أعمدة الرأي

فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب عدالة قانون بيع الأموال المرهونة 1990م جدلية عدالة التشريع والتطبيق الدستوري والقضائي للقانون

 

بدءاً شكري وتقديري للزميل الدفعة العميد شرطة/ المستشار عباس محمد فضل المولى (المحامي)، أحد أقمار نجوم الدفعة 46 للعام يناير 1982م، لإثارته ضرورة إلغاء ظلال واسعة عن قانون بيع الأموال المرهونه السوداني 1990م، لمتابعته تأليف كتاب قيد الطباعة بعنوان العدالة الدستورية والتشريعية والقضائية والإدارية، لأن الكتاب يتناول جدلية عدالة قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م. وفي السياق، أشير إلى أنه سبق أن صدر حكم دستوري يقضي بدستورية القانون. وبكل احترام وتقدير لحكم المحكمة الدستورية عالية المقام، فإن هذا الحكم أخذ بدستورية القانون من جانب الشكل لا من جانب الموضوع والمعايير القيمية العليا في الإسلام والشريعية الاسلامية والمعايير الدولية ومعايير الدول الأوربية-الغربية في توفير الحماية القانونية الكافية للمدين المتعامل مع المصرف (البنك)، ومسئولية الدولة والمسئولية الاجتماعية للمصارف. وتوصيفاً، حكم المحكمة الدستورية القاضي بدستورية قانون بيع الأموال المرهونة 1990م، يُعرف في الفقه القانوني بالأحكام القضائية الشكلية، وهي تلك الأحكام التي تتحقق فيها الشروط الشكلية والإجرائية للقانون أو الدستور، لكنها لا تعكس بالضرورة تحقيق العدالة الجوهرية أو حماية الحقوق الأساسية للأطراف المتداعين.

ويُعزى صدور مثل هذه الأحكام غالبًا إلى ما يُعرف في الفقه والقانون الدستوري الحديث بالقاضي السياسي، وهو القاضي الذي يصدر أحكامه متأثرًا بالاعتبارات السياسية أو المصلحة المؤسسية، بحيث يكون الحكم أداة لتثبيت السلطة أو القرارات السياسية، أكثر من كونه حماية للحقوق القانونية. وبالمقابل، يُعرف القاضي الحارس بأنه القاضي الذي ينظر في القضايا على أساس صيانة القانون والدستور، ويطبق المبادئ القانونية لحماية الحقوق والحريات العامة، بعيدًا عن أي تأثير سياسي أو ضغوط خارجية. أما القاضي الهجين، فهو الذي يجمع بين تطبيق القانون بدقة الشكل القانوني وبين مراعاة البُعد السياسي أو الاجتماعي في الحكم، فيشكل خليطًا بين الحيادية القانونية والانحياز المؤسسي.

وبذلك، يرتبط مفهوم القاضي السياسي ارتباطًا وثيقًا بالأحكام القضائية الشكلية، حيث تتحقق الشكلية القانونية في الحكم، لكن العدالة الجوهرية تبقى غير محققة، نتيجة تبعية القاضي للمعايير السياسية أو للأجندة المؤسسية، بدل أن يكون الحكم أداة لحماية الحقوق وإرساء العدالة.

وتأسيسًا على ما تقدم من التأصيل الفقهي لمفهوم الأحكام القضائية الشكلية، وتصنيف أنماط القضاة بين القاضي السياسي والقاضي الحارس والقاضي الهجين، فإن هذا الإطار النظري الفقهي، لا يظل دوماً حبيس التنظير، بل يجد تجلياته بوضوح في الواقع العملي للتطبيق القضائي. فمن واقع عملي تطبيقي، وربما يعيشه معي الأخ الزميل والصديق/ مولانا المستشار/ السر أبوتركي من وزارة العدل – رئيس الإدارة القانونية بوزارة مجلس الوزراء – أن حكماً في دعوى مدنية صدرت عن المحكمة العليا لا تزال قيد إعادة النظر أمام محكمة البداية (محكمة الموضوع)، لإعادة صياغة نقاط نزاع جديدة على ضوء موجهات المحكمة العليا في طعن بالنقض، وبما في ذلك إقامة طعن دستوري قيودات النمرة: م د/ ع د/ 23/ 2020م بتاريخ 20/02/2022م، مع صدور أمر وقف تنفيذ صادر من المحكمة الدستورية لوقف أحكام صدرت عن المحكمة العليا.

وسياقاً على ما تقدم، يستدعي هذا الواقع – في ضوء ما سبق بيانه من هيمنة الأحكام الشكلية وتداخل تصنيفات القضاة – التعليق على عدالة التطبيق للقانون بوجه عام، لا سيما فيما يتعلق بتنفيذ أوامر وقف التنفيذ الصادرة من المحكمة الدستورية والموجهة إلى القضاء العادي ضمن السلطة القضائية. ويتعلق الأمر بطلب مقدم لرئيس القضاء – قاضي المحكمة العليا المفوض – رئيس الدائرة المدنية في المحكمة العليا، لفحص حكم صادر عن دائرة المراجعة الخماسية من خمسة أعضاء، استنادًا إلى دفع موضوعي وقانوني بعدم اختصاص دائرتي النقض والمراجعة، لتشكيلهما من عضوية قضاة محكمة عليا لا تتوافر فيهم صفة تولي ولاية القضاء، لتعيينهم بعقود مشاهرة (عقود تعيين خاصة) صادرة من رئيس القضاء، بالمخالفة لأحكام الوثيقة الدستورية لسنة 2019م وقانون المفوضية القومية للخدمة القضائية لسنة 2005م.

وفي هذا السياق، تتجلى بصورة عملية العلاقة بين الأحكام القضائية الشكلية ونموذج القاضي السياسي، إذ إن تجاهل الدفوع الجوهرية المتعلقة بشرعية تشكيل دوائر الهيئة القضائية في المحكمة العليا، وعدم إعمال أثر أوامر وقف التنفيذ الصادرة من المحكمة الدستورية على نحو فعّال، يعكس تغليبًا للاعتبارات الشكلية والمؤسسية على حساب العدالة الموضوعية. فالحكم الذي يكتفي بإضفاء المشروعية الشكلية على إجراءات أو تشكيلات قضائية معيبة، دون فحص جوهر المشروعية الدستورية، إنما يقترب من نموذج القاضي السياسي الذي ينحاز إلى استقرار البنية المؤسسية القائمة، ولو كان ذلك على حساب حماية الحقوق الدستورية. وعلى هذا النحو، لا تظل الأحكام الشكلية مجرد توصيف نظري، بل تتحول إلى ممارسة قضائية تُفرغ مبدأ العدالة من مضمونه، وتُضعف من دور القضاء كحارس للدستور، وهو ما يعكس ابتعادًا عن نموذج القاضي الحارس، واقترابًا من نمط القاضي الهجين الذي يغلب عليه الطابع المؤسسي في ظاهره، والسياسي في جوهره.

وفي الموضوع مثار التعليقات في هذه المقاله، في الطلب المقدم لفحص حكم دائرة المراجعة، صدر قرار من دائرة الفحص (الثلاثية) برفض طلب الفحص، مع التأكيد على أن لمقدم الطلب الحق في اللجوء إلى المحكمة الدستورية، إذا رأى أن حقًا دستوريًا قد أُجهض، وذلك استنادًا إلى أن حكم دائرة المراجعة (الخماسية من خمسة أعضاء) أصبح نهائيًا، ولا سبيل لإعادة نظره لأي سبب من الأسباب.

وفي ذات السياق، ما يدعو للتعليق والنظر، هو أن ذات دائرة الفحص الثلاثية الأعضاء، التي تم تشكيلها للنظر في حكم دائرة المراجعة الخماسية الأعضاء، تتكون من قضاة لا تتوافر فيهم صفة ولاية القضاء وفق الدستور والقانون. وأنه وعلى الرغم من وجود مستندات مرفقة مع طلب الفحص من بينها أمر وقف التنفيذ الصادر عن المحكمة الدستورية بالنمرة م د/ ع د/ 23/2020م، ومستند آخر قرار صادر من قاضي المحكمة العليا المفوض – رئيس الدائرة المدنية في المحكمة العليا، موجه مباشرة لقاضي محكمة البداية (محكمة الموضوع) لتنفيذ أمر وقف تنفيذ في طلب فحص آخر مماثل، وافق عليه قاضي المحكمة العليا المفوض بتنفيذ أمر التنفيذ الآخر المماثل الصادر من المحكمة الدستورية.

في السياق ذاته، يثير التعليق والنظر، حالة تشكيل دائرة فحص ثلاثية من ثلاثة أعضاء للنظر في حكم دائرة مراجعة خماسية من خمسة أعضاء، رغم الدفع بعدم اختصاص دوائر المحكمة العليا في النقض والمراجعة لتشكيل دوائر من قضاة لا تتوافر فيهم صفة تولي وظيفة القضاء، إلا أنه رغماً عن ذلك، تم تشكيل دائرة الفحص الثلاثية من عضويين اثنين لا تتوافر فيهم صفة تولي القضاء، نظروا طلب أمر الفحص فصلاً في الطلب من خلال مستندات الطلب المرفقة والتي من ضمنها أمر وقف التنفيذ الصادر عن المحكمة الدستورية، وقرار قاضي المحكمة العليا المفوض – رئيس الدائرة المدنية في المحمة العليا – الذي يأمر قاضي محكمة الموضوع بتنفيذ أمر الوقف الصادر من المحكمة الدستورية في قضية آخرى مماثلة لتقديم دعوى طعن دستوري أمام المحكمة الدستورية، ولكن على الرغم من ذلك، يأتي رفض طلب الفحص بتوجيه مقدم طلب الفحص كاتب المقالة هذه اللجوء للمحكمة الدستورية.

هذا الموقف من دائرة الفحص في المحكمة العليا، يفتح الباب أمام توصيفه كحالة نموذجية لمآلات الأحكام القضائية، لما يسمى ازدواجية المعايير في الأحكام القضائية، إذ أن المحكمة العليا تمسكت من جهة بالشكليات الإجرائية لتبرير رفضها طلب الفحص المقدم لها، بأن الحكم المطلوب فحصه حكم بات صادر من دائرة المراجعة، بينما تغاضت من جهة أخرى عن جوهر الاختصاص القضائي وعلوية أحكام المحكمة الدستورية في أمر وقف التنفيذ، والتغاضي عن أمر أصدره قاضي المحكمة العليا المفوض – رئيس الدائرة المدنية في المحكمة العليا الذي يلزم المحاكم الأدنى بتنفيذ أوامر وقف التنفيذ الصادره من المحكمة الدستورية. وهنا يمكن تعريف ازدواجية المعايير بأنها: حالة من التناقض في التطبيق، حيث تُطبّق القواعد أو المبادئ القانونية بشكل صارم في موقف معين، بينما يتم تجاهلها أو الالتفاف عليها في موقف آخر مشابه، مما يؤدي إلى فقدان العدالة الاتساق والموضوعية، ويُضعف ثقة المتقاضين في المؤسسة القضائية.

وبذلك، يصبح رفض دائرة الفحص الثلاثية لطلب الفحص، رغم وجود أوامر صادرة عن المحكمة الدستورية وقرار قاضي المحكمة العليا المفوض بتنفيذ أمر وقف تنفيذ صادر من المحكمة الدستورية، انعكاساً مباشراً لهذه الازدواجية؛ فهو يُبرز كيف يمكن أن تتحول السلطة القضائية إلى ممارسة انتقائية للمعايير، بما يضعف مبدأ سيادة القانون، ويثير إشكالات حول مسئولية الدولة في ضمان عدالة متسقة.

وأيضاً يُظهر هذا الواقع، كيف أن اعتماد الأحكام الشكلية دون النظر إلى جوهر العدالة أو حماية الحقوق، يُمثل انعكاسًا عمليًا لمفهوم القاضي السياسي السمة الغالبة للقضاء والقضاة في السودان، ويؤكد أهمية التمييز بين الشكل والموضوع في تقييم العدالة القضائية والتشريعية، لا سيما في قضايا حساسة مثل قانون بيع الأموال المرهونة لسنة 1990م، الذي صدر بموجب المرسوم الدستوري الثالث لسنة 1989م وأقرته حكومة الإنقاذ الوطني في سنة 1990م، وقد نصّ القانون على أن أحكامه تسود على أي قانون آخر في حالة التعارض، بل أن القانون طُبّق بأثر رجعي على الأموال المرهونة حتى لو كانت قضاياها منظورة أمام المحاكم. وبموجب ذلك، أصبح للدائن – وغالبًا المؤسسات المصرفية – سلطة مباشرة في بيع العقارات والمنقولات المرهونة دون الحاجة إلى إجراءات قضائية مطوّلة، الأمر الذي اعتُبر إخلالًا بحقوق المدينين وأثار إشكالات عملية وقانونية على مستوى القضاء. وقد أفرز ذلك القانون ثلاثة إخلالات رئيسية:

(أولًا) الأثر الرجعي، بتطبيق القانون بأثر رجعي، إذ واجهت المحاكم السودانية حالات كان النزاع فيها مستمرًا، لكن القانون فرض تطبيقه بأثر رجعي، مما أثار جدلاً حول مبدأ عدم رجعية القوانين.

(ثانيًا) تعارض القانون مع تشريعات أخرى، حيث نصّ على سيادته وعلوه، بأن أحكامه تسود على أي قانون آخر، مما وضع القضاء أمام معضلة عند تعارضه مع قوانين الملكية أو الإجراءات المدنية.

(ثالثًا) غياب الحماية للمدين، إذ أن القانون يُجيز بيع الأموال المرهونة دون مراعاة ظروف الإعسار أو العجز أو منح مهلة زمنية قائمة على الشفافية والعدالة الاجرائية، وهو ما يُعد إخلالًا بمبدأ العدالة وحسن النية في المعاملات المدنية ،،،، ونواصل،،، وللحديث بقية.

فريق شرطة(حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

الأول من شهر شوال 1447 هجري

الموافق 20 مارس 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى