أعمدة الرأي

إيقاعُ الأنامِل عقيدُ شُرطة: مُرتضى العالِم يكتب شُهَداءُ الشُّرطة تَلبيةُ النِّداءِ ومعاني الفِداء عَبَقُ الأمكِنَةِ وشَرافةُ الأزمنة

 

وَرَدَ في الأثَرِ مَقولَةٌ: «بَخٍ بَخٍ، لَئِنْ أَنا حَيِيتُ حتّى آكُلَ تَمَراتي هذِهِ، إِنَّها لَحَياةٌ طَويلةٌ»، وتُنْسَبُ هذه المَقولَةُ للصَّحابيِّ الجليلِ عُميرِ بنِ الحُمامِ الأنصاريِّ رضيَ اللهُ عنه، يومَ غَزوةِ بَدرٍ، حينما حَثَّ النَّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم على الجَنّةِ قائلاً: «قوموا إلى جَنّةٍ عَرضُها السَّماواتُ والأرضُ».

حينَها نَظَرَ سيِّدُنا عُميرٌ رضيَ اللهُ عنه إلى التَّمراتِ الّتي كانَ يَنوي التَّزَوُّدَ بها، فرأى فيها حِجابًا ومانعًا يَحولُ بينَه وبينَ دُخولِ الجَنّةِ في زَمَنِ مَضغِها، فرَماها، وانطَلَقَ مُندَفِعًا نحوَ صُفوفِ القِتالِ طَلَبًا لِلمَوعدِ الّذي قَطَعَه له النَّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم، حتّى ارتقى شَهيدًا عندَ ربِّه، فَرِحًا بما آتاهُ اللهُ مِن فَضلِه ورِضوانِه.

 

هكذا تَتَجَلّى عَظمةُ الشُّهداءِ، وتَتَحَلّى الأزمنةُ بِعاطِرِ تَضحياتِهم، وإقدامِهم في طَلَبِ الشَّهادةِ بِصِدقِ النَّوايا الّتي لم يُخالِجْها خوفٌ ولا إكراهٌ؛ وتِلكَ هي أسمى دَرَجاتِ التَّضحيةِ والفِداءِ في سبيلِ اللهِ والوطنِ. فمَن سألَ الشَّهادةَ بِصِدقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنازِلَ الشُّهداءِ، حتّى لو ماتَ على فِراشِه.

 

مَضى الشُّهداءُ في دُروبِ العِزَّةِ والكَرامةِ، أحياءً عندَ ربِّهم يُرزَقون، يَستَبشِرونَ بِمَن خَلفَهم لِمواصلةِ المَسيرِ. وإدراكًا لِذلكَ الفَضلِ، قامَتِ الشُّرطةُ بِمبادراتٍ عديدةٍ ومُتنوِّعةٍ لِرعايةِ وخِلافةِ أُسَرِ الشُّهداءِ.

وفي خِضَمِّ هذا الحِراكِ الشُّرطيِّ الاجتماعيِّ، وفي لَيلةٍ رَمَضانيّةٍ مِن أيّامِ العِتقِ مِن النّارِ—وهي أرجى الأوقاتِ لِمغفرةِ الذُّنوبِ وتَكفيرِ السَّيِّئاتِ—رافَقتُ السَّيِّدَ مُديرَ الإدارةِ العامّةِ لِلمُشترياتِ والتَّخَلُّصِ مِن الفائضِ، اللِّواءَ شُرطةَ سُليمانَ حَسَنَ أحمَد قُرشي، في جَولةٍ تَفَقُّديةٍ لِأُسَرِ شُهداءِ مَعركةِ الكَرامةِ مِن مَنسوبي الشُّرطةِ.

وقد حَمَلَتِ الزِّيارةُ دَلالاتِ الوَفاءِ والمَعروفِ، النّابِعَةَ مِن اهتمامِ وِزارةِ الدّاخليّةِ ورئاسةِ قُوّاتِ الشُّرطةِ، تَكريمًا لأرواحِ الشُّهداءِ، وتَخليدًا لِذِكراهم، ووَفاءً لِتَضحياتِهم. فَقَد أضفى زَمانُ الزِّيارةِ على مَكانتِها وأمكنتِها أَلَقَ اللِّقاءِ، وجَمالَ التَّلاقي، وروعةَ الوِصالِ بِعَوائلِ الشُّهداءِ.

 

بَدَأَتِ الزِّيارةُ للوهلةِ الأولى بِبُعدِها الحِسِّيِّ، كحِراكٍ روتينيٍّ اجتماعيٍّ لا يَتَعدّى المُواساةَ وتَخفيفَ الأحزانِ عن عَوائلِ الشُّهداءِ؛ ولكن سُرعانَ ما تَغيَّرَتِ المُعادلةُ رأسًا على عَقِبٍ، مِن أبعادِها الحِسِّيّةِ والمادِّيّةِ إلى رِحابٍ أوسَعَ وأعمقَ.

فَسُرعانَ ما تَجاوَزنا هذه المَشاهِدَ الدُّنيويّةَ إلى آفاقٍ أرحَبَ، بِرَمزيّةِ الدَّلالةِ المَعنويّةِ والرُّوحيّةِ، الّتي سَمَت فيها قِيَمُ الرِّضا، والقَبولِ، والتَّسليمِ لأمرِ اللهِ؛ بل تَعدّى الأمرُ إلى الفَرَحِ والاستِبشارِ بِنِعَمِ اللهِ وفَضلِه.

ولَعَلَّ هذه الحالَ كانتِ القاسِمَ المُشترَكَ، والسِّمَةَ اللافتةَ الّتي وَجَدنا عليها أُسَرَ الشُّهداءِ مِن الآباءِ، والإخوانِ، والأمّهاتِ، والزَّوجاتِ، والأبناءِ والبَناتِ. فكأنّما التَقَتِ القُلوبُ والأفئدةُ على أمرٍ قد قُدِّرَ، فَنَزَلَت فيها السَّكينةُ الّتي قَذَفَها اللهُ فيها، فَغَشِيَها مِن ذلكَ ثَباتٌ، وراحةُ نفسٍ، وطمأنينةٌ.

فالشُّهداءُ، وإن غابَت أجسادُهم، فذِكراهم باقيةٌ بِكُلِّ ما هو جَميلٌ، وجَذوةُ جِهادِهم ما تزالُ مُتَّقِدةً، تَهدي إلى سبيلِ الجِهادِ بِكُلِّ معاني الشَّرفِ والرِّفعةِ والسُّؤدُدِ.

 

انقَضَتِ الزِّيارةُ، وكَم تَمَنَّيناها أن تَطولَ في رِحابِ هؤلاءِ الشُّهداءِ، الّذينَ تَبايَنَتِ الحِكاياتُ والقِصَصُ عن سيرتِهم ومسيرتِهم، ولكنّها تَطابَقَت وصفًا وتَوافُقًا ومواقفَ، مِن حيثُ الخِصالُ والصِّفاتُ.

فبِكُلِّ مَنزِلٍ نَزَلناه، كانت هُناك وَقفةٌ وقِصّةٌ تَحكي عن عَظمتِهم شَجاعةً وصُمودًا، رُوِيَت لنا بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ، بِصِدقِ المشاعِرِ وصادقِ الأقوالِ، وبحالِ الأفعالِ.

حينها رأينا عَظمةَ الصّابِرينَ في ثَباتِ قُلوبِ أهلِهم، بِقوّةِ الإيمانِ؛ فهنيئًا لهم البُشرى بالتَّسليمِ لأمرِ اللهِ والاحتسابِ. فكان ما رأينا وسَمِعنا ولَمَسنا رافِعًا ودافعًا لِلمعنويّاتِ الّتي أَتَينا لِتَحفيزِها؛ فَوَجَدنا هذه الأُسَرَ، بِيقينِها وثَباتِها، أكثرَ مُواساةً لنا، وتَخفيفًا علينا، لِما لَحِقَ بهم وبِنا مِن مُصابٍ.

 

شُكرًا أُسَرَ وعَوائلَ الشُّهداءِ على أريحيّةِ الاستِقبالِ، وكَرَمِ الضِّيافةِ الفَيّاضِ، والمُقابلةِ بِالبِشرِ والتَّرحابِ.

شُكرًا لَكُم؛ فَقَد تَعَلَّمنا مِنكُم الدُّروسَ والعِبَرَ.

 

شُكرًا أُسَرَ شُهداءِ الشُّرطة:

الشَّهيدُ العَقيدُ شُرطة/ سيفُ الدَّولةِ محمّد إدريس – بالثَّورة،

والشَّهيدُ العَقيدُ شُرطة/ عبدُ الفتّاحِ البَلَه – بحيِّ الرَّكابيّة،

والشَّهيدُ الرَّائد/ أحمدُ الطيّبُ المَكّي – بحيِّ المَنارة،

والشَّهيدُ النَّقيبُ شُرطة/ محمّدُ محمودُ الشّاذِلي – بالثَّورة،

والشَّهيدُ المُلازمُ الأوّل/ أبوبكرُ يعقوبُ بخيت – بأمِّ بَدّة،

والشَّهيدُ الرَّقيبُ الأوّلُ شُرطة/ عيسى آدمُ موسى – بالكَلاكلة.

 

نَسألُ اللهَ أن يَتَقَبَّلَهُم وجَميعَ شُهدائِنا الأبرارِ في مَعركةِ الكَرامةِ بالقبولِ الحَسَنِ، وأن يُلهمَ أهلَهم وذويهم الصَّبرَ وحُسنَ العَزاءِ.

زر الذهاب إلى الأعلى