مقالات الرأي

فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب استراتيجية التقاضي الدولي في ملف حرب السودان (15 أبريل 2023م) 

 

تتناول هذه المقالة استراتيجية التقاضي الدولي في سياق حرب السودان في 15 أبريل 2023م، مع تركيز خاص على قرار محكمة العدل الدولية الصادر في 05 مايو 2025م في قضية السودان ضد دولة الإمارات العربية المتحدة. وتنطلق هذه القراءة من إشكالية مركزية تتعلق بإعادة تموضع مسارات المساءلة الدولية في ضوء هذا القرار – قرار محكمة العدل الدولية 05 مايو 2025م، الذي كشف حدود فاعلية المسار القضائي الأحادي أمام محكمة العدل الدولية، وأبرز في الوقت ذاته أثر التعجل الإجرائي في طلب التدابير الوقتية في مرحلة مبكرة من الخصومة، في ظل وجود تحفظ إماراتي صريح على اختصاص محكمة العدل الدولية بموجب المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948م.

وفي هذا السياق، تتجه إعادة القراءة إلى تفكيك البنية التقليدية للتقاضي الدولي، التي تقوم على تصور خطي مغلق لمسار التقاضي أمام محكمة واحدة، وإعادة بنائها ضمن إطار أكثر تركيباً وتعقيداً، يقوم على منظومة متعددة المستويات تتكامل فيها الوظائف القانونية بين محكمة العدل الدولية (ICJ) والمحكمة الجنائية الدولية (ICC) وآلية بانجول التابعة للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، إلى جانب منظومة آليات الأمم المتحدة ذات الصلة. ويقوم هذا التصور على فرضية أساسية مفادها، أن العدالة الدولية في النزاعات المسلحة المعاصرة، لم تعد تُدار عبر مسار قضائي واحد مستقل (مسار خطي مغلق)، وإنما عبر تفاعل شبكي متداخل بين مستويات قانونية مختلفة، تتوزع فيها وظائف المساءلة بين تقرير المسئولية الدولية للدول من جهة، وتثبيت المسئولية الجنائية الفردية من جهة ثانية، وتفعيل آليات التوثيق والرقابة الحقوقية من جهة ثالثة.

وفي السياق ذاته، يمثل النزاع المسلح في السودان منذ 15 أبريل 2023م، أحد أكثر النزاعات تعقيداً في القانون الدولي المعاصر، ليس فقط من حيث حجم وطبيعة الانتهاكات المزعومة والمُدعى بها، وإنما أيضاً من حيث تعدد طبقات المسئولية القانونية المتداخلة بين الفاعلين الدوليين والدولة والأفراد، وتداخل الأطر القانونية الحاكمة لها بين القانون الدولي الإنساني، والقانون الجنائي الدولي، وقانون حقوق الإنسان، بما يجعل من عملية التقاضي الدولي فيه عملية مركبة تتجاوز حدود المنطق القضائي التقليدي.

وفي هذا الإطار، جاءت دعوى السودان أمام محكمة العدل الدولية ضد دولة الإمارات العربية المتحدة استناداً إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948م، بوصفها محاولة لتفعيل المسئولية الدولية للدول أمام أعلى هيئة قضائية دولية. إلا أن هذا المسار، انتهى بقرار محكمة العدل الدولية الصادر في 05 مايو 2025م بشطب الدعوى لعدم الاختصاص وحذفها من سجل قائمة المحكمة، استناداً إلى التحفظ الإماراتي على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها، ودون الدخول في فحص موضوع الوقائع أو تقييم الادعاءات المتعلقة بالانتهاكات المزعومة المدعى بها محل النزاع.

وبذلك، فإن قرار محكمة العدل الدولية لم يتناول جوهر النزاع من حيث الوقائع أو المسئولية، وإنما اقتصر على حسم قابلية الطريق القضائي الذي اختاره السودان للاستخدام أمام المحكمة من الناحية الإجرائية البحتة، دون أن يتطرق إلى موضوع النزاع أو يدخل في تقييم الوقائع أو الادعاءات المثارة بشأن الانتهاكات المزعومة المدعى بها ضد الأمارات، بما يعكس المركزية الحاسمة لمسألة الاختصاص في بنية القضاء الدولي، ويكشف في الوقت ذاته حدود الوصول إلى العدالة عبر محكمة العدل الدولية في ظل وجود تحفظات تعاهدية نافذة تُقيد ولايتها القضائية.

وفي ضوء ذلك، برزت الحاجة إلى إعادة قراءة شاملة للاستراتيجية القانونية المعتمدة في الملف السوداني، بما يسمح بالانتقال من منطق المسار القضائي الأحادي الخطي المغلق إلى منطق المنظومة القانونية المتكاملة، التي تستوعب التعثرات الإجرائية والإخفاقات السابقة في بناء مسار الاتهام من جانب السودان، بما يتيح إعادة ضبط الأدوات القانونية وتوزيعها بصورة أكثر اتساقاً مع متطلبات كل مسار من مسارات التقاضي الدولي، وتعيد توزيع الوظائف القانونية بين آليات التقاضي الدولية المختلفة، بما يعزز فعالية بناء المساءلة الدولية وتحقيق العدالة في سياق النزاعات المسلحة المعقدة.

وبناءً عليه، تتم إعادة قراءة قرار محكمة العدل الدولية في هذه الدعوى من زاوية استراتيجية أوسع، تتعلق بهندسة مسارات التقاضي الدولي بوصفها منظومة مترابطة، لا باعتبارها حدثاً قضائياً منفصلاً أو نهاية لمسار قانوني، وإنما باعتبارها حلقة داخل بنية أوسع من أدوات المساءلة الدولية متعددة المستويات.

(أولاً) اللجوء الاستباقي لمحكمة الجنايات الدولية:

——————————-

في هذا الإطار، لا يمكن قراءة قرار محكمة العدل الدولية بمعزل عن السياق الإجرائي والقانوني الأوسع الذي سبق صدوره وأحاط به، كما لا يمكن فصله عن حالة التوازي القائم بين المسارات القضائية والحقوقية المختلفة التي تُشكّل في مجموعها بنية المساءلة الدولية في الملف السوداني.

ويأتي في مقدمة هذه المسارات، الشكوى المقدمة إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 17 يناير 2024م، ضد عدد من القيادات العسكرية والمدنية المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، وكذلك ضد قيادات تنفيذية يُشار إليها ضمن سياق الادعاءات المتعلقة بالدعم والإسناد الخارجي، والممهورة باسم المحاميين (الدكتور/ محمد زين محمد والدكتور الطيب عبدالجليل حسين محمود)، بصفتهما الشخصية وبصفتهما محاميين ممثلين لضحايا ومتضررين من الهجمات والانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع والداعمين الإقليميين المزعومين، وفي مقدمتهم دولة الإمارات العربية المتحدة، مع الإشارة إلى استمرار تحديث الوقائع والأدلة وتطوير ملف الشكوى ومتابعته حتى تاريخه.

وبهذا المعنى، فإن خط هذا المسار الجنائي، يشكّل أحد مكونات البنية المتعددة للتقاضي الدولي، التي تتداخل فيها المسئولية الجنائية الفردية أمام المحكمة الجنائية الدولية مع محاولات تفعيل المسئولية الدولية للدول أمام محكمة العدل الدولية، إلى جانب المسارات الحقوقية والإقليمية الأخرى.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة من الناحية الاستراتيجية، لأنها سبقت زمنياً لجوء حكومة السودان إلى محكمة العدل الدولية، بما يكشف أن مسار المساءلة الجنائية الدولية، لم يكن نتيجة لتعثر الدعوى أمام محكمة العدل الدولية، وإنما كان قائماً ومستقلاً عنها منذ وقت مبكر من محاميين. ومن ثم، فإن العلاقة بين المسارين لا تُفهم باعتبارها علاقة تعاقب أو تسلسل خطي، بل باعتبارها علاقة توازٍ وتكامل بين نمطين مختلفين من التقاضي الدولي: (أولهما) التقاضي الجنائي الدولي القائم على مساءلة الأفراد أمام المحكمة الجنائية الدولية، (ثانيهما) التقاضي بين الدول القائم على مساءلة الدول أمام محكمة العدل الدولية.

كما لم تقتصر الجهود القانونية والدبلوماسية على هذين المسارين فقط، بل امتدت إلى مخاطبة الأمين العام لجامعة الدول العربية بطلب اتخاذ إجراءات تحقيق ورصد، وتوجيه طلب مماثل إلى الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، في إطار محاولة توسيع دائرة التفاعل المؤسسي مع الانتهاكات المزعومة المدعى بها، وعدم حصر الملف في نطاق المحاكم الدولية وحدها. ويعكس ذلك فهماً استراتيجياً مبكراً لطبيعة النزاعات المعاصرة، التي لا تُدار حصراً داخل قاعات المحاكم، وإنما عبر منظومة متداخلة من الآليات القضائية والحقوقية والسياسية والدبلوماسية.

ومن هذه الزاوية، فإن تعدد مسارات استراتيجية التقاضي وتزامنها، في إطار عمل قانوني مهني يقوم به محامون مستقلون ومحايدون، لا تحكمه اعتبارات سياسية أو توظيفات أمنية منغلقة، يثير جملة من التساؤلات القانونية والاستراتيجية المتعلقة بكيفية إدارة ملف المساءلة الدولية، وتوزيع الأدوار بين الجهات الرسمية والمبادرات المهنية المستقلة، ومدى انعكاس ذلك على بناء سردية قانونية متماسكة للنزاع، وعلى فعالية الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة للضحايا.

وتستند هذه التساؤلات إلى واقع جهود عملية في جمع المعلومات والأدلة وتوثيق الوقائع، اضطلع بها المحامون مقدمو طلب الالتماس إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق، حيث جرى خلال تلك الجهود التواصل مع مؤسسات رسمية متعددة، شملت أمانة مجلس السيادة، والأجهزة العسكرية والأمنية (الشرطة وجهاز المخابرات)، ووزارة العدل، ومكتب النائب العام، إلى جانب حكومات عدد من الولايات المتأثرة بالنزاع، وذلك في إطار دعم حقوق الضحايا والمتضررين المدنيين وتعزيز الأساس الإثباتي للملفات القانونية ذات الصلة.

ومع ذلك، نتحفظ في هذه المرحلة عن تفصيل هذه التساؤلات أو طرحها للرأي العام، على أن يُنظر فيها في الوقت المناسب ضمن نقاش قانوني ووطني مسئول. فالقضاء الدولي لا يُختزل في مخاطبات بين الحكومات فحسب، بل يتصل في جوهره بحق الضحايا والرأي العام في معرفة الحقيقة، وتقييم مسارات العدالة، وضمان عدم تغييب المساءلة أو احتكارها.

بناءً على ذلك، فإن إدراج البُعد الجنائي في الشكوى المقدمة من المحاميين بتاريخ 17 يناير 2024م إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، ضمن التحليل الاستراتيجي للتقاضي الدولي في سياق نزاع 15 أبريل 2023م، يتيح إعادة قراءة بنية التقاضي الدولي في الملف السوداني بوصفها بنية متعددة المستويات ومتداخلة الوظائف. ففي هذا التصور، تتكامل المساءلة الجنائية الفردية أمام المحكمة الجنائية الدولية مع محاولات تفعيل المسئولية الدولية للدول أمام محكمة العدل الدولية، إلى جانب المسارات الحقوقية الإقليمية أمام اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في بانجول (آلية بانجول). ويُنتج هذا التداخل شبكة متكاملة من أدوات المساءلة الحقوقية على المستويين الإقليمي والدولي، تقوم على التوثيق المنهجي للوقائع والأدلة، وتلقي البلاغات والشكاوى، وإصدار التوصيات والتقارير ذات الأثر القانوني التراكمي والتعزيزي، بما يسهم في دعم وتعضيد مسارات التقاضي الدولية الأخرى وتوسيع قاعدة الإثبات فيها.

ومن هذا المنظور، لا يُقرأ قرار محكمة العدل الدولية الصادر في 05 مايو 2025م بوصفه نهاية لمسار العدالة الدولية أو حكماً في موضوع النزاع، وإنما بوصفه إعادة ضبط إجرائي قسري لبنية هذا المسار، فرضته اعتبارات تتصل بمسألتين محوريتين: (أولهما) الإشكال المتعلق بالاختصاص في ظل التحفظ على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، (ثانيهما) أثر التعجل في طلب التدابير الوقتية قبل استكمال بناء مسار إجرائي تدريجي ومتماسك كان من شأنه أن يتيح للمحكمة مجالاً أوسع للتعامل مع الإطار القانوني للنزاع بصورة أكثر عمقاً واتساعاً.

ويُبرز ذلك، من زاوية أعمق في قانون التقاضي الدولي، أهمية ما يمكن تسميته (بهندسة الدعوى والدفاع في المنازعات الدولية)، أي إدارة البناء الإجرائي للخصومة بصورة تدريجية ومدروسة، بما يضمن عدم استنفاد جميع عناصر القوة القانونية والوقائعية في مرحلة مبكرة، وعدم طرح جميع وسائل الدفع والدفوع القانونية، وكافة أوجه الدفاع الشكلية والموضوعية، واستنفاد عناصر البناء الحجاجي والإثباتي في الخصومة الدولية بصورة مبكرة وغير متدرجة، بما في ذلك عدم الدفع بـكافة عناصر النزاع الجوهرية دفعة واحدة على نحو قد يؤدي إلى نتائج إجرائية سريعة أو حاسمة قبل الدخول في مناقشة موضوع النزاع. وهو ما يفتح النقاش حول العلاقة الدقيقة بين التدرج الإجرائي، وتوزيع الدفوع، وإدارة الطلبات، واستراتيجية عرض الوقائع في إطار الخصومة الدولية، باعتبارها عناصر مؤثرة في مسار التقاضي، وبقدر ما هي عناصر في جوهر الحق المتنازع عليه.

وبذلك، تتأكد الحاجة إلى إعادة بناء استراتيجية التقاضي الدولي في ملف السودان 15 ابريل 2023م على أساس منطق تكاملي لا تفكيكي، بحيث لا يُنظر إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية أو آلية بانجول باعتبارها مسارات متنافسة أو بديلة، بل باعتبارها طبقات قانونية متداخلة ومتكاملة، تسهم كل منها في وظيفة محددة داخل منظومة المساءلة: فالمحكمة الجنائية الدولية؛ تُعنى بتحديد المسئولية الجنائية الفردية، ومحكمة العدل الدولية؛ تُعنى بمساءلة الدول متى توافرت شروط الاختصاص، بينما توفر الآليات الإقليمية؛ إطاراً توثيقياً وضغطاً حقوقياً متراكماً يعزز بناء الأدلة ويقوي الموقف القانوني عبر الزمن.

وعليه، فإن القراءة الاستراتيجية لقرار محكمة العدل الدولية، لا ينبغي أن تنفصل عن هذا البناء المركب، بل يجب إدماجها ضمنه بوصفها محطة إجرائية كشفت حدود المسار القضائي الأحادي الخط المغلق، وفي المقابل أكدت ضرورة التحول نحو نموذج تقاضٍ دولي متعدد المستويات، يقوم على التكامل بين المسارات القضائية والجنائية والحقوقية، بما يعزز فُرص تحقيق العدالة في سياق نزاع يتسم بتعقيد قانوني وإنساني بالغ.

(ثانياً) دلالة قرار محكمة العدل الدولية وحدود أثره:

———————————

الإجابة عليه تطرح التساؤلات الآتية:

1. ما الذي حسمته محكمة العدل الدولية؟

———————————

اقتصر قرار محكمة العدل الدولية على تقرير ما يلي:

(1) عدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى.

(2) قبول الدفع المثار استناداً إلى التحفظ المبدى على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

(3) شطب الدعوى من سجل قضايا المحكمة وإنهاء إجراءاتها أمامها.

2. ما الذي لم تحسمه محكمة العدل الدولية؟

———————————-

لم يتناول قرار رفض الدعوى وشطبها، لا صراحةً ولا ضمناً، أي من المسائل الموضوعية التالية:

(1) مدى صحة الوقائع أو عدم صحتها.

(2) ما إذا كانت الانتهاكات المزعومة المدعى بها من السودان ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية أو غيرها من الجرائم الدولية.

(3) تحديد مسئولية أي من أطراف النزاع (الأمارات والدعم السريع) عن الأحداث الجارية في السودان.

(4) تقييم أو وزن الأدلة المقدمة في سياق الدعوى.

وعليه، فإن الأثر القانوني المترتب على قرار محكمة العدل الدولية، يظل إجرائياً بحتاً، وينحصر في نطاق الفصل في مسألة الاختصاص وقبول الدعوى، دون أن يمتد إلى أي آثار موضوعية تتعلق بثبوت الوقائع أو تحديد المسئولية الدولية لأي من أطراف النزاع.

ومع أن الدعوى المقدمة من السودان تضمنت عرضاً تفصيلياً لجملة من الوقائع والعناصر الإثباتية المنسوبة إلى أطراف متعددة، بما في ذلك الإشارة إلى أنماط من الانتهاكات المزعومة المدعى بها وربطها بسياق تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وقد حظيت بتفاعل سياسي وإعلامي ودبلوماسي واسع وما يمكن وصفه بتعاطف دولي في بعض الدوائر، إلا أن ذلك كله لا يغير من الطبيعة القانونية لموقف المحكمة. إذ إن محكمة العدل الدولية، لم تنتقل إلى مرحلة فحص الأدلة أو تقييمها من حيث الحجية أو الكفاية أو الثبوت، ولم تُجرِ أي وزن قضائي لها، وإنما توقفت عند مسألة الاختصاص بوصفها مسألة أولية وحاسمة سابقة على الدخول في الموضوع.

وبناءً عليه، تظل جميع العناصر الوقائعية والإثباتية الواردة في صحيفة الدعوى من السودان في نطاق الادعاءات غير المفحوصة قضائياً، ولا ترقى إلى مرتبة الأدلة المثبتة أو المُقوَّمة قانوناً بموجب حكم صادر في الموضوع.

(ثالثاً) العقدة الاستراتيجية الأساسية — الإطار الإجرائي للدعوى:

———————————-؛-

يُقصد بالعقدة الاستراتيجية الأساسية في هذا السياق، تحديد نقطة الضعف الحاكمة في بنية الدعوى من حيث تصميمها الإجرائي أمام محكمة العدل الدولية، أي تلك المسألة التي لا تتعلق بجوهر الوقائع أو قوة الأدلة، وإنما بكيفية بناء المسار القانوني نفسه وإدارته إجرائياً أمام المحكمة.

وبصورة أدق، هذه العقدة تتمثل في تداخل عاملين حاسمين:

(الأول) اختيار أساس اختصاص وحيد ومقيّد (المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية) في ظل وجود تحفظ من الطرف الآخر عليها، بما أدى إلى إغلاق المسار القضائي من الناحية الشكلية؛

(الثاني) جانب الإدارة الإجرائية للدعوى من السودان، ولا سيما التعجل في طلب التدابير الوقتية دون المرور بتدرج طبيعي في بناء الخصومة، وهو ما انعكس سلباً على توازن عرض القضية أمام المحكمة، وإمكان انتقالها إلى مرحلة الموضوع.

وتفصيلاً الآتي:

1. عيب الاختصاص الأحادي الخطي المسار المُغلق:

———————————–

استندت الدعوى السودانية أمام محكمة العدل الدولية إلى أساس وحيد للاختصاص، هو المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. إلا أن هذا الأساس واجه عائقاً مباشراً تمثل في التحفظ الذي أبدته دولة الإمارات على المادة ذاتها، وهو تحفظ يُعد مشروعاً من حيث الشكل وفقاً لاجتهاد محكمة العدل الدولية في الرأي الاستشاري الصادر عام 1951م بشأن التحفظات على الاتفاقيات الدولية.

وقد ترتب على ذلك أثر حاسم تمثل في: انقطاع الطريق الإجرائي إلى المحكمة، وإغلاق باب الاختصاص قبل الانتقال إلى مرحلة فحص موضوع الدعوى.

2. عيب التعجل في طلب التدابير الوقتية:

————————————

تمثلت إحدى أبرز الإشكاليات البنيوية في الدعوى من السودان في التعجل في تقديم طلب التدابير الوقتية في مرحلة مبكرة من مسار النزاع، قبل استكمال بناء مسار إجرائي تدريجي ومتدرج أمام المحكمة.

فبدلاً من اعتماد استراتيجية تسمح بتطور الخصومة عبر مراحلها الطبيعية — بدءاً من الدفوع الأولية، ثم الاختصاص، وصولاً إلى الموضوع — تم الدفع مباشرة نحو الاستعجال، وهو ما أدى عملياً إلى:

(1) نقل مركز الثقل القضائي فوراً إلى مسألة الاختصاص؛

(2) تمكين الطرف المدعى عليه من التمركز الكامل حول الدفع بالتحفظ على المادة التاسعة؛

(3) حرمان الدعوى من الاستفادة من التدرج الإجرائي الطبيعي الذي كان يمكن أن يفتح المجال لمناقشة أعمق للإطار القانوني للنزاع.

وقد كان من النتائج المباشرة لذلك، أن المحكمة لم تنتقل أصلاً إلى فحص الوقائع أو تقييمها، وبالتالي، لم تُختبر الحجج الموضوعية التي قدمها الجانب السوداني في إطارها القضائي الكامل.

3. أثر التعجل على قرار الشطب:

———————————

أفضى هذا المسار الإجرائي إلى نتيجة غير مألوفة نسبياً في عمل محكمة العدل الدولية، تمثلت في:

(1) الشطب المبكر للدعوى من سجل المحكمة دون المرور بمرحلة المذكرات الموضوعية.

(2) يعني ذلك عملياً:

(أ) إنهاء الخصومة في مرحلة إجرائية أولية ومبكرة؛

(ب) تعطيل تطور النقاش القانوني نحو موضوع النزاع؛

(ج) إغلاق الباب أمام اختبار قضائي معمّق لمشروعية الدفع بالتحفظ وحدود أثره.

وبذلك، فإن التعجل في طلب التدابير الوقتية، لم يؤدِّ إلى تعزيز الحماية القانونية المرجوة، بل ساهم – بصورة غير مباشرة – في تسريع إنهاء المسار القضائي قبل بلوغ مرحلته الموضوعية.

(رابعاً): نقاط القوة في الدفاع الإماراتي:

——————————–

يًقصد بنقاط القوة في الدفاع الإماراتي، في سياق دعوى السودان أمام محكمة العدل الدولية، مجمل الأسس القانونية والإجرائية التي اعتمد عليها الدفاع لعرقلة انتقال الخصومة إلى مرحلة الموضوع، وإحكامها عند مستوى الاختصاص، بما حال دون فحص الوقائع أو تقييم الادعاءات الموجهة.

وتكمن دلالات هذه النقاط في أنها تعكس (استراتيجية دفاعية قائمة على التحكم في بوابة القضاء الدولي ذاتها)، وليس على مناقشة مضمون الاتهامات، أي الانتقال بالنزاع من مستوى (الإثبات الموضوعي) إلى مستوى (قابلية النظر القضائي). ومن حيث معناها القانوني، يتمثل في أن قوة الدفاع، لم تنبع من تفنيد الوقائع أو نفي الادعاءات، وإنما من (التمسك بآليات إجرائية حاسمة)، وعلى رأسها الدفع بعدم الاختصاص استناداً إلى التحفظ على المادة التاسعة من إتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها، بما أدى إلى إغلاق المسار القضائي في مرحلته التمهيدية.

وبهذا المعنى، فإن (نقاط القوة) لا تشير إلى براءة موضوعية أو حسم للوقائع، وإنما إلى نجاح قانوني في:

(1) تفعيل العوائق الإجرائية في مواجهة الدعوى؛

(2) إعادة توصيف النزاع بوصفه نزاع اختصاص لا نزاع مسئولية؛

(3) منع انتقال الخصومة إلى مرحلة الفحص الموضوعي للأدلة والوقائع.

وعليه، فإن دلالة هذه النقاط تتجاوز حدود القضية ذاتها، لتعكس مبدأ أوسع في القانون الدولي مفاده أن (كسب المعركة الإجرائية قد يكون فاصلاً عن الدخول في جوهر النزاع).

وتفصيلاتها من حيث الآتي:

1. الدفع الإجرائي الحاسم (الاختصاص):

———————————

استند الدفاع الإماراتي إلى نقطة قوة مركزية تمثلت في الدفع بعدم اختصاص محكمة العدل الدولية، تأسيساً على وجود تحفظ صريح على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وهو تحفظ يُعد، وفقاً للاجتهاد الدولي المستقر، من التحفظات المقبولة من حيث المبدأ متى استوفى شروطه الشكلية.

وقد اكتسب هذا الدفع قوته من كونه:

(1) قائماً على سند تعاهدي واضح ومعلن؛

(2) متوافقاً مع منطق النظام القانوني للتحفظات في القانون الدولي؛

(3) كافياً من الناحية الإجرائية لإنهاء الخصومة دون الحاجة إلى الدخول في الموضوع.

وبذلك، أسهم هذا الدفع في حسم الدعوى في مرحلة مبكرة من الإجراءات أمام المحكمة.

2. تحويل النزاع من موضوع حقوقي إلى مسألة اختصاص:

———————————

نجح الدفاع الإماراتي في إعادة تأطير النزاع قانونياً، بحيث انتقل من كونه نزاعاً موضوعياً يتعلق بادعاءات انتهاكات، إلى كونه نزاعاً إجرائياً بحتاً يتعلق بمدى قابلية المحكمة للاختصاص بنظره.

وقد أدى هذا التحول الإجرائي إلى نتائج جوهرية، أهمها:

(1) تجريد الدعوى من بُعدها الموضوعي في المرحلة الأولى؛

(2) حصر النقاش في مسألة الاختصاص دون التطرق إلى الوقائع أو الأدلة؛

(3) تفكيك البنية الموضوعية للدعوى قبل الدخول في جوهرها.

وبذلك، شكّل هذا التحول أحد أهم عناصر القوة في استراتيجية الدفاع، إذ أعاد توجيه مسار الخصومة بالكامل نحو نقطة قانونية أولية وحاسمة.

(خامساً) ما لم تحسمه المحكمة – الفراغ القانوني المتبقي:

———————————-

رغم قرار شطب الدعوى لعدم الاختصاص، فإن محكمة العدل الدولية، لم تُصدر أي حكم في موضوع النزاع، ولم تتناول أي تقييم قانوني للوقائع أو الادعاءات المثارة، وهو ما يترتب عليه، بقاء عدد من المسائل الجوهرية خارج نطاق الحسم القضائي، وفي مقدمتها:

(1) مدى وقوع أو عدم وقوع الانتهاكات المزعومة المُدعى بها.

(2) طبيعة العلاقة القانونية أو الواقعية بين الأطراف المنخرطة في النزاع السوداني.

(3) مدى انطباق قواعد المسئولية الدولية أو الجنائية على أي من الأطراف المعنية.

وبناءً عليه، فإن قرار محكمة العدل الدولية، لم يُنشئ حكماً موضوعياً، وإنما اقتصر أثره على إنهاء الخصومة من الناحية الإجرائية، مما يترك فراغاً قانونياً موضوعياً لا يزال قابلاً للمعالجة عبر مسارات قضائية وحقوقية أخرى، من بينها:

(1) المحكمة الجنائية الدولية، فيما يتعلق بالمسئولية الجنائية الفردية.

(2) آليات الأمم المتحدة ذات الصلة بالرصد والتحقيق وتقصي الحقائق.

(3) الهيئات واللجان الإقليمية الأفريقية المختصة﴾ بحماية حقوق الإنسان.

(سادساً) التحول الاستراتيجي – من محكمة العدل الدولية إلى منظومة متعددة المسارات:

———————————–

يُقصد بمفهوم التحول الاستراتيجي من محكمة العدل الدولية إلى منظومة متعددة المسارات، الانتقال من تصور التقاضي الدولي بوصفه مساراً قضائياً واحداً مركزياً وحاسماً، إلى تصور أكثر تركيباً وواقعية، يقوم على توزيع أدوات المساءلة الدولية عبر مستويات قانونية ومؤسسية متعددة، تتكامل فيما بينها، بدلاً من أن تتنافس أو تتعارض. ويعكس هذا التحول، تطوراً في فهم طبيعة العدالة الدولية في النزاعات المسلحة المعاصرة، التي لم تعد تُدار أو تُحسم من خلال منصة قضائية واحدة، وإنما عبر شبكة متداخلة من الآليات القضائية والحقوقية والسياسية والإقليمية.

وقد كشفت تجربة السودان أمام محكمة العدل الدولية في دعواه ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، بصورة عملية حدود الاعتماد على مسار قضائي واحد عالي الحساسية لمسألة الاختصاص. فقد أظهرت القضية، أن المنازعات

زر الذهاب إلى الأعلى