كيفما!!!!!! د. غالب محمد طه يكتب اقتصاد الابتذال: كيف تصنع الخوارزميات نجوم التفاهة؟

وصلتني قبل أيام رسالة من صديق مقرب، أرفق معها مقطع فيديو وكتب محذراً: “يرجى وضع سماعات الأذن قبل المشاهدة”؛ شغلت المقطع، فلم تمض ثوانٍ حتى امتلأ بإيحاءات وعبارات خادشة للحياء. لم تكن الصدمة في المحتوى نفسه بقدر ما كانت في حقيقة أنه “سوداني الصنع بامتياز”؛ ولم أجد نفسي إلا وأنا أردد تلقائياً: “قلة الأدب دي… حدها وين؟” وهو السؤال ذاته الذي وجدته يتكرر بصيغ مختلفة في عشرات التعليقات أسفل المقطع، وسط ذهول جماعي يتساءل: متى انحدرنا إلى هذا الحد؟ وهل انفرط عقد الحياء في فضاء لا سقف له؟
ما نراه اليوم على منصات التواصل الاجتماعي ليس، في تقديري، ظاهرة سودانية معزولة، بقدر ما هو امتداد محلي لاقتصاد رقمي عالمي يقوم على تحويل الانتباه إلى سلعة، وعلى صناعة المحتوى الأكثر إثارة لأنه الأكثر قدرة على جلب المشاهدات والعوائد؛ غير أن هذه الظاهرة، حين وجدت طريقها إلى الفضاء السوداني، ارتدت ثوباً يناقض ما عُرف به المجتمع من حياء وتماسك. والقضية هنا ليست تجاوزات فردية عابرة؛ لقد تحول الابتذال ـ للأسف ـ إلى صناعة تدر الأرباح وتصنع الشهرة، حتى غدت تهدد السلم القيمي قبل أن تمس السلم الاجتماعي.
ولا يمكن إغفال أثر الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي في دفع بعض الشباب إلى البحث عن أي مصدر سريع للدخل أو الشهرة، غير أن هذه الظروف وحدها لا تفسر الظاهرة؛ إذ لو كانت الأزمات سبباً كافياً لظهرت بالقدر نفسه في كل مجتمع يمر بظروف مشابهة؛ لذلك، فإن اختزال ما نشهده في وصفه بأنه “انفلات أخلاقي” لا يكفي لفهمه، لأن المشهد أكثر تعقيداً.
فنحن أمام ما يعرف بـ”اقتصاد الانتباه”، وهو نموذج اقتصادي تتنافس فيه المنصات على جذب انتباه المستخدم لأطول وقت ممكن، لأن الانتباه نفسه أصبح مورداً يدر الأرباح؛ وفي هذا النموذج، لا تميز الخوارزميات بين ما هو راقٍ أو هابط، بقدر ما تكافئ ما يثير التفاعل، سواء كان إعجاباً أو غضباً أو جدلاً. وهكذا، يصبح المحتوى الأكثر إثارة هو الأكثر ظهوراً، ويغدو الابتذال سلعة ذات قيمة سوقية.
ولا يعني ذلك أن الخوارزميات تخلق هذا المحتوى من العدم، لكنها تعيد ترتيب أولويات ظهوره، فتمنحه فرصاً أكبر للوصول والانتشار؛ وقد أدرك بعض صناع المحتوى هذه القاعدة مبكراً، فصاروا يصنعون ما يثير الجدل أكثر مما يصنعون ما يضيف قيمة، وأصبحت مكافآت المنصات، وما يصاحبها من هدايا وعوائد مالية واتساع في الانتشار، لدى بعضهم أقوى من صوت الضمير ومن إرث أخلاقي امتد عبر أجيال.
ولذلك، باتت البثوث المباشرة في ساعات الليل ساحة مفتوحة لتحديات هابطة لا تبحث عن معنى بقدر ما تبحث عن استفزاز المشاهد، وتسللت اسكتشات قصيرة تحشو وعي المتلقي بلغة السوق متخفية في ثوب الكوميديا، واختُزل الفن في ترندات تختبر حدود التقاليد أكثر مما تختبر حجم الموهبة.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً هي علاقتنا نحن، كجمهور، بهذه الظاهرة؛ فحين نغضب وننهال بالتعليقات، أو نعيد نشر المقطع بحجة فضحه والتحذير منه، فإننا ـ من حيث لا نشعر ـ نمنح الخوارزميات الإشارة التي تبحث عنها، فكل مشاهدة، وكل تعليق، وكل مشاركة، تتحول في لغة المنصات إلى دليل على أهمية المحتوى وجاذبيته.
نحن نصرخ احتجاجاً، فالخوارزميات لا تفهم الاحتجاج؛ إنها تفهم التفاعل.
ومع كل موجة غضب إسفيرية، يزداد انتشار المحتوى وتتضاعف عوائده، فنجد أنفسنا ـ من دون قصد ـ شركاء في صناعة الشهرة التي كنا نظن أننا نحاربها.
وتتجاوز خطورة هذه الهندسة الرقمية حدود الشاشة؛ فهي تعيد تشكيل وعي الأجيال الناشئة التي قد ترى الوقاحة جرأة، والابتذال انفتاحاً، وتتعلم أن الطريق الأقصر إلى النجومية والثراء لا يمر عبر الاجتهاد أو الإبداع؛ طريقه كسر الحواجز الأخلاقية وإشعال الجدل. وحين تنزوي قيم الحياء والمروءة لحساب الفضيحة والإثارة، فإن المجتمع لا يخسر بعض ذائقته الجمالية فحسب؛ إنه يفقد إحدى ركائز تماسكه الثقافي.
ولهذا، فإن المواجهة لا تبدأ من المنصة؛ إنها تبدأ من فهم الطريقة التي تعمل بها، وهي لا تحتاج إلى خطب وعظيه بقدر ما تحتاج إلى وعي رقمي جماعي؛ فالتجاهل الواعي للمحتوى الهابط، والامتناع عن إعادة نشره، واستخدام أدوات الإبلاغ، كلها وسائل أكثر فاعلية من التعليقات الغاضبة التي تمنحه حياة جديدة. وإلى جانب ذلك، تبرز أهمية تفعيل الأنظمة ذات الصلة، ودعم صناعة محتوى سوداني رصين يمنح الشباب نماذج تستحق المتابعة والاقتداء.
ولعل الرسالة التي بدأت بتحذير: “يرجى وضع سماعات الأذن قبل المشاهدة” تنتهي اليوم بتحذير أكبر: ليس الخطر في أن نغلق آذاننا عن هذا الضجيج والابتذال الرقمي، بقدر خشيتنا في أن نعتاده ويصبح جزءاً من وعينا الجمعي؛ وما يزال في رصيد المجتمع السوداني من القيم والوعي ما يكفي لمقاومة هذه الظواهر الدخيلة، شريطة ألا يكافئها بالمشاهدة، ولا يمنحها بالانتشار ما عجزت عن كسبه بالقيمة.
فالمجتمعات لا تفقد هويتها دفعة واحدة، وإنما حين تتحول الاستثناءات إلى اعتياد، ويصبح ما كان يُستنكر بالأمس أمراً عادياً اليوم.
وبالله التوفيق.


