هؤلاء جميعًا،

والصامتين في وجلٍ وترقّب،

يقينٌ عند الله لا يخيب.

فقد صدق وعدُه،

وعافاها الله،

وكفّر عنها،

وطهّرها،

ودعاها إليه…

فاستجابت.

أوليس القائل – جل جلاله – في كتابه العزيز:

﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضيةً مرضية﴾

وتنزّلت بشارات الثبات والسكينة،

تخفّف من هول المصاب…

كيف لا،

وقد ارتقت الروح مع أذان المغرب،

في ليلة الجمعة المباركة،

من رجب الخير – رجب الصبّ.

ذات الجمعة التي رحل فيها والدُنا،

شريكُ حياتها.

فصُلِّي عليها جمعٌ غفير،

وأشار الإمام الراتب لعِظَمها على غير ما اعتاد،

ووُوريت الثرى في موكبٍ كريم.

فاحتسبنا،

وانخرطنا ندعو،

ومعنا الجموع،

أن يُحسن الله وفادتها،

كما أحسن خاتمتها.

واستحقّت – بوعد سيد الخلق ﷺ – أن (وَجَبَت).

وتجلّت ألسنة الحق في سرادق العزاء،

الذي ضاق بالحضور الرفيع،

وارتفعت الأكفّ صادقةً بدعاءٍ لم ينقطع،

واتصالاتٍ لم تتوقف،

وآخرون بظهر الغيب…

الله يعلمهم ولا نعلمهم.

أذهلنا الحضور،

وأدهشنا الوفاء،

والدعاء،

والبكاء صدقًا…

برًّا…

ووفاءً…

وعجزنا عن التعبير،

والشكر،

والثناء.

حضر من قصّرنا في حقه،

وحضر من يتوكأ من علّة،

وحضر عارفو الفضل والجوار الحسن،

حضر الجميع…

وكان الغياب حضورًا بصادق المشاعر.

ولم يكن ذلك فلاحًا منّا،

ولا نجاحًا نُدّعيه،

بل هي بركاتٌ طالما أكرمنا بها ربُّ العزة،

استجابةً لدعواتها المباركة،

التي نألم لانقطاعها،

ونرجو أن يجعل الله تلك البركات فينا،

وفي من أحبّها.

رحل جسد حياة النفوس،

أما روحها…

فباقية… باقية.

المكلوم:

عمر عبد الماجد بشير 

القاهرة – رجب

زر الذهاب إلى الأعلى