أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب حرقوها و احترقت و حُرقت.. دفنوها ومُحيت!
قبل ان نبدأ الموضوع، يطلُ أمامنا سؤالٌ موجهٌ للذين يكتبون: هل ندمتَ- يومًا- على شيءٍ كتبتَه، وتمنيتَ أنَّه لم يُنشر، ولو باستطاعتك أن تسحبَ ما كتبت لفعلت؟ هل فكرتَ- يومًا- في حرقِ او دفن أو غسلِ كتابٍ أو صفحاتٍ منه كتبتها؟
بعضُ العلماءِ فعلها، فمنهم من حرق كتبه ومنهم من دفنها ومنهم من غسلها. وكل ذلك عمدًا وبأيديهم!! من هم وما هي الأسباب؟
قال العلماء الذين احرقوا كتبهم أن هناك اسباب دفعتهم لذلك وهي كالتالي
1-خشيةَ أن تقعَ كتبُهم في يدِ من لا يفهمها
2-خشيةَ أن تقعَ في يدِ من لا يعرف قدرها
3-التصوف والزهد والتفرق للعبادة
4- خشيةَ أن تقع في من يغيِّر فيها بالزيادة أو النقصان
5-عدم حاجته اليها لحفظه لها، ولنقل طلابه ما فيها
قال يوسف: هذه الاسباب من وساوسِ الشيطان، واعوذُ باللهِ من الشيطان الرجيم. أما أن تحترقَ كتبُهم بغير إرداتهم أوتحرقها السلطات، فهذا شيءٌ منطقي ومقبول، إلّا أنهم احرقوها عمدًا، فهذه يصعب هضمها!! لو قلت إنهم مجانين أحرقوا كتبَهم، فهذا شيءٌ منطقي ومقبول، أما علماءُ أحرقوا كتبَهم التي سهروا فيها الليالي، فهذ أمرٌ لا يُعقل! قلت ليوسفَ: الشيءُ الذي لا يُعقل هو أن لا تُصدق أنَّ هناك علماءُ احرقوا كتبَهم، بينما تصدق ان يكون هناك مجانين يؤلفون كتبًا هذا هو غيرُ المنطقي. أدرك يوسفُ انّه وقع في هجمةٍ مرتدة نتج عنها هدف، فظهر على وجهه شعورٌ سلبي بالاستياء وعدم الرضا، فشدَّ شفتيه معا، وعقد حاجبيه مما أظهر تجعدًا على جبهته مع نصف ابتسامة، عاش يوسفُ شعور حارس المرمى الذي دخل في مرماه هدفٌ سهل ما كان يجب ان يدخل، فقال لا اراديا وبصوت مسموع: (واحد صفر) هو الذي خلق هذه المنافسة، ودائمًا حساباته معي بالاهداف، يعيش دورَ المنافسة فعليا يغضب ويفرح ويهتف، (الجهاز العصبي لا يفرق بين الحقيقة والخيال) قلتُ له: هل تريد أن تعرفَ أسماءً لبعض العلماء الذين حرقوا كتبهم؟ قال: (قول وخلص) يوسف الآن كل تفكيره مركز في كيفية إحراز هدف التعادل.
*الحسن البصري*
قيل في رواية إنَّ الحسن البصري قال لابنه عبدالله: أجمع لي كتبي قال ابنُه ولا أدري ما يصنعُ بها، فاتيتُ بها فقال للخادم أُسجري التنورَ، ثم أمر بها فأحرقت.
*أبو حيان التوحيدي* المتوفي ( 414هـ)
كان بارعًا في جميع العلوم من النحو واللغة والشعر والأدب والفقه وعلم الكلام، لُقِّب بـ (شيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء واديب الفلاسفة ومحقق الكلام ومتكلم المحققين وإمام البلغاء) تميّزت مؤلفاتُه بتنوعها وغزارة مضمونها، وبأسلوبه الأدبي البارع الذي اشتمل على وصف للأوضاعِ العامة في عصره لكن التوحيدي -الذي ألف “الإمتاع والمؤانسة” و”المقابسات” و”البصائر والذخائر”- بالرغم من علمه الغزير ومؤلفاته القيمة- إلا انه عاشَ فقيرًا ومات فقيرًا، أحرق كتبَه في أواخرِ عمره، ضنّا بها على من لا يُقدِّرها بعد وفاته، واشتكى من تجاهل إبداعاته ومن الفقر وقلة الرزق، وكتب لأحد أصدقائه يبيُّن له أنه ليس أولَ من أحرقَ كتبَه، فلي في إحراقِ هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم..
منهم: سفيان الثوري الإمام المحدث توفي عام 161 هـ. أوصى سفيان الثوري بمحوِ كتبِه واحراقها، لأنه- كما قال- ندم على أشياءَ كتبها في الضعفاء.
*علماءُ دفنوا كتبَهم*
منهم داؤود الطائي المتوفي عام 160 هـ
وعبد الرحمن بن ابي حاتم الرازي المتوفي سنة 327 هـ، أبو عمر بن العلاء، وكان اعلمَ الناسِ بالقراءات وبالعربية والشعر وأيام العرب، وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف، ثم تنَسَّك، فدفنها وفي رواية حرقها.
وهناك علماءُ غسلوا كتبَهم، منهم: أحمد بن احمد الحواري المتوفي عام 246 هـ.. ومنهم الإمام السيوطي، وهو جلال الدين عبد الرحمن بن ابي بكر السيوطي المتوفي عام 911 هـ، وكان يُلقَّب بابن الكتب، لأنَّ أباه طلب من أمِه أن تاتيَه بكتاب، ففاجأها المخاض، فولدته وهي بين الكتب. ومنهم الإمام الننوي، الإمام القدوة شيخُ الإسلام محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الدين الزاهد الورع صاحب شرح صحيح مسلم وشرح المهذب ورياض الصالحين والإرشاد والتقريب في اختصار علوم الحديث. كان إذا املى اللوحَ على تلاميذه غمسه في الماء ثم كتب غيره.
قال يوسف: بعض هذه الأسباب مقبول، وبعضها غير منطقي. لكن من هم الذين حرقت كتبَهم السلطاتُ، ولماذا؟
*علماءُ حرقت السلطاتُ كتبهم*
بعض الخلفاءِ عابوا وأنكروا كتبَ بعضِ العلماء في زمانِهم، فأمروا بحرقِ كتبِهم وإتلافها لما رأَوْه من مصلحةِ الأمة وخوفًا على المسلمين من أثرها، ومن هؤلاء الذين أُحرقت كتبُهم؟
أبو حامد الغزالي: زينُ الدين أبو حامد محمد بن محمد الشافعي الغزالي الصوفي المشهور، توفي عام 505 هجري. من أشهر كتبه: إحياء علوم الدين وقد انقسم الناسُ فيه إلى فريقين: فريقٌ يرى أنَّه يشترى بوزن كتاب إحياء علوم الدين ذهب وهم الصوفية. وفريقٌ يرى أنه يحرقُ بوزنه حطبًا.
إبن حزم الأندلسي: أبو محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الفقيه الظاهري مؤلف المحلي، توفي عام 456 هـ قال الذهبي: وبسط لسانَه وقلمَه ولم يتأدَّب مع الأئمة في الخطابِ، بل فجيع العبارة وسبَّ وجدع فكان جزاؤه من جنس عمله، بحيث أنّه أعرض عن تصانيفه جماعةٌ من الأئمة وهجروها ونفروا منها وأُحرقت، وقد أمر المعتضدُ بن عباد- صاحبُ اشبيلية- بحرق كتب ابن حزم، فلمّا بلغه ما فعله، قال: فإن تحرقوا القِرطاسَ فلم تحرقوا الذي
تَضمنه القرطاسُ، بل هو في صدري.
قال يوسف: ابنُ حزم معروف مؤلف طوق الحمامة، رسالة في أوصاف الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه كان جريئًا وسليطَ اللسان، حتى أنَّ بعضَهم قال: لسانُ بن حزم وسيفُ الحجاج شقيقان.
*علماءُ احترقت كتبُهم*
هؤلاء احترقت كتبهم لأسبابٍ مختلفة، نذكر منهم:
الشيخ حمد الجاسر المتوفي في 16/6/1421
احترقت كتبُ الشيخ حمد الجاسر (عَلاَّمة الجزيرة في الأنساب والمواقع الجغرافية) وتزامن احتراقُ مكتبته مع وفاةِ ابنه محمد في حادث سقوط طائرته المتجهة إلى هولندا. قال الشيخ حمد الجاسر في محاضرة عامة: لفَقْدُ كتبي أشدُ على نفسي من فَقْدِ ولدي..علق يوسفُ على هذه العبارة قائلا: هذه العبارة، المقصود منها قيمةَ الكتاب في نفس قائلها كقيمة الابن، وبالطبع ليس المقصودُ ألم فقدان الولد كفقدان المتاع.
فعلها عربُ الشتات في مالي، حرقوا مكتبةَ الشيخ العتيق بن الشيخ سعد الدين (من علماء مالي) وكذلك يفعلون. هو الشريف محمد العتيق بن الشيخ سعد الدين بن عمار، ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي ـ رضي الله عنه- توفي في 9 فبراير 2017 ميلادي
وكانت مكتبته من أثرى المكتبات في “آزواد” قبل أن دمرت في وادي الشرف شمال الشرق لمدينة (غاو) عام 1415هـ بسبب الحروب الإقليمية في المنطقة.
قلت ليوسف: طالما أن الأمرَ قد وصل إلى هذه الدرجة، نكتفي بهذا القدر وكفي الله المؤمنين شر القتال. قام يوسف مكبرًا: الله اكبر.. الله اكبر.. هدف هدف هدف ، تعادل قلت له: قول بسم الله قال: مليون بسم الله، الآية 25 في سورة الأحزاب تقول (كفى الله المؤمنين القتال) وانت قلت كفى الله المؤمنين شر القتال فمن اين اتيت بكلمةِ (شر)؟ قلت له: لحظة تعال، قال ماذا تريد منى هل تريد ان ترجع إلى (Var) قلت له تعال أحكي لك قصة تصور حالتك هذه قال: لا مانع لكن بشرط أن تعترف بالهدف، قلتُ له: خلاص تعادل واسمع القصة: كان هناك راهبان، أحدهما كبير في السن والآخرُ شاب، يسافران معاً، وصلوا إلى نهرٍ ذي تيار قوي و كانت هناك امرأة شابةٌ وجميلة تقفُ على ضفةِ النهر، عاجزة عن العبور بمفردها بسبب التيار. كان كلا الراهبين قد نذرا ألا يلمسا امرأة. ولكن حمل الراهب الأكبر سناً المرأة، وعبر بها النهر, ووضعها برفق على الجانب الآخر، ثم واصل رحلتَه التي استغرقت سبع ساعات، لم يصدق الراهبُ الأصغرُ ما حدث، وظلَّ صامتاً من شدة الذهول والاعتراض لعدة ساعات بعد ساعات طويلة، لم يعد الراهب الأصغر قادراً على كبحِ فضوله وصرخ قائلاً: بصفتنا رهبانًا لا يُسمح لنا بحمل امرأة، فكيف يُمكنُك إذن أن تحملَ تلك المرأةَ على كتفيك؟ نظر إليه الراهبُ الأكبرُ سنًا وأجاب بهدوء: يا أخي، لقد وضعتُها قبل سبعِ ساعاتٍ على الجانب الآخر من النهر، فلماذا ما زلتَ أنت تحملُها؟
في الواقع حرقُ الكتبِ ظاهرةٌ مؤسفة، سواءً كانت بفعلِ فاعلٍ أو لأسبابٍ طبيعيةٍ قرأتُ أكثرَ من خمسين ترجمةٍ لعلماءَ احترقت كتبُهم أودُفنت أو غَرِقَت او مُحيت. إليكم هذه المراجع لمن يريد معرفةِ تفاصيلَ اكثر:
١/معجم الأدباء، لياقوت الحموي.
٢/البداية والنهاية، لابن كثير..
٣/علماءُ احترقت كتبُهم، للدكتور أحمد الباتلي وغيرِهم كثير..
كان هذا يوسف وأنا، فابقوا معنا..
واللَّهُ أعلى وأعلم..
12 مايو 2026م


