مقالات الرأي

السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (2)

 

لبناء دستور راسخ يشكّل عقدًا اجتماعيًا للسودانيين في وطنهم، تناولت المقالة الأولى فرضية السودان بوصفه دولة عضوية  معطاة، ودولة مصطنعة، وأخرى دولة مفروضة من الخارج. ولتبرير هذه الفرضية، استعرضت المقالة مقولات من الفكر السياسي المقارن تُبرز التمييز التحليلي بين هذه الأنماط الثلاثة للدولة، باعتباره مدخلًا لفهم إشكاليات الشرعية وبنية السلطة والهوية السياسية. فالدولة العضوية / المعطاة هي كيان نشأ تاريخيًا عبر تطور داخلي تراكمي، بما يفضي إلى شرعية متولدة من التفاعل المستمر بين المجتمع ومؤسساته. وفي المقابل، تمثل الدولة المصطنعة بناءً مؤسسيًا قد يعاني فجوة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، فيما تكون الدولة المفروضة من الخارج نموذجًا منفصلًا عن الإرادة المجتمعية، ما يثير أزمات مستمرة في الشرعية والسيادة.

وفي السياق الإسلامي، يتجسد نموذج الدولة العضوية / المعطاة من خلال ثنائية البيعة والشورى؛ إذ تمثل البيعة مصدر الشرعية (الشرعية التأسيسية) عبر تفويض الأمة (الشعب السياسي-القانوني) للحاكم، بينما تمثل الشورى آلية ممارستها (الشرعية الإجرائية) من خلال تنظيم المشاركة وضمان المساءلة ومنع احتكار السلطة. ويأتي الدستور في الدولة الحديثة المعاصرة بوصفه الإطار الذي يقنّن هذه العلاقة، حيث يحول القيم والمبادئ إلى قواعد مؤسسية تنظّم السلطة وتقيّدها.

إلا أن الدستور، رغم مركزيته، لا يوازي المرجعية القيمية التي تظل إطارًا معياريًا أعلى، يستند إلى مبادئ العدالة والمصلحة ومقاصد الحكم الرشيد، في حين يعمل الدستور على ترجمة هذه القيم إلى صياغة قانونية قابلة للتطبيق والرقابة. ومن ثم، تقوم الشرعية على تفاعل مستمر بين مصدرها (البيعة)، وآلية ممارستها (الشورى)، والإطار المؤسسي المنظّم (الدستور)، تحت رقابة معيار قيمي فوقي يتجاوز النصوص التشريعية.

كما يتجسد دور أهل الحل والعقد بوصفهم فاعلًا وسيطًا يجمع بين التمثيل الاجتماعي والخبرة المعرفية، وهو دور أعيد توزيعه في الدولة الحديثة على مؤسسات متعددة كالتشريع والتنفيذ والقضاء. ويكشف هذا التحول عن انتقال من نموذج عضوي موحّد إلى بنية مؤسسية متعددة المستويات، الأمر الذي يعكس تطورًا في آليات الشرعية وتوزيع السلطة.

ومن هنا يمكن النظر إلى تطور الدولة في التجربة الإسلامية، باعتباره حركة انتقال بين أنماط مختلفة من الشرعية. ففي مرحلة الخلافة الراشدة، برز نموذج (عضوي / معطى) للشرعية، حيث انبثق النظام السياسي من داخل الجماعة المُسلِمة نفسها عبر آليات البيعة والشورى، بما يعكس قبولًا جماعيًا وتأسيسًا أخلاقيًا-دينيًا للسلطة. إلا أن التحولات اللاحقة، بدءًا من الدولة الأموية ثم العباسية وصولًا إلى السلطنة العثمانية، اتجهت نحو أشكال أكثر مركزية، حيث أصبحت الشرعية ترتكز على القوة العسكرية أو الوراثة أو الفرض المؤسسي من أعلى، وهو ما يمثل انتقالًا من شرعية نابعة من الجماعة إلى شرعية مفروضة أو مصطنعة.

وفي هذا الإطار المفاهيمي لأشكال الدولة في المجتمعات ذات المرجعية الإسلامية، يتيح التبدل التاريخي في أنماط الشرعية فهمًا أعمق للتجارب الدستورية المعاصرة، التي تسعى إلى التوفيق بين الرمزية الإسلامية من جهة، والمؤسسات الحديثة من جهة أخرى. ففي بعض السياقات، تُستعاد البيعة بشكل رمزي في مراسم القسم أو الولاء، بينما تُمارس الشورى بصورة مؤسسية عبر البرلمانات أو المجالس المنتخبة، بما يعكس محاولة الجمع بين المرجعية التراثية وآليات الحكم الحديثة.

ومن ثم، تتحرك الشرعية في النظم الراهنة بين صيغ عضوية / معطاة نابعة من المجتمع، وصيغ مصطنعة أو مفروضة بفعل الضغوط الخارجية أو بفعل هيمنة النخب السياسية. هذا التداخل يكشف عن استمرار جدلية الشرعية بين الأصل الإسلامي والتجربة الحديثة، حيث لا يُنظر إلى البيعة والشورى كمفاهيم تراثية جامدة، بل كأدوات تفسيرية لفهم طبيعة الدولة ومصدر شرعيتها، ولتحليل العلاقة بين السلطة والمجتمع في أبعادها التاريخية والمعاصرة.

وعليه، فإن البيعة والشورى لا تمثلان مجرد مفاهيم تراثية، بل تشكّلان مفاتيح تفسيرية لفهم طبيعة الدولة ومصدر شرعيتها، ولتحليل العلاقة بين السلطة والمجتمع في سياقاتها التاريخية والمعاصرة. وفي الحالة السودانية، حيث يشكّل الإسلام المرجعية الثقافية الغالبة بنسبة تقارب 99% من السكان، يتقاطع هذا البُعد مع واقع اجتماعي متعدّد ومتنوع الثقافات، ما يجعل من البيعة والشورى أدوات لفهم كيفية بناء شرعية جامعة لا تُقصي المكوّنات الأخرى، بل تُعيد صياغة العلاقة بين الأغلبية الثقافية الإسلامية والتنوع الاجتماعي والسياسي في إطار دستوري حديث، بوصفه عقدًا اجتماعيًا يسعى إلى تحقيق العدالة والمشاركة والاعتراف بالتعددية ضمن وحدة وطنية جامعة.

ومن ثم، فإن متطلبات الدستور السوداني المعاصر، تتمثل في أن يكون عقدًا اجتماعيًا متوازنًا يحقق التلاقي بين المرجعية الإسلامية التي تمنح الأغلبية إطارًا قيميًا جامعًا، وبين الاعتراف بالتعددية الثقافية والسياسية التي تشكّل جزءًا أصيلًا من المجتمع السوداني. وبهذا المعنى، يصبح الدستور أداة لترجمة القيم الإسلامية في العدالة والمشاركة إلى قواعد مؤسسية، وفي الوقت ذاته إطارًا يضمن المساواة والاعتراف بالتنوع، بما يرسّخ وحدة وطنية قائمة على الشرعية المشتركة لا على الإقصاء أو الفرض الخارجي.

وفي ضوء هذه التركيبة السياسية والاجتماعية والتاريخية، تصبح مسألة الشرعية محورًا لفهم الدولة السودانية المعاصرة. إذ يمكن ربط الشرعية التقليدية بالآليات الحديثة في النظم السياسية المقارنة؛ فالشرعية تُستمد من الإرادة الشعبية عبر الانتخابات والاستفتاءات، وتتقيد بمبدأ المساءلة والمحاسبة عبر مؤسسات دستورية وقانونية، ويضاف إليها البُعد التنموي والاجتماعي والاقتصادي كشرط أساسي لضمان قبول المجتمع للسلطة واستمرارية الحكم. وبهذا الربط، تتقاطع الشرعية الإسلامية التقليدية مع مبادئ الحكم الديمقراطي الحديث، حيث تتلاقى فكرة رضا الأمة والمساءلة والمسئولية مع أدوات الانتخابات والمساءلة الدستورية والتنمية الشاملة، فيصبح الحكم مشروعًا ليس فقط بالاستناد إلى النصوص والسلطة القانونية، بل أيضًا عبر الأداء والقبول الشعبي والعدالة الاجتماعية. وهو ما يوفر إطارًا متكاملًا لفهم التحديات المعاصرة التي تواجه الدولة السودانية في مسألة الشرعية وبناء دستورها الحديث.

وعند إسقاط هذا الإطار التوصيفي التعريفي لأشكال الدولة في الفكر السياسي–الدستوري الحديث والمعاصر (الدولة العضوية / المعطاة، الدولة المصنوعة، الدولة المفروضة) على نشأة الدولة السودانية الحديثة، تتجلى جدلية التداخل بين هذه النماذج بوصفها سمة بنيوية أساسية. فالسودان لم ينشأ كدولة تاريخية–حضارية متصلة ذات جذور ممتدة، ولم يتشكّل كدولة وراثية تقليدية قائمة على مؤسسات حكم مركزي راسخ ولحمة ثقافية موحّدة بين مكوناته. بل تبلورت الدولة السودانية في سياق خارجي ارتبط بما يُعرف في الأدبيات السياسية بهياكل التحالفات الإمبراطورية (Alliance Structures/Imperial Alliances)، حيث شكّل التحالف المصري–التركي في إطار الدولة العثمانية -The Egyptian–Turkish Imperial Alliance within the Ottoman Empire – نقطة الانطلاق لتأسيس سلطة مركزية حديثة منذ عام 1821م.

هذا التوصيف، يوضح أن نشأة الدولة السودانية لم تكن نتاج تطور داخلي عضوي، بل جاءت عبر تداخل عوامل خارجية وتحالفات إقليمية، وهو ما أفرز نموذجًا مركّبًا يجمع بين عناصر الدولة المصطنعة والمفروضة. ومن ثم، فإن فهم طبيعة الدولة السودانية المعاصرة يتطلب تحليل هذا التداخل التاريخي، باعتباره أساسًا لإشكاليات الشرعية والسيادة، وللتحديات التي تواجه بناء دستور حديث قادر على استيعاب الأغلبية الثقافية الإسلامية مع التعددية الاجتماعية والسياسية في إطار عقد اجتماعي جامع.

ويمكن تصنيف هذا الترتيب الإنشائي التكويني للسودان بوصفه كوندومينيوم استعماري–تعاقدي (Colonial–Contractual Condominium)، أي ترتيب يسمح بمشاركة السيادة النظرية بين الأطراف وفق اتفاقيات محددة، لكنه في الوقت ذاته يحمل الطابع الاستعماري، حيث كانت السيطرة الفعلية مركزة في مصر ضمن إطار الهيمنة العثمانية، ومن ثم، يمثل هذا التحالف نموذجًا أوليًا للدولة المفروضة من الخارج (Externally Imposed/Constructed State)، إذ أُنشئت الدولة بناءً على إرادات خارجية أكثر من كونها نتاجًا لتراكم داخلي أو توافق اجتماعي محلي. إلا أن بذور بناء الدولة المركزية بدأت تتبلور لاحقًا عبر المراحل التاريخية المتعاقبة لهذه التجربة، ابتداءً من الإدارة التركية–المصرية، مرورًا بفترة المهدية، ثم الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري، وصولًا إلى مرحلة الاستقلال وما بعدها. هذه المراحل تكشف أن الدولة السودانية لم تتطور بشكل عضوي متصل، بل عبر سياقات متقطعة فرضتها التحالفات الخارجية والظروف الاستعمارية، وهو ما أفرز نموذجًا مركّبًا للشرعية والسيادة ظل يواجه تحديات مستمرة حتى اليوم.

ثم تعمّق هذا المسار التكويني للسودان مع مرحلة الحكم الثنائي في السودان الذي يُعرف بالتحالف الاستعماري البريطاني-المصري Anglo-Egyptian Condominium بوصفه شكلًا خاصًا من أشكال التحالفات الدولية

International Alliances يقوم على إدارة مشتركة لإقليم واحد، وهو ما يُعبّر عنه معرفياً في القانون الدولي بمصطلح Condominium الذي يُعرَّف بأنه نظام قانوني–سياسي تخضع بموجبه منطقة معينة لسيادة مشتركة تمارسها دولتان أو أكثر في آن واحد دون انفراد أي منهما بالسيادة الكاملة، ويقوم على فكرة السيادة المشتركه أو السيادة الثنائية Joint Sovereignty – Co-Sovereignty، إلا أن هذا النموذج في التطبيق العملي غالبًا ما يكون شكليًا، إذ يخفي اختلالًا في ميزان القوة، وهو ما تجسد في الحالة السودانية حيث كانت السيادة مشتركة نظريًا بين بريطانيا ومصر لكنها خاضعة فعليًا لهيمنة بريطانية، مما يجعله نموذجًا للسيادة المشتركة (Asymmetrical Condominium – أي السيادة المشتركة غير المتكافئة)؛ والذي هو نمط من أنماط السيادة المشتركة على إقليم معيّن، تتقاسم فيه دولتان أو أكثر السلطة من الناحية الشكلية وفق ترتيب قانوني توافقي، إلا أن موازين القوة الفعلية تكون مختلة لصالح أحد الأطراف، بحيث يمارس سيطرة حقيقية تفوق غيره، فتصبح بذلك المشاركة في السيادة ظاهرية، بينما تنفرد دولة بعينها بالإدارة والتوجيه الاستراتيجي للإقليم) ضمن إطار التحالفات الاستعمارية -Colonial Alliances )، حيث التحالفات الاستعمارية؛ هي ترتيبات أو اتفاقات بين قوى استعمارية تهدف إلى تنسيق السيطرة على أقاليم خارجية أو اقتسام النفوذ فيها، سواء عبر إدارة مشتركة أو توزيع وظيفي للأدوار، وتستند هذه التحالفات إلى منطق الهيمنة وتحقيق المصالح الإمبراطورية، لا إلى إرادة الشعوب الخاضعة لها، مما يجعلها إطارًا لإنتاج أنماط حكم مفروضة من الخارج تفتقر إلى الشرعية الداخلية.

وفي السياق، رغم أن اللغة العربية كانت وما تزال اللغة المشتركة لغالبية سكان السودان، فإن التعدد الإثني الكبير والمتنوع أدى إلى أن تُبنى الهويات الجماعية لكل مجموعة إثنية على أساس ثقافي–إثني محلي محدد، بحيث تتمحور العلاقات الاجتماعية والرموز والتقاليد والأنماط الاقتصادية لكل مجموعة حول هويتها الثقافية الخاصة، مما يجعل الانتماء للإثنية المحلية أقوى أحيانًا من الانتماء إلى الدولة الوطنية الجامعة، وهو ما يعكس ما يمكن تسميته علميًا (ethnically-layered cultural identity) أي هوية ثقافية متعددة الطبقات الإثنية، حيث تتداخل الهوية الوطنية العامة مع الهويات المحلية، لكنها لا تلغي خصوصية كل إثنية، ما يخلق فجوة بين وحدة اللغة المشتركة وبين التماسك الاجتماعي–الثقافي المؤسسي للدولة.

وقد ترتب على هذا النمط من التأسيس عبر التحالفات والهوية الإثنية، أن تشكلت الدولة السودانية كبنية مؤسسية (جاهزة) من حيث التنظيم الإداري والقانوني، لكنها (غير مكتملة) من حيث الشرعية الاجتماعية والدستورية، وهو ما انعكس لاحقًا في مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث سعت الدولة إلى التحول نحو نموذج الدولة المُعطاة / العضوية عبر بناء شرعية داخلية قائمة على الدستور والإرادة الشعبية، إلا أن هذه المحاولات ظلت متعثرة بفعل استمرار أثر التأسيس الخارجي المفروض، والانقطاعات المتكررة في المسار الدستوري، وتفاقم إشكاليات الهوية والتعدد الإثني، مما أفرز حالة من (ازدواجية التأسيس) تتعايش فيها عناصر الشرعية المفروضة تاريخيًا مع محاولات بناء شرعية داخلية لم تكتمل شروطها، كما أن غلبة الطابع الانتقالي على الوثائق الدستورية وعدم استقرار النظام الدستوري يعكسان استمرار الفجوة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء كون الدولة نشأت ضمن إطار تشكلات تحالفية (Alliance-Based State Formation)، أي تكوّن الدولة عبر تحالفات خارجية أعادت تشكيل بنيتها وحدودها.

وعليه، فإن فهم الدولة السودانية المعاصرة يقتضي النظر إليها بوصفها نتاجًا مركبًا لتفاعل بين الفرض الخارجي (External Imposition)، أي تدخل القوى الإمبراطورية والاستعمارية في تكوين الدولة وإعادة رسم مؤسساتها وحدودها السياسية–الجغرافية الموروثة من المستعمر، وبين محاولات لاحقة لإنتاج شرعية داخلية (Internal Legitimacy) لم تكتمل بعد، وهي الشرعية المستمدة من إرادة المجتمع ومؤسساته وقبوله للسلطة القائمة. ويضاف إلى ذلك البُعد الإثني–الثقافي المتعدد، إذ يتميز السودان بتنوع واسع من المجموعات الإثنية ذات هوية ثقافية متعددة الطبقات، حيث تتداخل الهوية الوطنية العامة مع الهويات المحلية لكل مجموعة، مع احتفاظ كل منها بخصوصية ثقافتها وعاداتها وتقاليدها، ما يفرض تحديات واضحة على اللحمة الوطنية.

وبالتالي، فإن إشكالية الشرعية في السودان، لا تُختزل في كونها مسألة قانونية أو سياسية بحتة، بل هي قضية تأسيسية (Foundational Issue) تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، ومدى قدرتها على التحول من كيان مفروض تاريخيًا (Historically Imposed Entity) إلى كيان يعبر عن إرادة مجتمعه (Socially-Embedded State)، أي دولة متجذرة اجتماعيًا.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن القانون الدولي رسّخ مبدأ (Uti Possidetis Juris)، أي الاعتراف بالحدود المرسومة الموروثة من الاستعمار بوصفها حدودًا دولية ملزمة، وذلك لضمان الاستقرار ومنع النزاعات بين الدول الناشئة. إلا أن هذا المبدأ، رغم أهميته القانونية، لم يكن كافيًا لإرساء شرعية داخلية في الحالة السودانية، إذ ظل التحدي قائمًا في تحويل تلك الحدود الموروثة إلى إطار سياسي–اجتماعي مقبول من جميع المكوّنات الوطنية.

ويزداد هذا التحدي وضوحًا، بالنظر إلى أن السودان يمتلك حدودًا برية طويلة مفتوحة لا عائق طبيعي لها، تبلغ طولها حوالي 7434 كيلومترًا مع سبع دول هي: مصر (1276 كم)، ليبيا (382 كم)، تشاد (1360 كم)، إفريقيا الوسطى (174 كم)، جنوب السودان (2158 كم)، إثيوبيا (744 كم)، وإريتريا (605 كم). وهذه الحدود، المرسومة في الحقبة الاستعمارية، لا تتطابق مع الامتدادات الإثنية والثقافية عبر إقاليم دول الجوار؛ إذ تمتد المجموعات السودانية إلى داخل مصر وليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان، كما يتداخل البجا مع إثيوبيا وإريتريا، فضلًا عن توطن العديد من إثنيات غرب إفريقيا (مثل الفلاتة والبرنو وغيرهم) داخل السودان.

وقد أسهم هذا التداخل في جعل البنية الإثنية أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التنوع مجرد انعكاس داخلي، بل نتاجًا لتاريخ طويل من الهجرات والتمازج عبر الحدود.

ويُضاف إلى ذلك البُعد الإثني–الثقافي المتعدد، الذي لا يقتصر على كونه نتاجًا للحدود الموروثة أو للهجرات الحديثة، بل هو بُعد تاريخي متجذّر داخل السودان منذ قرون طويلة قبل ترسيم الحدود السياسية. فقد تشكّلت داخله فسيفساء إثنية–ثقافية مستقرة، حيث تداخلت اللغات والعادات والتقاليد والأنماط الاجتماعية لمجموعات محلية عريقة، ثم تعزّز هذا التنوع لاحقًا عبر موجات الهجرة البشرية من دول الجوار ومن غرب إفريقيا. وهكذا، فإن الهوية الوطنية السودانية تقوم على طبقات إثنية–ثقافية متراكمة (ethnically-layered cultural identity)، تجعلها إطارًا جامعًا هشًّا نسبيًا مقارنة بتجارب دول مثل العراق ولبنان وسوريا، وتُنتج في الوقت ذاته تحديات بنيوية واضحة تتعلق بدرجة التماسك الاجتماعي واللحمة الوطنية (Social Cohesion).

وعند تناول مسألة التنوع الإثني في السودان، خاصة بعد انفصال جنوب السودان، يصبح من الضروري تأصيل المفاهيم وضبطها اصطلاحيًا من منظور علمي دقيق، وذلك من خلال التمييز بين مفهوم المجموعة الإثنية (Ethnic Group) ومفهوم القبيلة (Tribe)، فالمجموعة الإثنية تُعرَّف في الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية بأنها جماعة بشرية تتشارك في مجموعة من عناصر الهوية، مثل اللغة، والثقافة، والتاريخ المشترك، والذاكرة الجمعية، وأحيانًا الدين، بحيث تشكّل هذه العناصر إطارًا للانتماء والتميّز عن غيرها من الجماعات، وتُنتج شعورًا بالهوية الجمعية (Collective Identity).

أما مفهوم القبيلة فهي وحدة اجتماعية أصغر نسبيًا، تقوم غالبًا على رابطة النسب بالدم أو الأصل المشترك (Real or Perceived Kinship – القرابة الحقيقية أو المتخيّلة)، وتتميز بوجود قيادة تقليدية وأعراف اجتماعية (Customary Norms – الأعراف التقليدية) تنظم العلاقات الداخلية بين أفرادها، وكذلك علاقاتها مع المجموعات الأخرى. وقد تتداخل القبيلة مع المجموعة الإثنية، بحيث تمثل القبيلة جزءًا من مجموعة إثنية أكبر، لكنها لا تتطابق معها بالضرورة، إذ يمكن أن تضم المجموعة الإثنية الواحدة عدة قبائل، كما يمكن أن تتوزع القبيلة الواحدة عبر أكثر من إطار إثني أو جغرافي.

وانطلاقًا من هذا التأصيل المفاهيمي، يمكن القول إن السودان – حتى بعد انفصال الجنوب – ظل محتفظًا بفسيفساء إثنية واسعة ومعقدة، إذ يضم نحو ستمائة قبيلة تنتمي إلى ما يقارب مئة وخمس وعشرين مجموعة إثنية مختلفة، إضافة إلى حوالي 125 لغة ولهجة محلية، ما يجعله من أكثر البلدان تنوعًا في القارة الإفريقية. ورغم أن هذا التنوع تقلّص جزئيًا بخروج بعض المجموعات الزنجية الكبرى مثل الدينكا والنوير والشلك والقبائل النيلية الاستوائية والقبائل الحدودية مع يوغندا ووسط إفريقيا عقب قيام دولة جنوب السودان، إلا أنه بقي متجذرًا بعمق في أقاليم دارفور وكردفان وشرق السودان والنيل الأزرق ووسط السودان النيلي والشمال النيلي. وهذا يؤكد أن بنية التنوع لم تتغير جذريًا، بل أعيد توزيعها جغرافيًا وسياسيًا. وبينما يحتفظ النوبيون في شمال السودان بخصوصية ثقافية وتاريخية ضاربة في القدم، متجذّرة في تداخلهم مع الأعراق الإثنية داخل الإقليم المصري حتى أسوان.

وفي السياق، الحضور المصري في السودان لم يقتصر على النوبيين وحدهم، إذ تماذجت دماء مصرية أخرى مع السودانيين عبر العصور، خاصة خلال الحقبة العثمانية–التركية–المصرية والفترة الإنجليزية–المصرية، في سياق حركة الجيوش التي تواجدت في السودان منذ عام 1821م حتى 1899م الجيش التركي-المصري، ثم خلال الحكم الثنائي الانجليزي-المصري الممتد من 1898م حتى الاستقلال عام 1956م، وما صاحبها من هجرات دماء أوروبية وآسيوية، وقد أسهم هذا الوجود العسكري والسياسي الطويل في تعقيد البنية الإثنية داخل السودان عبر إدخال عناصر سكانية جديدة وتمازجها مع المكونات المحلية. وفي المقابل، شهدت مصر نفسها تمصرنًا لدماء سودانية عبر موجات الهجرة والتداخل الاجتماعي، ما يعكس علاقة تبادلية ممتدة بين الشعبين، حيث تمازجت الهويات وتداخلت الأنساب على نحو يرسّخ وحدة تاريخية وإنسانية عميقة بين مصر والسودان.

ولا يقتصر هذا التعدد الإثني على البنية الاجتماعية فحسب، بل يمتد ليشمل المشهد اللغوي والديني، حيث تُستخدم أكثر من مئة وخمس عشرين لغة ولهجة محلية إلى جانب اللغة العربية بوصفها لغة تواصل مشتركة (Lingua Franca)، في حين يظل الإسلام الدين الغالب، مع وجود أقليات مسيحية ومعتقدات تقليدية محلية في بعض المناطق، وهو ما يعكس تعددية دينية نسبية داخل الإطار العام للمجتمع السوداني.

ومن هنا يمكن الانتقال إلى تحليل أثر انفصال جنوب السودان على هذا التنوع، حيث أدى الانفصال إلى إعادة تشكيل الخريطة الإثنية للدولة السودانية، من خلال تركيز التنوع في أقاليم محددة بدلًا من توزيعه بين الشمال والجنوب، إلا أن هذا التحول لم يؤدِّ إلى تقليص التحديات المرتبطة بإدارة التنوع، بل ربما زادها تعقيدًا، إذ استمرت – بل وتصاعدت – بعض النزاعات الإثنية والسياسية (Ethnic and Political Conflicts) في مناطق عديده مثل دارفور وكردفان وشرق السودان، نتيجة التداخل بين العوامل الإثنية والاقتصادية والسياسية.

وبذلك، يتضح أن السودان رغم فقدانه جزءًا من فسيفسائه الإثنية بانفصال الجنوب، ما زال يُعد من أكثر الدول تنوعًا في إفريقيا، وأن هذا التنوع يمثل في آنٍ واحد مصدر ثراء ثقافي وحضاري (Cultural Richness)، وتحديًا سياسيًا واجتماعيًا (Governance Challenge)، يتطلب إدارة رشيدة قائمة على الاعتراف بالتعدد (Recognition of Diversity)، وضمان العدالة والمساواة (Equality and Justice)، وبناء نموذج حكم شامل (Inclusive Governance) قادر على استيعاب هذا التنوع ضمن إطار وطني موحد، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويحول دون تحوّل الاختلاف إلى صراع.

وفي هذا السياق، يصبح التعامل مع التعدد الإثني ليس مجرد مسألة اجتماعية، بل قضية دستورية وسياسية عميقة ترتبط ببناء الدولة الوطنية (Nation-State Building)، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس تستوعب هذا التنوع وتحوّله من عامل تفكك إلى عنصر قوة، بما ينسجم مع متطلبات الشرعية الدستورية والاجتماعية في الدولة السودانية المعاصرة.

وبالتالي، فإن إشكالية الشرعية في السودان، لا تقتصر على كونها مسألة قانونية أو سياسية بحتة، بل هي مسألة تأسيسية (Foundational Issue – قضية تأسيسية) تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، ومدى قدرتها على التحول من كيان مفروض تاريخيًا (Historically Imposed Entity) إلى كيان يعبر عن إرادة مجتمعه (Socially-Embedded State – أي دولة متجذرة اجتماعيًا).

ويظل هذا التحول مرهونًا بإعادة بناء الدستور- العقد الاجتماعي (Social Contract) على أسس داخلية تستوعب التعدد الإثني والثقافي، وتحقق توازنًا متكاملًا بين الشرعية الدستورية (Constitutional Legitimacy) القائمة على القوانين والأنظمة، والشرعية الاجتماعية (Social Legitimacy) القائمة على قبول المجتمع وتفاعله مع الدولة. ويؤدي هذا التوازن إلى إنهاء أثر التحالفات الخارجية في تشكيل الدولة، وإرساء سيادة وطنية مكتملة الأركان (Sovereign Statehood – أي إرساء السيادة الوطنية الكاملة)، تشمل السلطة القانونية، الفعلية، والثقافية، بحيث تصبح الدولة معبّرة عن مجتمعها ومستجيبة لاحتياجاته المتنوعة. ونواصل للحديث بقية.

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي إستشاري القانون والموثق

05/ 04/ 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى