ياسر زكي محمد يكتب الحزن في الفرح

_حين يبكي القلب وهو يضحك_
الحزن في الفرح ليس نقيضاً.
هو سكين مغروسة في خاصرة الضحكة.
هو ظل الفرح الذي يمشي خلفك في الزفة… ويهمس لك وحدك: *”ناقصين”*.
هو المقعد الفارغ على مائدة العيد، المفروش بالصمت، بينما الكل يأكل ويضحك.
هو الاسم الممنوع من الصرف وسط الزغاريد… لكنه الفاعل الوحيد في جملة قلبك.
الفرح الصافي؟
كذبة يروّج لها السذج.
الفرح الحقيقي… مجروح دائماً.
ينزف شخصاً، لحظة، وعداً شنقوه على حبل “الظروف”.
لذلك نضحك بأعلى صوت… لا فرحاً، بل لنخنق أنين الذكرى قبل أن تفضحنا.
نرقص كالمجانين… لا طرباً، بل لننفض التراب عن جثة الحنين المدفونة تحت أقدامنا.
نرفع كؤوس “اليوم”… ونغمض أعيننا، حتى لا نرى شبح “الأمس” وهو يحتضننا من الخلف.
*الحزن في الفرح* هو أن تمزق ورق هدية عيد ميلادك، فتسقط منها سنوات عمرك كلها… إلا الثانية التي بعتَ الدنيا لأجلها.
هو أن تقف للصورة الجماعية، شفتاك ترسمان قوس قزح، وعيناك… خائنتان، تهربان إلى زاوية الكادر تبحثان عن ملامح لن تُخلق في الصورة.
هو أن تهمس “الحمدلله”… فيخرج صوتك مكسوراً، كأنه يعتذر لشخص يسمعك من تحت التراب.
الفرح الكامل للأموات.
أما الأحياء… ففرحهم له رائحة دموع.
وحزنهم؟ حزنهم هو الدليل الوحيد أنهم كانوا أحياء يوماً.
فلا تصدق ضحكة.
اقترب منها.
فتش عن الرعشة في حافتها.
هناك… في تلك الرعشة بالذات، يجلس الحزن.
عجوز أنيق، يشرب قهوته السوداء، وينظر إليك ويقول:
*”لولاي… لكانت ضحكتك بلاستيك. أنا من أعطيتها الملح”.*
—
*: “نخب الغائب”*
_حكى لي أحدهم… وقال: “اكتبها كما سمعتها. لا تزد حرفاً”._
قال لي:
“كنت معزوم على عيد ميلاد.
الثلاثين.
صالة، زينة، كيكة، ناس، موسيقى… كل شيء يصرخ: فرح.
وفي النص، كان ‘هو’.
صاحب العيد.
يضحك، يقطع، يتصور.
بطل المشهد.
لكنني…
أنا الوحيد الذي انتبهت.
انتبهت أن ابتسامته لها توقيت.
تشتغل… وتطفي.
كل ثانيتين بالضبط، عينه تخون الكاميرا، وتروح على كرسي.
كرسي فاضي على رأس الطاولة.
محطوط عليه منديل مطبق، طبق صيني، وكأس.
كأنه محجوز.
كأنه لشخص… سيأتي.
قال لي صاحبي وهو يبلع ريقه:
‘أقسم بالله سمعت صوته في راسي.
كان يبكي… وهو يضحك.
يقول:
*”ثلاثين سنة يا أمي.*
*كنتِ تقولي: لما تتم الثلاثين، أنا اللي ح أزغرد لك.*
*هيني… وهاي الزغاريد.*
*والكيكة، والشمع، والعالم.*
*كلهم إجوا… إلا أنتِ.*
*إلا أنتِ يا كذابة الوعد”.*
فجأة صرخ واحد من الشلة:
‘يا زلمة طفي الشمع! أمنية يلا!’
قال لي: ‘شفته.
غمض عيونه.
شفت شفايفه تتحرك. بس ما سمعت.
لكن أقسم إني سمعت الصوت في راسي مرة ثانية.
كان يقول:
*”أمنيتي؟*
*أمنيتي كانت نفسك اللي يطفي الشمع معي.*
*أمنيتي كانت كفك فوق كفي… مش كفوف الغُرب اللي قاعدة تصفق لي.*
*أمنيتي كانت أنتِ… مش ذكراك”.*
نفخ.
طفت الشموع.
الدنيا انقلبت تصفيق: “سنة حلوة يا جميل”.
قال لي: ‘وهون… هون صار الشي اللي خلاني أترك العيد وأروح.
عيني راحت على الكرسي الفاضي.
أقسم بعيوني… شفت شعلة شمعة.
شمعة وحدة لحالها، كانت ترتجف على الطاولة الفاضية.
والله العظيم ما كان في شمع.
كانت ترتجف… وترتجف… وبعد ثانية كاملة من ما طفت شموع الكيكة… طفت لحالها.
كأنها… كأنها كانت تستناه هو ينفخ.
كأنها زعلت’.
قال لي: ‘بعدها رفع كأسه.
وعيونه؟ والله ما فارقت الكرسي.
قال بصوت… يا ياسر، صوت يخليك تكره الأفراح:
*”نخبي… للغايبين اللي حاضرين أكثر من الحضور”.*
شرب.
وبعدها ابتسم للكاميرا.
ابتسامة… أقسم بالله لو شفتها، بتبطل تتصور طول عمرك.
لأن دمعة، دمعة وحدة بس، نزلت من طرف الابتسامة.
سخنة.
شفتها.
ما مسحها.
خلاها تنزل… وتنزل… وتطيح في كأسه الفاضي.
قال لي صاحبي وهو يرجف:
‘أنا طلعت.
ما قدرت أكمل.
وقبل ما أسكر الباب… سمعت صوت.
في الصالة، والعالم بيرقص.
سمعت صوت ملعقة… بتخبط في كأس فاضي.
مرة… وحدة… بس.
كأنه حدا بيرد عليه: *”صحتين”*’.
وسكت صاحبي.
وقال لي: ‘اكتبها.
بس لا تقول اسمي.
ولا اسمه.
اكتب بس: *بعض الكراسي… ما بتفضى. وبعض الشمع… ما بينطفي إلا بإذن’*.”
_انتهت؟_
_لا._
_هو حكى لي القصة قبل سنة.
وكل سنة، في نفس التاريخ، بيوصلني صورة.
صورة كرسي فاضي، وقدامه كيكة.
وفوق الكيكة… شمعة واحدة، مشتعلة._ *
_”كتبت وانا أؤمن أن كل عيد ميلاد… هو ذكرى وفاة لشيء ما”_


