مقالات الرأي

ألم يكن من الأفضل للوزير تكريم الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة، ثم إنهاء تكليفه بخطاب رقيق بدلا من هذه اللغة الخشنة التي لا تليق بمقام مؤسسة دينية؟!! كتب/ عبد اللطيف السيدح

 

أعتقد أن صيغة قرار تجميد أعمال الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة افتقدت إلى روح التقدير والاحترام التي تحفظ للناس مكانتهم وللمؤسسات هيبتها، وقد أثار القرار الصادر من وزير الشؤون الدينية والأوقاف بحق الأستاذ عمر مصطفى جملة من التساؤلات، لا سيما حول الصياغة والرسالة المعنوية التي حملها الخطاب للرأي العام وللعاملين داخل المؤسسة، والذي يقرأ القرار يلاحظ أن اللغة المستخدمة لا تليق بمقام مسؤول تنفيذي قضى سنوات في خدمة المؤسسة، ولا يزال حتى لحظة صدور القرار يباشر مهامه المتعلقة باستكمال أعمال موسم الحج ورفع تقاريره الختامية.

إن المؤسسات الرشيدة لا تنظر إلى المسؤولين باعتبارهم مجرد موظفين يمكن استبدالهم بقرار إداري فحسب، وإنما باعتبارهم شركاء في صناعة الإنجاز، حتى وإن اختلفت معهم لاحقا في التقدير أو الإدارة أو السياسات. ولذلك فإن ثقافة التكريم عند نهاية الخدمة أو انتهاء التكليف ليست مجاملة شخصية، بل هي جزء من بناء المؤسسية وترسيخ قيم الاحترام داخل أجهزة الدولة.

و حبذا لو أن القرار صدر في إطار مختلف، يبدأ بالإشادة بما تحقق خلال موسم حج 1447هـ من جهود، ويثمن ما بذله الأمين العام وأعضاء البعثة والعاملون كافة، ثم يوضح انتهاء فترة التكليف أو الحاجة إلى ترتيبات إدارية جديدة، لكان وقعه أكثر إيجابية على النفوس وأكثر انسجاماً مع قيم الدولة ومبادئ العمل العام.

ومن الإنصاف كذلك القول إن نجاح أو إخفاق أي موسم حج لا ينسب إلى شخص واحد. فالنجاحات هي ثمرة جهود جماعية تبدأ من الوزارة والمجلس والبعثات واللجان المختلفة، كما أن الإخفاقات هي مسؤولية جماعية تستوجب المعالجة المؤسسية لا الشخصنة. ومن هنا فإن المحافظة على جسور الاحترام بين القيادات المتعاقبة تظل ضرورة لا غنى عنها لاستقرار العمل واستمرار العطاء.

وتزداد أهمية الأمر عندما يتعلق بمؤسسة دينية يفترض أن تكون قدوة في إعلاء قيم الرفق والتوقير وحسن المخاطبة. فالناس يتوقعون من المؤسسات ذات الرسالة الدينية أن تقدم نموذجا راقيا في إدارة الخلافات والتغييرات الإدارية، وأن تجعل من لغة الاحترام والتقدير عنوانا دائما لخطاباتها وقراراتها.

ولعل أكثر ما تحتاجه مؤسسات الدولة السودانية في هذه المرحلة هو ترسيخ ثقافة الانتقال السلس للمسؤوليات. فالمناصب تكليف مؤقت لا يدوم لأحد، أما السمعة الطيبة والعلاقات الإنسانية الراقية فهي التي تبقى في ذاكرة الناس. ومن الحكمة أن يغادر المسؤول موقعه مكرما، وأن يستقبل خلفه في أجواء من الاحترام المتبادل، لأن ذلك يعزز الثقة في المؤسسات ويبعث برسالة إيجابية للعاملين فيها.

ومن هذا المنطلق، فإن كثيرين كانوا يتطلعون إلى أن يختتم موسم الحج بحفل تكريم للأمين العام المكلف وأعضاء البعثة وكل من أسهم في خدمة ضيوف الرحمن، مهما كانت الملاحظات أو التحفظات الإدارية القائمة. فالتكريم لا يعني إغلاق أبواب المحاسبة إذا وجدت مخالفات، كما أن المحاسبة لا تستوجب إلغاء فضائل الناس أو تجاهل ما قدموه من جهود.

إن الدولة القوية ليست تلك التي تكثر من إصدار القرارات الصارمة، وإنما تلك التي تجمع بين الحزم والإنصاف، وبين سلطة القانون وكرامة الإنسان. وعندما تتقدم لغة التقدير على لغة الخصومة، ولغة المؤسسات على لغة الأشخاص، فإن الجميع يكونون رابحين، الوزارة، والمجلس، والعاملون، والرأي العام.

ويبقى الأمل أن تشكل هذه الواقعة مناسبة لمراجعة أساليب المخاطبات الرسمية داخل هذه المؤسسة الدينية التي تعاقب عليها علماء أجلاء أفاضل، وكانت قراراتها أكثر اتزانا ولباقة واحتراما، ولأن أولئك العلماء كانوا يدركون أن الكلمات، مثل القرارات تماما، تترك آثارا قد تبقى في الذاكرة أطول مما تبقى المناصب نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى