(الضؤ الشارد ) من الدعوة إلى العقارات. كيف تبخرت ملايين الدولارات في جوبا؟ بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

تكشف الاتهامات التي فجّرها الأمين العام الجديد لمنظمة الدعوة الإسلامية عن أزمة تتجاوز مجرد مخالفات مالية أو نزاع إداري عابر لتطرح أسئلة عميقة حول الحوكمة والشفافية والمساءلة داخل واحدة من أقدم المؤسسات الإسلامية العاملة في أفريقيا.
فبحسب ما ورد في التصريحات لا يدور الحديث عن خطأ محاسبي بسيط أو تقدير إداري خاطئ بل عن أصول بيعت بأقل من ثلث قيمتها الحقيقية تقريباً وعن أموال اختفى مسارها وسط غياب المستندات وعن مشروعات توقفت في منتصف الطريق وعن صراع على الشرعية الإدارية وصل إلى أروقة النيابات والمحاكم. إنها صورة تثير القلق لأن المؤسسة التي يفترض أن تنفق على التعليم والدعوة والتنمية أصبحت هي نفسها موضوعاً للتحقيق والتدقيق.
الأخطر في القضية أن الحديث يدور حول أراض تقع في مواقع تجارية مميزة بالعاصمة جوبا وهي أصول لم تُجمع من أجل التجارة أو المضاربة العقارية بل يفترض أنها وُقفت لخدمة رسالة اجتماعية ودينية وتنموية. وعندما تتحول أصول الوقف إلى ملف نزاع حول الأسعار والعوائد والموافقات المفقودة فإن الضرر لا يقع على المؤسسة وحدها بل على الثقة العامة التي بُنيت عبر عقود من العمل الخيري.
كما أن قصة المبنى الذي كان يفترض أن يرتفع إلى سبعة طوابق ثم توقف عند الطابق الثاني تحمل دلالة رمزية لافتة لان المشكلة ليست في الإسمنت والحديد بل في الإدارة نفسها. فكم من المشاريع في جنوب السودان بدأت بخطط كبيرة وانتهت بهياكل خرسانية صامتة تشهد على سوء الإدارة أكثر مما تشهد على الإنجاز؟
ومن زاوية أخرى فإن الصراع بين القيادة الجديدة والقديمة يكشف أن الأزمة ليست مالية فقط بل مؤسسية أيضاً. فالمؤسسات القوية تنتقل فيها السلطة بسلاسة وفق اللوائح أما عندما تتحول عملية التسليم والتسلم إلى معركة بلاغات ونشرات جنائية ورفض للاعتراف بالقرارات فإن ذلك يشير إلى خلل أعمق من مجرد خلاف بين أشخاص.
القضية اليوم لا تحتاج إلى بيانات متبادلة بقدر ما تحتاج إلى مراجعة مستقلة وشفافة تكشف للرأي العام أين ذهبت الأموال وكيف بيعت الأصول ومن استفاد ومن يتحمل المسؤولية. فالمؤسسات الخيرية لا تُقاس بحجم شعاراتها بل بقدرتها على حماية المال العام والوقف العام من العبث والتلاعب.
ويبدو أن بعض المسؤولين فهموا كلمة الدعوة بطريقة مختلفة فبدلاً من الدعوة إلى الخير والتنمية تحولت القضية إلى دعوة مفتوحة للمراجعين والمحاسبين والمحامين والجيوب والحسابات البنكية أما الأراضي التي كان يفترض أن تخدم الأجيال القادمة فقد وجدت نفسها في رحلة غامضة بين التقييمات المخفضة والتحويلات المجهولة والمستندات المفقودة.
وفي النهاية قد يكتشف المانحون والمتبرعون أن أكبر مشروع دعوي في القصة لم يكن بناء المساجد أو المدارس بل بناء علامات استفهام ضخمة في قلب جوبا…
علامات ما زالت تنتظر إجابات ضاعت كالاصول التي اعلنت علي المزاد الخفي.


